الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء كما عرفته

الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء كما عرفته

جعفر الخليلي
لم تكن شهرة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء يوم وعيت تتجاوز شهرة استاذ من افاضل الاساتذة، وقد رأيته اول مرة وهو يباحث عددا من طلاب العلم في الحجرة الواقعة في الزاوية من الركن الجنوبي الشرقي من الصحن الشريف في النجف، وما زلت اذكر اول ملتقاي اياه، واتصور هيكله حينذاك، فلقد كان رجلا طويل القامة، اسود اللحية، حلو التقاطيع ، تدل ملامحه وهو يدخل الحجرة ويخرج منها على شخص كثير الثقة بنفسه، وكثير الاطمينان من مقدرته،

ثقة واطمينانا خالصين من اية شائبة من شوائب الغرور والعجرفة التي عرف بها بعض اساتذة العلم، وكلما فهمت – وانا في مبتدأ الطريق من دراسة الادب – هو ان الشيخ محمد الحسين من اساتذة العلم المرموقين، وانه فوق ذلك كاتب مبدع، وشاعر بليغ، ولكنني كنت قد سمعت باسم اخيه الاكبر المرجع الروحاني الكبير الشيخ احمد كاشف الغطاء (والد الاستاذ عباس كاشف الغطاء مدير البنك اللبناني المتحد) قبل ان اسمع باسمه، وكنت قد رأيت الشيخ محمد وهو يصلي بالناس كل يوم في الصحن قبل ان ارى الشيخ محمد الحسين، وكنت قد سمعت باسم ابيهما الشيخ علي آل كاشف الغطاء قبل ان اسمع باسميهما، فلقد كانت لابيهما الشيخ علي آل كاشف الغطاء شهرة كثيرة كسبها من سفره الى اسطنبول ومقابلته السلطان وكبار الوزراء، والقادة، والعلماء، واقامته في اسطنبول زمنا طويلاً.
وان رؤية اسطنبول، ومقابلة السلطان، والوزراء، والقواد، والقضاة، ورجال العلم في ذلك اليوم لا يعد به في هذا اليوم شيء حتى الطواف بالدنيا كلها والتعرف بجميع شخصيات العالم من الميكادو الى البانديت نهرو فخروشيف فالملكة اليزابيث فاريناور وكندي وكل رجال الدنيا وشخصياتها، فلم يكن يجيء ذكر الشيخ علي كاشف الغطاء الا وتقفز الافواء اعجابا بهذا الرجل الذي رأى كل هذا، واجتمع بكل هؤلاء القادة والرجال...!
وزاد احترام الانكليز له في اثناء الاحتلال، واعتبارهم الاستاذ والاوراق الموقعة من قبله اوراقاً رسمية لها حكم استاذ الطابو وحكم الاستاذ المصدقة من كاتب العدل ..! لقد زاد هذا شيئاً من احترام الكثير من الناس له وان كان احترام كهذا من جانب الانكليز قد قلل بعض الشيء من شأنه عند الاحرار والوطنين.
وهنالك شيء آخر له قيمته في شهرة الشيخ علي ثم في نشاة ولديه – الشيخ احمد الذي صار بعد ذلك مرجعا من اكبر المراجع الدينية وزعيما كاد ينفرد بزعامة الشيعة وحده، ثم تلاه اخوه الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء الذي صار هو الآخر من اكبر الزعماء الروحانيين بعد اخيه – الا وهو المكتبة، فقد كان للشيخ على كاشف الغطاء مكتبة انفردت بالكثير من الكتب العربية المعقودة وضمت مئات من الكتب النادرة التي بذل الشيء الكثير للحصول عليها، وكانت تعتبر المكتبة الاولى في الشرق من حيث جمعها للنادر والمفقود من الكتب، وعلى الرغم مما بيع منها بعد وفاته فهي اليوم لاتزال في عداد المكتبات المهمة وان كان مجموعها لايزيد على بضعة الاف كتاب جمعها بشق الانفس كما يقولون، ولقد روى فيما روى عن حرصه في اقتناء الكتب انه بينما كان منهمكا مرة في نقل كتاب خطي في احد الجوامع باسطنبول اذ جاء احد الضباط للقبض عليه بناء على أمر السلطان عبد الحميد الثاني متهما اياه بالتواطؤ مع (ابي الهدى) في تدبير مؤامرة سياسية نمت عليها قصيدة نسب نظمها الى ابي الهدى، وابو الهدى هذا كان من اقرب المقربين الى السلطان عبد الحميد.. ولكن الشيخ علي قال للضابط:
- كل من حدثك باني سأترك عمل استنساخ هذا الكتاب قبل ان اصل الى نهاية الفصل الذي يستلزم الانتهاء من استنساخه نحو ساعة او اكثر فلا تصدق ذلك..
