فصول جديدة من  قواعد العشق الأربعون

فصول جديدة من قواعد العشق الأربعون

ترجمة خالد الجبيلي
مترجم سوري مقيم في نيويورك
شمس التبريزي

قونية، 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1244
قبل ليلة واحدة فقط من لقائي بالرومي، جلست على الشرفة في خان تجار السكر. كان قلبي يتقد فرحاً بعظمة وروعة الكون الذي خلقه الله على صورته، لذلك أينما استدرنا ونظرنا، نستطيع أن نبحث عنه وأن نجده. لكن البشر نادراً ما يفعلون ذلك.


تذكّرت الأشخاص الذين التقيت بهم - الشحاذ والمومس والسكران. أناس عاديون يعانون من مرض مشترك وهو الانفصال عن الواحد الأحد. هذا النوع من الناس الذين لا يراهم العلماء، الذين يجلسون في أبراجهم العاجيّة. وتساءلت هل يختلف الرومي عنهم. وقلت لنفسي إنه إذا لم يكن مختلفاً، فيجب أن أكون الواسطة بينه وبين قاع المجتمع.
وأخيراً غطّت المدينة في سبات عميق. وفي ذلك الوقت من الليل، ترفض حتى الحيوانات الليلية أن تعكّر صفو الهدوء المخيّم على المنطقة. إن الإنصات إلى المدينة وهي غافية يجعلني حزيناً وسعيداً في وقت واحد، وأتساءل ما نوع القصص التي تروى وراء الأبواب الموصدة، وما هي القصص التي قد أعيشها لو أنني خُيِّرت: سلوك طريق آخر. لكني لم أختر، بل الطريق هو الذي اختارني.
تذكّرت حكاية تقول إن درويشاً جوّالاً وصل إلى بلدة لا يثق أهلها بالغرباء، فصاحوا به:"اخرج!! فلا أحد يعرفك هنا".
فأجاب الدرويش بهدوء،"نعم، لكني أعرف نفسي، صدّقوني، كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير لو كان غير ذلك".
فما دمت أعرف نفسي، فإن الأمور ستسير على ما يرام. فمن يعرف نفسه، يعرف الواحد الأحد.
غمرني القمر بوهج شعاعه الدافئ. وبدأ رذاذ ناعم يهمي على المدينة، رهيفاً مثل وشاح حريري. شكرت الخالق على هذه اللحظة المباركة، وأسلمت نفسي بين يديه. وتذكّرت أن الحياة هشة وقصيرة، وتذكّرت قاعدة أخرى: ما الحياة إلا دين مؤقت، وما هذا العالم إلا تقليد هزيل للحقيقة. والأطفال فقط هم الذين يخلطون بين اللعبة والشيء الحقيقي. ومع ذلك، فإمّا أن يفتتن البشر باللعبة، أو يكسروها بازدراء ويرموها جانباً. في هذه الحياة تحاشى التطرف بجميع أنواعه، لأنه سيحطّم اتزانك الداخلي.
فالصوفي لا يتصرف بتطرف، بل يظل متسامحا،ً ومعتدلاً على الدوام.
في صباح الغد سأتوجه إلى المسجد الكبير وأستمع إلى الرومي. فقد يكون خطيباً عظيماً كما يقول الجميع عنه، لكن أهمية وشعبية كلّ خطيب تقاسان في النهاية بعدد الأشخاص الذين يأتون لسماع خطبه. قد تكون كلمات الرومي مثل حديقة برّية، مليئة بالنباتات والأعشاب والصنوبر والشجيرات، لكنه يحق للزائر دائماً أن يلتقط منها ما يشاء. ففي حين يهرع الكثيرون إلى قطف الأزهار الجميلة في الحال، فإن قلة قليلة تبدي اهتماماً بالنباتات ذات الأشواك، لكن الحقيقة هي أنه يمكن صنع أدوية عظيمة منها.
ألا ينطبق الأمر نفسه على حديقة العشق؟ كيف يمكن للعشق أن يكون جديراً باسمه ما لم يختر المرء منه إلا الأشياء الجميلة، ويترك الأشياء الصعبة؟ فمن السهل الاستمتاع بالأشياء الجيدة، والنفور من الأشياء السيئة. يمكن لأي امرئ أن يفعل ذلك. لكن التحدي الحقيقي هو أن يحبّ المرء الأشياء الجيدة والسيئة معاً، لا لأنه يجب أن يتقبّل الأشياء بحلوها ومرّها، بل لأنه يجب أن يتجاوز هذه الأوصاف، وأن يتقبّل الحبّ برمته.
