إشكالية الركود الاجتماعي والاستبداد عند عبدالرحمن الكواكبي

إشكالية الركود الاجتماعي والاستبداد عند عبدالرحمن الكواكبي

إبراهيم الحيدري
يُعــد عبدالرحمن الكواكبي واحداً من رواد النهضة العربية - الإسلامية (ولد في حلب العام 1849 وتوفي بالقاهرة العام 1902) الذين أخذوا يتلمسون طريقهم على مشارف العصر الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر ويتطلعون إلى تغيير الواقع الفكري والاجتماعي عن طريق إعادة بناء الذات والتعامل مع الآخر وفق رؤية متفتحة على الحضارات الأخرى وفتح باب الحوار مع الثقافات الأخرى، ومواكبة أفكار التطور والتقدم الاجتماعي،

وبعد أن شعر بأن العرب والمسلمين مازالوا مكبّلين بقيود البنية التقليدية للمجتمع العثماني وسلطته الاستبدادية التي كان من مظاهرها سيطرة الطبقة العسكرية الأرستقراطية التي دعمت من قبل بعض رجال الدين الذين حصلوا على امتيازات عالية من الباب العالي من جهة، وضعف الأوتوقراطية الشرقية من جهة أخرى وما رافقها من اقتصاد استهلاكي غير منتج وإدارة بيروقراطية ضعيفة ومتخلفة وإسراف وتبذير وانقسام اجتماعي شبه طبقي، مع غياب أية مسئولية أمام الشعب ومصير الأمة الإسلامية ومستقبلها. وساعدت قوة التقاليد التي استحكمت في البنية الاجتماعية قرونا كثيرة على حدوث انهيارات اقتصادية وتفكك في الإدارات المدنية والعسكرية إلى جانب صراعات داخلية من جهة ومع قوى الاستعمار الخارجية من جهة أخرى، وهذه أسهمت في تفكك الدولة العثمانية وانهيارها في الأخير.

وفي الواقع كان للتدخلات الاستعمارية دور لا يستهان به في تغيير صورة «السلطنة» وكشفها وذلك بسبب تطور الأفكار القومية والليبرالية والوطنية في أرجاء الامبراطورية المترامية الأطراف، جنبا إلى جنب مع التدهور الاقتصادي والحضاري. ولعب عصر التنوير الإسلامي دورا مهما في إثارة روح النقد والتذمر عن طريق العلماء والمصلحين الكبار من رواد النهضة العربية - الإسلامية الذين حاولوا إصلاح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتردية استنادا إلى الفكر الإسلامي النيّر وتجذر العقيدة الإسلامية في النفوس وإذكار روح النقد والمعارضة. ومن الملاحظ أنه عندما يفقد المسلمون قيادة عالمهم يتحولون إلى العقيد الإسلامية يبحثون فيها ثانية عن هويتهم الضائعة والتخلص من محنهم وضياعهم.
وفي الوقت الذي سادت في أوروبا الأفكار القومية والليبرالية والديمقراطية، كانت الأفكار الدينية في الشرق من أقوى المحركات الفاعلة في الحركات الاجتماعية وفي عمليات التغير والتغيير السياسية. ووجد المصلحون الاجتماعيون إمكان تحقيق تقدم اجتماعي وثقافي يمكنه أن يقود إلى حركة تحرر تهدف إلى إصلاح شامل، اجتماعي - اقتصادي أولا وثقافي - سياسي ثانيا، وبالتالي تحقيق الهوية على أساس مبدأ «الاجتهاد»، تلك العوامل التي كونت دافعا ديناميكيا موحدا يساعد على تكوين «الدولة القومية» فيما بعد، مثلما يساعد على اللحاق بالغرب المتقدم علميا وتكنولوجيا، وهو ما كان أيضا عاملا مهما آخر في تحقيق الهوية، الذي أنتج بدوره البحث عن صدقية وصوغها في مفاهيم أولية.