وهكذا اضطر الضابط بداعي الاحترام، الى الانتظار حتى يتم الشيخ علي هذا الفصل من الكتاب، وبعد ان قبض عليه انكشف الامر عن بطلان تلك التهمة واطلق سراح الشيخ علي وابي الهدى واجزل له الغطاء من السلطان ومن صديقه ابي الهدى، لقد كان الشيخ علي يجمع كتبه على هذا النحو من الحرص والتهالك، حتى اتم جمع تلك المكتبة النفيسة الثمينة.
وكان لهذه المكتبة شأن كبير في مد ذينك الاخوين العالمين الكبيرين بتلك الثقافة الواسعة في أول نشأتهما وقبل انفصالهما عن ابيهما، وكان لتلك المكتبة صدى كبير في الاوساط العلمية، وعلى رغم حرص الشيخ علي على تلك الكتب فقد كان لا يتوقف عن اعارة الكتاب للكثيرين ممن يعرف ومن طريق اعارته بعض الكتب النادرة لوالدي استطعت ان اعرف اصل هذا الشيخ وفصله، وشيئاً عن بيته، وآله، واستطيع ان اؤكد بان الشيخ علي لم يكن يمتنع عن اعارة الكتاب حتى للمشكوك في اهتمامهم بالكتب، والمحافظة عليها، وكان من اولئك الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي اعتاد ان يستعير بعض الكتب منه، ويعيدها اليه سالمة صحيحة، ذلك لان الشيخ علي لا يمتنع اذا ما تأخر ميعاد اعادة الكتاب ان يبعث بخادمه فيجر المستعير اليه جراً، ولن يمتنع من ان يلقيه ارضا، وينزل فيه ضربا، بتلك العصا الغليظة التي كان يستعين بها في مشيته.
واذكر مرة – والشي بالشيء يذكر كما يقولون – ان الشيخ هادي الخضري قرأ للشيخ علي كاشف الغطاء بيتين من الشعر يتضمنان طلب جبة أو قباء، فاستحسن الشيخ علي البيتين، ونادى الخادم فجاء له بجبة من جببه والبسه اياها، وبعد يومين وهو يقلب الصفحات في كتاب (نفحة اليمن) استقصاء لموضوع كان قد شغل باله ألقى البيتين مسطورين هنالك!! وعلى رغم ان الوقت لم يكن مناسبا فقد بعث خادمه يدعو الشيخ هادي في تلك الساعة من الليل اليه وحين جاء به انهال عليه بعصاه والشيخ هادي يستغيث ويطلب معرفة السبب...!!
قال الشيخ علي – وقد انهك يده الضرب – اريد ان اعرف مأتى هذه الجرأة التي تحملك على ان تسرق بيتين من نفحة اليمن وتنتحلهما لنفسك لتستجيزني عليهما جبة؟
فقال الشيخ هادي – ولكن من قال لك انني انتحلت البيتين؟ ان الامر ليس اكثر من اني قرأت عليك البيتين متمثلاً فاكرمتني جبة.. فعلام كان هذا الغضب وهذه الشدة؟
ولعل اول باب فتح لشهرة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في خارج النجف كان عن طريق المراسلات التي جرت بينه وبين امين الريحاني تلك المراسلات التي تتضمن تبادل آراء في ردود اعجبت جميع قراء العربية على اختلاف نحلهم، ثم جمعت وطبعت باسم (المراجعات الريحانية)، وعلى اني قرأت هذه المجموعة في ذلك الوقت البعيد، فلم يزل يعلق بذهني شيء غير قليل منها.
وعلى ان الشيخ محمد الحسين كان اقل تقيدا بالتقاليد من العلماء الروحانيين الاخرين واقل مراقبة للرأي العام واكثر العلماء جراة فقد حاول التهرب من مقابلة امين الريحاني في اثناء زيارته للنجف مراعاة للسواد الذي كان يعتبر الريحاني ملحداً، او ممالئاً للانكليز على الاقل، او لشيء آخر تبادر الى ذهن الشيخ فرأى الشيخ ان من الصلاح الاعراض عنه.