لم يبق سوى يوم واحد حتى ألتقي برفيقي. لقد جافاني النوم.
أيها الرومي! ملك عالم الكلمات والمعاني! هل ستعرفني عندما تراني؟
لنلتق!
الرومي
قونية، 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1244
إنه ليوم مبارك حقاً، فقد التقيت شمس التبريزي. ففي هذا اليوم، وهو آخر يوم من شهر تشرين الأول (أكتوبر) كان الهواء أكثر برودة، وهبّت رياح أقوى، معلنة انتهاء الخريف. وكالعادة كان المسجد مكتظاً بالمصلين في عصر هذا اليوم. فعندما أعظ الحشود الغفيرة، فإني أحرص دائماً على ألا أنسى المؤمنين الذين يستمعون إلى خطبي. ولا توجد إلا وسيلة واحدة لعمل ذلك وهي أن أتخيّل أن الحشد شخص واحد، فعلى الرغم من أن المئات يستمعون إلى خطبي كلّ أسبوع، فإني أكلّم شخصاً واحداً فقط على الدوام – وهو الشخص الذي يسمع صدى كلماتي تتردّد في قلبه، والذي يعرفني كما لا يعرف أحداً آخر.
عندما أنهيت خطبتي وخرجت من المسجد، كانوا قد جهزّوا لي فرسي. وكانوا قد ضفروا عرف الفرس بخيوط من الأجراس الفضية الذهبية الصغيرة. كنت أجد متعة في سماع رنين الأجراس في كلّ خطوة يخطوها، لكن كان يستحيل عليّ أن أمضي بسرعة أكبر وأمامي هذا العدد الكبير من الأشخاص الذين يسدّون طريقي. وببطء رحنا نمر أمام محلات وبيوت متداعية ذات سقوف مصنوعة من القش، وقد اختلطت نداءات البائعين ببكاء الأطفال وصيحات الشحاذين الذين يطلبون حفنة من النقود. وكان معظم الناس يريدون أن أباركهم وأبتهل من أجلهم، وكان بعضهم الآخر يكتفي بالسير بالقرب مني، لكن كان لدى بعضهم الآخر توقّعات أكبر، فكانوا يطلبون مني أن أشفيهم من مرض عضال، أو من رقية شريرة. كان هؤلاء هم الذين يثيرون قلقي، فكيف لا يرون أنه لم يكن بمقدور النبي ولا أي حكيم آخر، الإتيان بأي معجزة من هذا القبيل؟
عندما انعطفنا عند ناصية الشارع، واقتربنا من خان تجار السكّر، لمحت ولياً تقياً جوّالا يشقّ طريقه عبر الحشد، يتهادى نحوي مباشرة ويرمقني بعينين ثاقبتين. كانت حركاته حاذقة ومركّزة، وكانت تشعّ منه هالة من القدرة الذاتية. كان حليقاً، لا لحية له، ولا حاجبين. ومع أن وجهه كان مكشوفاً كما ينبغي لوجه أي رجل أن يكون، فإن قسمات وجهه يكتنفها الغموض.
لكن لم يكن مظهره هو الذي فتنني وجذب انتباهي. فخلال سنوات كثيرة، رأيت دراويش جوّالين من جميع الأنواع يجتازون قونية سعياً وراء الله. ويُعرف معظم هؤلاء الدراويش بسلوكهم المشاكس، بأوشامهم البارزة، وأقراطهم العديدة، والحلقات في أنوفهم. وكانوا إمّا يطيلون شعورهم، أو يحلقونها تماماً، بل إن بعض الدراويش من الطريقة القلندرية يثقبون ألسنتهم وحلماتهم بحلقات. لذلك عندما وقعت عيناي على هذا الدرويش، لم تكن قشرته الخارجية هي التي أثارت انتباهي، بل يمكنني القول إن نظرته هي التي فتنتني.