إن الوعي الديني والحماس الوطني والقومي الذي أخذ ينمو بفعل حرمان الأكثرية من حقوقها الوطنية والقومية واختلاط مفهوم الوحدة العربية مع مفهوم الوحدة الإسلامية، وكذلك حاجات العرب لتجديد موقفهم من الآخر وتأثير الاستعمار الغربي وما ارتبط به من اقتصاد رأسمالي تابع ومشوه وكذلك دخول الأفكار الاشتراكية الجديدة التي تنادي بالمساواة، قادت كلها إلى تحريك الوعي بالواقع البائس والمصير المرتقب والتوجه إلى الإسلام باعتباره الهوية، مثلما هو التاريخ والمستقبل. في مثل هذه التربة الغنية بالتناقضات تطورت الحركات الدينية - الاجتماعية الإصلاحية في نهاية القرن التاسع عشر، وفيها تبلورت اهتمامات رواد الإصلاح الاجتماعي في معرفة عوامل التخلف والركود الاجتماعي وطرح فكرة تقدم الآخر وأسباب قوته، ووجدوا أن مفتاح نهضة المجتمع وتقدمه هو في شقهم طريقا خاصا بهم يقودهم إلى التقدم والرقي وكان على رأس هؤلاء المصلحين جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وهبة الدين الشهرستاني.
ولد الكواكبي في حلب من أسرة علمية شارك بعض أفرادها في جهاز الدولة وفي القضاء والإفتاء، وكانت للأسرة مدرسة دينية خاصة تدعى «المدرسة الكواكبية». وتلقى الكواكبي دروسه الأولية في حلب ثم في أنطاكية وتعلم دروس العربية والدين واللغات والتركية والفارسية، التي ساعدته على الاطلاع على عدد من أمهات الكتب في الفقه والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات. ومع أنه لم يتعلم أية لغة أوروبية، غير أنه استطاع الاطلاع على جوانب كثيرة من النهضة العلمية والتكنولوجية وكذلك على التطورات السياسية في أوروبا، كما أن اشتغاله في صحيفة «الفرات"التي كانت تصدر في حلب، وكذلك رئاسته لتحرير صحيفتي «الشهباء"و«الاعتدال"ساعدته على توسيع مداركه الفكرية والسياسية. وكانت تلك الصحف منبرا فكريا مهما ساعد كثيرا من الشباب الأحرار آنذاك على التعبير باللغة العربية عن آرائهم وتطلعاتهم الإصلاحية وآرائهم في الحرية والسلطة والاستبداد. وبسبب روحه الوطنية وآرائه الجريئة أقفلت السلطات العثمانية صحيفة «الشهباء"العام 1878م ثم صحيفة «الاعتدال"العام 1879م، واضطر على اثر ذلك إلى ترك ميدان الصحافة. تنقل الكواكبي بين مناصب إدارية كثيرة واشتغل بالتجارة حتى أصبح رئيسا للغرفة التجارية. ثم رئيسا لكتّاب المحكمة الشرعية. وبسبب حسّه الوطني المرهف ومواقفه الإصلاحية الجريئة التي وقفها ضد الظالمين والمستبدين تعرض لاتهامات قاسية وجهها إليه الوالي العثماني عارف باشا ما عرضه للمحاكمة والسجن واضطر أخيرا إلى ترك سورية والهجرة إلى بلاد الله الواسعة «لأنه من غير المقبول أن يعيش الإنسان في بلد وهو مستضعف، وأن من واجبه التنقل في ديار الله الواسعة».