ومع ذلك فقد تمت هذه المقابلة، ووقع نظر الريحاني على مسودات اوراق كانت امام الشيخ، فسأل عنها فقيل له – انها مسودة رسالة للشيخ تتعلق بالفرائض الدينية من صلاة، وصوم، وحج، وغير ذلك، فقال الريحاني يخاطب الشيخ بهذا المعنى:
... ان الذي اعرفه هو انك لم تخلق لهذا فانت ارفع شأنا من ان تقضي وقتك بمثل هذه الامور وتعاف اصلاح المجتمع...
وحين هم الريحاني بالقيام من عند الشيخ قال: "لقد كان الامام كاشف الغطاء من اعز اصدقائنا فافسده الدين علينا".
وظل الناس يتحدثون عن زيارة الريحاني للشيخ طويلا، وعما دار بينهما من احاديث ادبية، واجتماعية، ودينية، عامة، وخاصة، ولكن الشيخ لم يسلم من النقد والمؤاخذة من لدن الكثير من اولئك المتعصبين الجامدين الذين كانوا لا يرون من حق الروحانيين ان يصادقوا اشخاصا من غير دينهم، وعلى غير طرائقهم.. ، ومع ذلك فلم يعدم الشيخ الجماعات التي كانت تؤمن برسالته، وتذب عنه، وتدافع عن مثل مصادقته للريحاني وتأسيه صداقة الشريف الرضى والسيد المرتضى للصابئ التي كان من امرها ان رثاه بتلك المرثيتين المعروفتين..
***
اقول ان الشيخ محمد الحسين كان أول داع للاصلاح الديني والاصلاح الاجتماعي، وكان يتمتع بسليقة قل ان تمتع بها زعيم روحاني في استنباط الاحكام، فلقد لامني سمعني اخطب في حفلة تأبين السيد ابي الحسن الاصفهاني حين قلت "ان السيد ابا الحسن كان اول مجتهد حكم بطلاق امرأة معدمة من زومة كان قد حكم عليه بالسجن خمس سنوات. فقال لي الشيخ محمد الحسين، بل انا الذي كنت اول من حكم بطلاق امرأة من زوج مسلول وكان ذلك قبل حكم السيد ابي الحسن بسنوات، فيكون الشيخ بناء على ذلك اول من اخذ الحق – حق الطلاق المفروض ان يكون بيد من اخذ بلاساق – من الرجل وطلق الزوجة دون اخذ موافقة الزوج، فسألته عن المسوغ؟ عن المسوغ الشرعي لا المدني طبعا الي يبيح له اصدار مثل هذا الحكم بينما لم يسبق لاحد من الائمة فضلا عن العلماء من استطاع ان يفتي بمثل هذا او ما يشبهه؟
فاجابني بكل ثقة وصرامة قائلا: "ان المجتهد مشرع يا عمي؟ ".. !!
ومن هذا يستبان ان الشيخ كان يعطي الاجتهاد حقا لم يعطه احد قبله من الفقهاء.
ومع ذلك فقد كانت له اراء شرعية لم يتح له ان يخرجها على رغم جرأته لقد قال لي مرة وانا اسأله عن الامام الثاني عشر (صاحب الزمان) والخصائص المذهبية الواردة عنه لقد قال لي:
"ان الاعتراف بوجوده على هذا النحو ليس من الضروريات"..!!
ومن هذه الآراء ايضا بانكاره (للرجعة) وقد اورد ذلك في الطبعة الاولى من كتاب (اصل الشيعة واصولها) ثم اضطر الى اغفال ذلك في الطبعات الاخرى بسبب الضجة التي احدثها رأيه هذا على ما قيل.
ولكني اعتقد ان ذلك كان قبل عدة سنوات وقبل ان ترسخ قدمه في ميدان الزعامة اذا صح، لاني وجدته اجرأ الزعماء في السنين الاخيرة.
وقال لي مرة اذا كانت في الاسلام احكام لا ينبغي ان تتبدل وتتغير على مدى الايام، فان هنالك احكاما تستلزم التبديل والتغيير اذا تطلبها العقل، والمنطق، والمستلزمات الشرعية، ولكن الكثير من المجتهدين – تعوزهم السليقة ليجروا مثل هذا التبديل، والتغيير، فتظل تلك الاحكام جامدة وبعيدة عن الهدف الذي يرمي اليه الشرع.