كانت عيناه السوداوان تحدّقان بي بنظرة أحدّ من الخنجر. وقف في منتصف الشارع، ورفع ذراعيه عالياً، وفتحهما على وسعيهما، وكأنه لم يكن يريد أن يوقف الموكب فقط، بل يوقف تدفق الزمن كذلك. أحسست برعدة تسري في أوصالي، مثل حدس مفاجئ. وتوتر فرسي وبدأ يصهل بصوت مرتفع، وراح يهزّ رأسه إلى الأعلى وإلى الأسفل. حاولت أن أهدئ من روعه، لكنه أجفل، واعتراني شعور بالتوتر أنا أيضاً.
أمام عينيَّ اقترب الدرويش من فرسي، الذي أجفل، وهمس شيئاً في أذنه. بدأ الحصان يتنفّس بصعوبة، لكنه عندما لوّح بيده بإيماءة نهائية، هدأ الحصان على الفور، وسرت موجة من الحماسة في الحشد، وسمعت أحدهم يتمتم، ويقول:"هذه شعوذة".
نظر الدرويش إليّ بفضول، غير عابئ بما يحيط به، وقال: أيها العالم العظيم في الشرق والغرب، لقد سمعت عنك الكثير. لقد جئت إلى هنا اليوم لأسألك سؤالاً، لو سمحت؟"
"تفضل"، قلت هامساً:
"حسناً، يجب عليك أولاً أن تترجل عن حصانك كي نكون على سوية واحدة".
ذهلت لسماع ذلك، فلم أتمكن من أن أنبس بكلمة لوهلة؛ وأبدى الناس حولي دهشتهم، فلم يجرؤ أحد على مخاطبتي بهذه الطريقة.
أحسست بوجهي يلتهب، وببطني تؤلمني، لكني كبحت انزعاجي وترجلت عن فرسي. كان الدرويش قد أدار ظهره وسار مبتعداً.
"يا صاح، انتظر"، صحت ولحقت به،"أريد أن أسمع سؤالك".
توقّف واستدار، وابتسم لي لأول مرة، وقال:"حسناً، قل لي أرجوك، من هو الأعظم برأيك: النبي محمد أم الصوفي أبو يزيد البسطامي؟"
فقلت:"ما هذا السؤال؟ كيف يمكنك أن تقارن بين نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام، خاتم الأنبياء والمرسلين، وبين صوفي سيء السمعة؟"
تجمّع حولنا حشد من الناس الفضوليين، لكن الدرويش بدا غير مكترث بهم، وقال بإلحاح وهو لا يزال يحدّق في وجهي،"أرجو أن تفكّر في الموضوع. أفلم يقل النبي: يا رب اغفر لي عجزي عن معرفتك حق المعرفة، في حين قال البسطامي: طوبي لي، فأنا أحمل الله داخل عباءتي؟ فإذا كان هناك رجل يشعر بأنه صغير بالنسبة لله، بينما يدّعي رجل آخر بأنه يحمل الله في داخله، فأيهما أعظم؟"
بدأ قلبي يخفق بقوة. فما عاد السؤال يبدو غريباً. في الواقع، بدا كأن حجاباً قد أزيل وكان تحته لغز مثير ينتظرني. ارتسمت على شفتي الدرويش ابتسامة ماكرة، مثل نسيم عابر. وعرفت الآن أنه ليس مجنوناً، بل مجرد رجل يطرح سؤالاً - سؤال لم أفكّر به من قبل.
"أرى ما تحاول أن تقوله"، قلت له، ولم أرغب في أن يسمع الرعشة التي اعترت صوتي المتهدج،"سأقارن بين القولين. ومع أن قول البسطامي يبدو أعلى، فإني سأخبرك لماذا إن العكس هو الصحيح".
فقال الدرويش:"كلي آذان صاغية".
"كما ترى، فإن حبّ الله محيط لا نهاية له، ويحاول البشر أن ينهلوا منه أكبر قدر من الماء. لكن في نهاية المطاف، يعتمد مقدار الماء الذي يحصل عليه كلّ منا على حجم الكوب الذي يستخدمه. ففي حين يوجد لدى البعض براميل، ولدى البعض دلاء، فإن لدى البعض الآخر طاسات فقط".
بينما كنت أتحدّث، رحت أراقب قسمات الدرويش وهي تتحوّل من ازدراء خفيف إلى شكر واضح، ومنها إلى ابتسامة رقيقة لشخص يرى أفكاره في كلمات شخص آخر.