تنقل الكواكبي في دول سواحل افريقيا الشرقية والجنوبية وكذلك في سواحل آسيا وبلاد العرب والهند، وأوصلته رحلاته حتى سواحل الصين. وكان في كل بلد يحط فيه رحاله يدرس أوضاعه وتقاليده وحال السكان فيه من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى استقر به المطاف أخيرا في مصر، إذ التقى كبار علماء الدين ورجال الإصلاح وأقام علاقات وثيقة مع رشيد رضا ومحمد كرد علي وغيرهما. وهكذا وجد الكواكبي في مصر القاهرة مناخا ملائما يناسب أفكاره الإصلاحية، فانكب على الدرس والكتابة وتنسيق أفكار وتأليف الكتب. وفي عزّ عطائه وجد العثمانيون فيه خطرا يهدد سلطانهم لما في آرائه وأفكاره من تحريض على التحرر والثورة، فدفعوا بشخص ثالث وضع السم في طعامه. وكانت وفاته العام 1320هـ/ 1902م ودفن بالقاهرة واعتبره البعض شهيد الجهاد في سبيل الله، التزاما بحديث رسول الله «ص» «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».
أرجع الكواكبي تخلف المجتمع الإسلامي وركوده إلى الابتعاد عن روح الإسلام، كما أرجع أسباب المشكلات الاجتماعية والسياسية التي ألمت بالعالم الإسلامي إلى عدم الالتزام بمبادئ الدين الحنيف، وهي في الوقت ذاته، سبب الاستبداد الذي أدى بدوره إلى ركود المجتمع وتدهور الدولة العثمانية.
ومثلما تأثر الكواكبي بكبار المصلحين الإسلاميين وخصوصا جمال الدين الأفغاني، تأثر أيضا بآراء عبدالرحمن بن خلدون في العمران البشري والاجتماع الإنساني، وكذلك بأفكار التقدم العلمي والتكنولوجي ومبادئ التطور الاجتماعي التي سادت في أوروبا آنذاك.
كتبَ الكواكبي كتابين مهمين هما:
1- «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، وهو كتابه الرئيس الذي حاول في «تبيان مورد الداء الدفين حتى يتعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه من تخلف وركود فلا يعبثون على الأغيار ولا على الأقدار».
2- «أم القرى»، وهو كتابه الثاني الذي عالج فيه موضوعات اجتماعية وسياسية ربط فيها بين الاستبداد والركود الاجتماعي، والاستبداد وتخلف العلاقات الاجتماعية وكذلك العلاقة بين السياسة والمجتمع، وقدم إلينا فيه مشروعا مبسطا لدولة إسلامية مثالية تقوم على مجلس شورى «ديمقراطي»، وهو شكل من أشكال نظام الحكم المأخوذ من القرآن والسنة كبديل للاستبدادية، كما قدم إلينا في «أم القرى» مقدمات أولية لحل المشكلات الاجتماعية وكذلك نموذجا سياسيا تمحور حول تغيير بنية السلطة في المجتمع. إذ تستبدل سلطة المستبد بسلطة «الخليفة» شريطة أن يحاط بمجلس من الأمناء الذين يمثلون الشورى - الديمقراطية.
من الناحية النظرية يُعــد كتاب «طبائع الاستبداد"أكثر أهمية من «أم القرى» إذ عالج فيه تأثير الاستبداد على العقيدة الإسلامية والأخلاق والحضارة وكذلك على العلاقات الاجتماعية والتطور الاجتماعي والسياسي. وفي كل الموضوعات التي عالجها الكواكبي كان الاستبداد هو المحور الرئيسي فيها، وأهم أسباب التأخر والتدهور والركود باعتباره شكلا من أشكال الحكم التعسفية اللاعقلانية التي وقع الكواكبي نفسه ضحية من ضحاياها. إن أهمية مقومات الكواكبي الاجتماعية تنطلق من أسئلته عن أسباب التدهور الاجتماعي والاقتصادي وكذلك الأخلاقي في المجتمع الإسلامي. ومثل جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده طرح الكواكبي إشكالية التخلف الاجتماعي والثقافي في سؤال حرج: هل يعود التخلف إلى نكوص المسلمين عن الدين فحسب، أم أن السبب ذو طبيعة سياسية؟ وكان الجواب واضحا وصريحا، لأن من خصائص الدولة الاستبدادية ترك الدين وتراجع العقيدة، ولذلك فإن التحرر السياسي من هذا الاستبداد يجب أن يؤخذ بالقوة.