وقال خذ مثلا وصية الميت التي يوصى فيها بانفاق ما يخصه من ثلثه على بناء (السبيل) وهو محل لعرض الماء مجاناً للشرب في طريق القوافل، وفي مداخل المدن، كما كان يفعل المسلمون في العصور السابقة اجابة لحض الدين عليه، وطلبا للمتوبة قال: فهل من المعقول او هل من الشرع ان تنفذ وصية الميت بعد ان وفرت اليوم مياه الشرب في كل مكان، واصبحت وسائط النقل من السرعة والسهولة بحيث يفطر الانسان صباحا في البصرة ويتغدى ظهراً في القاهرة هل من الشرع ان تنفذ هذه الوصية لمجرد انها وصية يجب على الوصي تنفيذها؟
وقال: لقد كان بناء المساجد في العصور الاسلامية السابقة، من اقرب المقربات الى الله، يوم كان المسجد محلا لاداء الصلاة، ومدرسة يقوم فيه الطلاب يتلقى العلوم، ومنتدى يجتمع فيها المسلمون في كثير من المناسبات وملجأ للغرباء الذين يفدون على المدينة، ويوم كانت ابواب المساجد بمثابة الجرائد تلصق عليها الاعلانات، عن فقدان حاجة، او العثور على حاجة، وغير ذلك من الاغراض، فهل يمكن ان تكون المتوبة في بناء هذه المساجد – اذا زاد عدد المساجد عن الحاجة – هي عين المتوبة بعد ان فتحت المدارس الكافية، وتأسست المستشفيات وبنيت الاندية، وتكاثرت المرافق الاجتماعية والمؤسسات التعاونية، لو ان رجلا اوصى بان ينفق من ماله الخاص به (اي من ثلثه) على بناء مسجدين او اكثر في المدينة؟
قال انني لا اعتقد ان المتوبة الحاصلة اليوم من تأسيس (سبيل) للماء، وبناء مسجد، هي عين المتوبة السابقة، فالاسلام يوم كان يحضى على اقامة المساجد وتعميرها كان ينبغي منها كل تلك الفوائد التي ذكرت واكثر من نشر دعوته والتبشير بسنته العادلة، وايصال صوته الى الغاظين عما يرمي اليه الاسلام الصحيح من هدف عملي في حياة الانسان العامة، لذلك.. (قال الشيخ).. لذلك قد حملت مرة اخرى الاثرياء من رؤساء العشائر وكان قد جاءني ليأخذ رأيي في بناء مسجد في قريته، وكان فيها مسجد آخر لقد حملته على ان يبني بعض الغرف في مصح (حمانا) ويهديها مجانا للمسلولين العراقيين، وقلت له ان الثواب في ذلك عند الله اكثر واكبر مادام في قريته مسجد يكفي لاداء المهمة كما تحققت، وقد علمت انه بنى غرفة او غرفتين في مصح (حمانا)، وان افاضة المساجد عن الحاجة – كما قال الشيخ – هو الزائد الذي قيل عنه انه كالناقص، وهو الذي يلزم المجتهد اعادة النظر في الحكم، ولقد تسبب من عدم ادراك الناس، وعدم تصدي المجتهدين لافهام بناة المساجد، ان كثر عدد هذه المساجد واصبح الكثير منها مغفلا ومهملا ولحق من جراء ذلك شيء من الاهانة بالطقوس الاسلامية فضلا عن ضياع المالي وانفاقه سدى.
ولم اجد شخصا يعدل عن رأيه بالسرعة التي يعدل الشيخ محمد الحسين عن رأيه حين تتضح له الحقيقة، ويتجلى له الحق، وكثيرا بل واكثر من الكثير الذي رأيت فيه الامام يدلي برأي خاص كان يؤمن به منذ زمن ثم لم يكتف بتغيير رأيه وانما راح يدل الاخرين على المواطن التي لم يصب فيها من قبل، واذا تبحج الكثير بما قد اصابوا في كثير من الاراء فانه ليسرد لك في المناسبة كثيرا من المواقف التي التبس فيها عليه الامر..! وهي صفة لزبدة العلماء المحققين.