"كان وعاء البسطامي صغيراً بعض الشيء، وقد روى عطشه بعد أن نهل جرعة، وكان سعيداً بالمرحلة التي بلغها. كان شيئاً عظيماً أن يدرك الإله في نفسه، لكن بالرغم من ذلك،لم يتمكن من التمييز بين الله وبين وحدة النفس. أما النبي، فقد اختاره الله ولديه كوب أكبر بكثير لكي يملؤه. لذلك سأله الله في القرآن: ألم نشرح لك صدرك؟ وهكذا شرح صدره، وكان كوبه ضخماً، كان عطشاً على عطش بالنسبة له. ولا عجب أنه قال: 'إننا لا نعرفك كما ينبغي لنا أن نعرفك، مع أنه من المؤكد أنه يعرفه كما لا يعرفه شخص آخر".
ابتسم الدرويش ابتسامة عريضة ودودة، وأومأ وشكرني. ثمّ وضع يده على قلبه ببادرة امتنان، ولبث هكذا لبضع ثوان. وعندما التقت عيوننا ثانية، لاحظت مسحة من اللطف قد تسللت إلى نظرته.
رحت أحدّق وراء الدرويش ورأيت المشهد الطبيعي الرمادي اللؤلؤي الذي يميّز مدينتنا في هذا الوقت من السنة. وانسلت بضع أوراق أشجار جافة حول أقدامنا: وراح الدرويش ينظر إليّ باهتمام متجدّد، وفي ضوء الشمس الآفلة للغروب، أقسم بأنني لوهلة رأيت حوله هالة عنبرية اللون.
انحنى لي احتراماً، وانحنيت له. لا أدري كم وقفنا هكذا، كانت السماء بلونها البنفسجي تتدلى فوق رؤوسنا. وبعد قليل، بدأ الناس المتحلقون حولنا يتململون بعصبية، بعد أن كانوا يراقبوننا ونحن نتبادل الحديث بدهشة تكاد تتسم بالرفض. إذ لم يرني أحد أنحني لأي شخص قط، لذلك صدم البعض عندما رأوني أنحني لصوفي جوّال بسيط، بمن فيهم أقرب المريدين لي.
لا بد أن الدرويش شعر باستياء عامة الناس.
"من الأفضل لي أن أذهب الآن وأتركك مع مريديك"، قال، وانخفض صوته ليصبح مثل جرس مخملي، يكاد يكون همساً.
فقلت معترضاً:"انتظر. لا تذهب، أرجوك. ابق".
لمحت مسحة من الاهتمام على وجهه، وزمّ شفتيه بحزن، كما لو كان يريد أن يقول شيئاً لكن إما أنه لم يستطع، أو أنه لم يشأ أن يقوله. وفي تلك اللحظة، في فترة الصمت القصيرة تلك، سمعت السؤال الذي لم يسألني إياه.
وماذا عنك أنت، أيها الخطيب العظيم؟ قل لي، ما هو حجم كوبك؟
لم يكن لديّ شيء أقوله، فقد نضبت الكلمات منا. اقتربت من الدرويش حتى أني رأيت الخطوط الذهبية في عينيه السوداوين. وفجأة غمرني إحساس غريب، كما لو أنني كنت قد عشت هذه اللحظة من قبل. لا مرة واحدة، بل أكثر من عشر مرات. وبدأت أتذكر شذرات. رجل طويل نحيف يستر وجهه بحجاب، وأصابعه ملتهبة. ثم أدركت. فلم يكن الدرويش الواقف أمامي إلا ذاك الرجل الذي كنت أراه في أحلامي دائماً.
عرفت أنني وجدت رفيقي. لكن بدلاً من أن أبتهج نشوة، كما خيّل إليّ، غمرني شعور بالرهبة.
الرومي
قونية، 18 كانون الثاني (يناير) 1244
باطن الله - يا وجه الله المخفي. افتح لي عقلي حتى يمكنني أن أرى الحقيقة.
عندما سألني شمس التبريزي عن النبي محمد والصوفي البسطامي، أحسست كما لو كنا الشخصين الوحيدين المتبقيين على وجه الأرض، وقد انبسطت أمامنا الأطوار السبعة على طريق الحقيقة – سبعة مقامات يجب على كلّ روح أن تكابدها حتى تبلغ الوحدانية.
الطور الأول هو النفس الأمارة، وهو أشدّ الأطوار بدائية وانتشاراً في الوجود، عندما تقع الروح في شرك المساعي الدنيوية. ويبقى أغلب الناس في هذا الطور، يجاهدون ويعانون في العمل لأنهم منهمكون في خدمة ذواتهم الوضيعة، لكنهم يحمّلون الآخرين على الدوام مسؤولية شقائهم المستمر.