وعلى عكس مفكري ذلك العصر وضع الكواكبي مفهوما اجتماعيا جديدا أرجع بموجبه التخلف الاجتماعي إلى بنية السلطة الاستبدادية (الشمولية)، لأن الاستبداد هو على طرف نقيض من التقدم، لأنه ينتج علاقات اجتماعية مشوهة ومستلبة تمتلخ الأفراد وتجردهم من جميع طاقاتهم وإمكاناتهم الإبداعية، فالاستبداد يتطلب «موقفا» إزاء وضعية مسخت فيها حقوق الناس. وبهذا يصبح الاستبداد عند الكواكبي ليس الرشد والحرية، ولا التنوير ولا التقدم الاجتماعي، وإنما الجهل والغباء والرذيلة والجنون. وإن الاستبداد يعلن نفسه في الوجود الميداني بأسلوب غير عقلاني وغير عادل، ولهذا فهو عدو الحق والحرية، و«إذا كان الحق أبا البشرية، فالحرية أمها». وفي مركز النظام الاستبدادي يقف المستبد عاجزا عقليا ونفسيا لا حول له ولا قوة إلا بالمرتزقة والمتزلفين والمادحين «وما أكثرهم في زمن الفساد». وللتعويض عن عجزه وعزلته وبؤسه يجمع المستبد حوله الانتهازيين وضعاف النفوس والمتزلفين لكسر عزلته وإشباع غروره وجنون العظمة عنده ثم يقوم بإضعاف نفوسهم وشل قدراتهم وعمي أبصارهم، ولا يلحق الاستبداد بالمقهورين فحسب، بل يمتد إلى القاهرين أنفسهم أيضا بحيث تصبح الدولة الاستبدادية كلها مستبدة، «من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كنّاس الشوارع». وهكذا فالمستبد يشخص النظام الاستبدادي لأن القرارات لا تصدر إلا عنه. أما التابعون فلا يمثلون سلطته، وبذلك يصبح الاستبداد دولة بوليسية تقف ضد أي تطور وتقدم. والظلم من صميم الاستبداد، فهو يدمر قوى الإنتاج والإبداع فيتحول كل شيء إلى صحراء. فبدل العلوم والحضارة ينمو الإرهاب والبطش ويتحول الوطن إلى أرض مجدبة علميا «لأنها لا تنبت سوى شوك الإرهاب كما أن من طبيعة الاستبداد أنه يمنع حرية النقد لأنه يعيش حالة خوفٍ مستمرة».
ويصف الكواكبي مواطني الدولة الاستبدادية بالمساجين الذين يحلمون بالخلاص وينتظرون منقذا ومخلصا من خارج هذا العالم، وذلك بسبب الجهل واليأس والاستسلام للقضاء والقدر، وبالعكس من ذلك، فإن التطور العلمي والتكنولوجي لا يمكن أن ينمو إلا حيث يكون العقل متحررا، فإذا حجب صوت العقل ينمو التخلف والركود، وبهذا فالاستبداد هو عدو العلم وعدو التقدم.