زرته ذات ليلة بمستشفى الكرخ ببغداد فالقيت عنده جمعا من المشايخ والوجوه وكانت صحته مما تسمح بالجلوس للناس وقد ويجدت الجمع يخوض في بحث كتاب (وعاظ السلاطين) للدكتور علي الوردي الذي كان قد صدر منذ ايام قريبة ولم يترك أحد من الجالسين شيئا لم يقله عن افساد الوردي لافكار الناس، وكفره، واستهزائه بالدين والائمة الذي تضمنه كتابه على حد رأيهم، وكان الشيخ يحتم غيظا، ويحوقل ، ويستعيذ وقد علمت ان ارشد العمري كان عند الشيخ من دقائق فافرغ الشيخ غضبه في اذن العمري، ولم يترك العمري الشيخ حتى وعده وعدا اكيداً بانه سيتخذ جميع الاجراءات الممكنة في حق الدكتور علي الوردي وفي حق كتابه هذا اذا ما اصبح الصباح..
وكنت قد فرغت من مطالعة الكتاب المذكور في ذلك اليوم، او اليوم الذي قبلهن فانبريت الى القوم افند ادعاءهم، واروي للشيخ آراء الوردي على حقيقتها، وكان ردي على اولئك التمحمسين في هجومهم على الوردي عنيفا وكان، دليلي او قل تأثيري على الشيخ قوياً، بالرغم من انني كنت واحدا، وكانت الحاشية التي احاطت بالشيخ جمعا كبيراً، وفيهم بعض الشعراء والادباء اللبقون المعروفون فلقد قلت للشيخ:
- او لم تنعتني بالكثر مما استحق من نعوت ادبية فنية كدت ترفعني بها الى الضراح الارفع؟ - وكان الشيخ قد كتب مقدمة كتابي "عندما كنت قاضيا" المطبوع فاضفى عي وعلى جريدتي – الهاتف – بالشيء الكثير مما لا استحق من ثناء وصفات سواء في طبعة الكتاب الاولى او الثانية؟
قال – بلى ..
قلت – تناس كل ذلك ياعمي.. واعتبرني قارئاً يحسن فهم ما يقرأ على الاقل.. وانا اؤكد لسيدي العم انني قرأت الكتاب من الفه الى يائه فلم اجد فيه شيئاً ولا شبه شيء مما يقول هؤلاء القوم، وانا واثق بانك لم تخرج بغير هذه النتيجة او باقل مما خرجت بها!! حين يتسنى لك الاطلاع على الكتاب بنفسك. فانطلقت اسارير الشيخ هنا، وهدأ.. ولم اتركه حتى حملته على ان يوفد احدا في تلك الليلة الى ارشد العمري ليخبره بانه كان قد تسرع في طلبه بمعاقبة الدكتور الوردي لانه لم يكن قد قرأ الكتاب بعد.. وعلى اني لم اسمع رأي الشيخ بعد قرائته كتاب الوردي ولكني كنت واثقا بانه سيؤيدني في الكثير مما قلت عن هذا الكتاب اذا ما اتم قراءته، ذلك لانه لم يوجد بين كبار علمائنا المتأخرينمن كانت له مثل هذه الاحاطة الفقهية، والادبية، وحسن السليقة التي عرف بها الشيخ كاشف الغطاء، فقد كان بدون شك اكبر علماء عصره الروحانيين، وكان افضلهم في جميع مراتب الاجتهاد، ولكن اموراً خاصة تتعلق بشؤون الزعامة هي التي لم تجعل الانفرد في زعامة الشيعة اليه وحده، واموراً تخصه نفسه هي التي لم تدعه ان يشغل المكان اللائق به كاكبر زعيم روحاني في العصر الاخير.
وفي اثناء الحرب الثانية كان على رأس مديرية الدعاية والنشر السيد كمال عبد المجيد وكان قد حرم جريدة الهاتف- لسبب ليس هذا محل ذكره – من تخصيص حصة لها من الورق بينما كانت لجميع الصحف حصص معينة، فكنت اشتري ورق الصحف من السوق السوداء، ومن الصحف التي كانت تشتري (البند) من حصتها بنصف دينار او اكثر قليلا، فاشتريه انا منها بتسعة دنانير.. حتى اشتريت مرة البند الواحد باحد عشر ديناراً.. ولم ادع (الهاتف) يتوقف عن الصدور فكان (الهاتف) يعاني ازمة شديدة حملت السيد (ابا الحسن) الزعيم الروحاني الاكبر على ان يخص الهاتف بمقدار من الورق الذي جلب له لكي يطبع به رسالته الدينية، ويبدو ان الامر قد بلغ الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء فبعث لي بمبلغ من المال مصحوباً بالرسالة التالية:
"عزيزي اعزك الله بعزه ومدك بعنايته...