وعندما يدرك المرء الحالة التي وصل إليها من انحطاط الروح، يبدأ في جهاد النفس حتى ينتقل إلى الطور التالي الذي هو عكس الطور الأول. فبدلاً من أن ينحي باللائمة على الآخرين دائماً، يبدأ المرء الذي بلغ هذا الطور بنفسه، تصل أحياناً إلى درجة محو الذات. وهنا تصبح النفس اللوامة وبذلك يبدأ الرحلة نحو النقاء الداخلي.
وفي الطور الثالث، يزداد المرء نضجاً وتنتقل النفس لتصبح النفس الملهمة. وفي هذا الطور فقط، وليس قبله، يتمكن المرء من معرفة المعنى الحقيقي لكلمة"الخضوع"، ويبدأ في الطواف في وادي المعارف الإلهية. والمرء الذي يبلغ هذه المرحلة يمتلك الصبر، والمثابرة، والحكمة، والتواضع، ويبدو العالم له جديداً مليئاً بالإلهام. بيد أن معظم الذين يبلغون المقام الثالث هذا، يرغبون في البقاء فيه، ويفقدون الرغبة في الانتقال أو الشجاعة للانتقال إلى الأطوار الأخرى. لذلك، مع أن الطور الثالث يبدو جميلاً ومباركاً، فإنه بمثابة شرك للشخص الذي يتطلع إلى بلوغ درجة أعلى.
أما الذين يتمكنون من المضي قدماً، فهم يبلغون وادي الحكمة ويعرفون النفس المطمئنة. وهنا يختلف إحساس النفس عما كانت عليه، لأنها ترتقي إلى درجة أعلى من الوعي. ومن الصفات التي تلازم الذين بلغوا هذا الطور: الكرم، والعرفان، والشعور الدائم بالرضا، مهما بلغت مشاق الحياة ومصاعبها. ثم يأتي وادي الوحدة. ويشعر المرء الذي يبلغ هذا المقام بالرضا مهما كان الوضع الذي يضعه الله فيه. فلا تهمه الأمور الدنيوية، لأنه بلغ النفس الراضية.
وفي الطور التالي، تأتي النفس المرضية، حيث يصبح المرء مشكاة للإنسانية، يبثّ الطاقة في كلّ من يطلبها، ويعلّم وينوّر مثل أستاذ حقيقي. وقد يمتلك المرء أحياناً قوى شافية أيضاً. فحيثما ذهب، يحدث أثراً كبيراً في حياة الآخرين. ففي كلّ شيء يفعله ويصبو إلى عمله، يكون هدفه الرئيسي خدمة الله من خلال خدمة الآخرين.
وأخيراً يأتي الطور السابع، حيث يبلغ المرء النفس النقية ويصبح"الإنسان الكامل". لكن أحداً لا يعرف الكثير عن هذه الحالة، التي حتى لو بلغها البعض، فإنهم لا يتكلّمون عنها.
يسهل تلخيص أطوار بلوغ الطريق، ويصعب اجتيازها. ومما يزيد من العقبات التي تظهر على طول طريق الحقيقة، عدم وجود ما يكفل الاستمرار في المضي قدماً. فالطريق من الطور الأول حتى الطور الأخير ليس خطاً مستقيماً البتة؛ وهناك دائما احتمال السقوط والعودة إلى الأطوار الأولى، ويكون السقوط أحياناً من أعلى الأطوار إلى الطور الأول. وبسبب كثرة الأفخاخ المنصوبة على طول الطريق، فلا عجب أن لا يتمكن من بلوغ الأطوار النهائية سوى قلة قليلة في كلّ قرن.
***
لذلك، عندما سألني شمس هذا السؤال، لم يكن في نيته عقد مقارنة، بل كان يريد أن يعرف مدى استعدادي للمضي في محو شخصيتي حتى أذوب في الله. وكان هناك سؤال خفي داخل سؤاله الأول.
"وماذا عنك، أيها الخطيب العظيم؟"سألني،"فمن بين الأطوار السبعة، في أيّ طور أنت الآن؟ وهل تظن أن لديك الشجاعة للمضي حتى النهاية؟ قل لي، ما حجم كوبك؟"

عن جريدة السفير