وبحسب الكواكبي فإن الاستبداد يقف في أدنى المراتب، غير أن المستبد يبرره بشرعية دينية ويدوس بذلك على جميع القيم، وفي الوقت ذاته يظهر للناس وكأنه حامٍ لها، وبذلك تصبح الوسائل مبررة للأهداف، فكل شيء ممكن ومسموح به من أجل تثبيت سلطته، فليس هناك حدود فاصلة بين ما هو أخلاقي ولاأخلاقي. وبهذا يبرهن الاستبداد بكونه نظاما لاإنسانيا ومأساة كبيرة للبشرية لأنه لا يخدم القيم والمعايير النبيلة وإنما يستلب تاريخ المسلمين وحضارتهم. وإذا أصبحت دولة المستبد أداة للإرهاب فسيعيش المستبد الطاغي في حال مستمرة من الخوف والرعب، لأنه لا يثق بأحد، لا بأقربائه ولا بالمحيطين به ولا بالمتزلفين والمرتزقة الذين يعيشون على فتات موائده. وفي مجرى الاستبداد تنقطع العلاقات بين الإنسان والتاريخ ويتعمق الشك بالمجتمع والحضارة، حتى يصل الشك إلى نفسه أيضا، وبذلك يكون بعيدا عن جميع القيم العالية والأخلاق الفاضلة. في مشروعه لقيام دولة إسلامية مثالية يقدم الكواكبي حلا لمشكلة نظام الحكم يتمثل بتأسيس نظام برلماني يمنع المستبد من حق امتلاك الناس، لأن جميع المواطنين سواسية أمام الله والقانون ولأن القانون يحفظ للجميع حقوقهم الأساسية ويصون كرامتهم ويوزع المسئوليات بينهم بالعدل حتى لا يكون هناك استغلال وتسلط، كما تناط بالبرلمان (مجلس الشورى) رعاية نظام للتربية والتعليم والزراعة والتجارة والصناعة، كما يكون مسئولا عن إدارة مؤسسات الدولة وتطبيق القوانين ومراقبتها.
كان الكواكبي مصلحا اجتماعيا ومفكرا منورا حلم بالتخلص من الإرث الاستبدادي الممتد عبر تاريخ العالم العربي - الإسلامي الرسمي، وعلم تماما بأن تخطي الركود الاجتماعي والثقافي من دون قيام دولة إسلامية رشيدة وموحدة غير ممكن. ومن هنا يمكن فهم آرائه النظرية عن «دولة الفلاسفة"المثالية - كما عند أفلاطون، التي تستمد مبادئها الأساسية من القرآن والسنة وتتفتح على الفلسفة السياسية الأوروبية الحديثة، لتحقيق «ديمقراطية شعبية"عن طريق «مجلس شورى» يتكون من قضاة مستقلين يستطيعون ضمان مراقبة مستمرة على الموظفين. وفي الواقع لم تكن آراء الكواكبي الإصلاحية سوى رد فعل للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشها المسلمون في ظل الدولة العثمانية المستبدة واستجابة لنداءات «المشروطية» التي تعالت آنذاك، غير أن آراءه وأفكاره بقيت نظرية وبعيدة عن أية ممارسة عملية. وفي تبنيه للآراء والأفكار التي سادت في أوروبا حينذاك، كان الكواكبي يعتقد بأن من السهولة أن يكون المرء سيد الموقف وأن يقوم بتطبيق الأفكار الديمقراطية في تربة مازالت غير صالحة، لذلك جاءت رؤيته ذات بعد واحد ولم تصل إلى السبب الرئيسي لتدهور السلطنة العثمانية التي أخذت منذ منتصف القرن التاسع عشر تتخبط في مسالك عشوائية قادتها أخيرا إلى تدهور اقتصادي وتفكك في بنياتها الاجتماعية والثقافية التي هي إحدى نتائج سيطرة النظام شبه الرأسمالي - التجاري.
وفي الوقت الذي سعى فيه الكواكبي إلى تغيير المجتمع من الخارج، كان الداخل يحتاج إلى تغييرات بنيوية عميقة وشاملة ونظرة نقدية فاحصة أكثر عمقا تتخطى الانبهار بالتقدم العلمي والتكنولوجي في أوروبا، إلى إمكان تخطي العالم الإسلامي لأسباب تخلفه وركوده، ولذلك جاءت تصورات الكواكبي حبيسة حدود ضيقة. ومع ذلك حوربت أفكاره بقوة من قبل السلطنة العثمانية الاستبدادية وكذلك من قبل بعض رجال الدين، ما اضطره إلى ترك بلاده والهجرة إلى أرض الله الواسعة، فمات بعيدا عن مسقط رأسه، وبقي ذكره خالدا مع المصلحين الكبار، شمعة من شمعات عصر التنوير الإسلامي