انت تعلم ان صحيفتك الغراء منذ فجر نشئتها الى اليوم تصلنا تباعا، ونحن وان كنا نساعدها بالمساعدات الادبية من تنويه، وتحبيذ، وغيرها، ولكن لم يتفق لنا طول تلك المدة من مساعدتها مساعدة مادية، وعلى أثر ازمة الورق، وغلاء الاجور، كنت اود ان اضع لي في تلك المائدة اصبعا ان لم تكن يدا، لذلك تجاسرت (كذا) بتقديم هذا المبلغ الضئيل، ولك الفضل في قبوله (كذا) ولا يحسب مولاي (كذا) ان لهذا علاقة باية قضية، فالله شهيد انه من خالص ما في يدي، وكن على ثقة بان دعائي، ودعايتي ، هي خير لك من اضعاف هذا المبلغ قل ام كثر، والله يحفظك ويرعاك بدعاء ابيك الروحاني البار..
30 شعبان 361  / محمد الحسين
وقد زرته بعد تسلمي المبلغ والرسالة بساعة واحدة، ولاول مرة اقبل يده، لانني لا اذكر اني قبلت يد احد غير يدي ابوي واخي الكبير حين بدأت اشعر، لقد قبلت يده لاني لم اجد وسيلة تحمله على قبول استرجاع المبلغ مني بغير هذا النحو من الالتماس الذي عبرت فيه له عن غاية امتناني، وكري، ورجوت منه اعفائي عن قبول المبلغ، ولم ازل به حتى وافق على ذلك مكرها، ومرة اخرى قبلت يده حين تفضل وزارتي في بيتي على أثر تصميمي على الانتقال (بالهاتف) الى بغداد ليحول بيني وبين هذا التصميم، فكان تقبيل يده بمثابة آخر ما في كنانتي من وسيلة في الرجاء منه بتركي وشأني، ولقد لقيت من لدنه الشيء الكثير من الرعاية، والعطف طوال السنين التي اتيح لي فيها التشرف بالاتصال به وهي رعاية وعناية قلما لقيها شبه متمرد مثلي، من زعيم روحاني كبير مثله.
لقد كان الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء نسيج وحده علما، وادبا، وفنا وكان زعيما روحيا فذا ومصلحا كبيرا سيظل التاريخ زمنا طويلا يبحث عن نظير له بين جماعة الروحانيين فلا يوفق وقلما شوهد شخص يجمع بين عدد غير قليل من زعامات انفرد بها في العالم الاسلامي والعالم العربي، فقد كان زعيما روحيا، واسع الاطلاع تخرج الكثير من العلماء على يديه، وكان منهم السيد محسن الحكيم المرجع الروحاني الاكبر اليوم، وكان خطيبا قل نظيره من حيث بلاغة الكلام، وفصاحة اللفظ، ونفوذ معانيه الى قلوب مستمعيه، وكان زعيما من اكبر الزعماء في عالم الادب، شعرا، ونثراً، ثم هو بعد ذلك محدث بارع، ماخلا حديثه من الملح الادبية، والنكت الفنية، اما الشخصية فحدث عنها ولا حرج، ولقد انجبت اسرة كاشف الغطاء عددا كبيرا من نوابغ اهل العلم والادب ولكن الشيخ محمد الحسين كان من انبغ من انجبت النجف في تأريخها الطويل العريض.
وافته المنية وانا اصطاف في ايران ولم تغنني تلك الغيوم الثرة الت هطلت على ثراه من دموع المسلمين الذين حضروا تشييعه الذي قل مثيله في التاريخ.
اجل لم تغنني تلك الدموع الغزيرة الثرة عن ان اذيب قلبي فاسكبه من بعيد قطرات ظلت وستظل رمزاً لكآبة عميقة، وحزن ممض، وجرح لا يندمل.

عن كتاب
( هكذا عرفتهم) ج1