عبدالرحمن الكواكبي

عبدالرحمن الكواكبي

اعداد/ منارات
ولد الكواكبي في حلب (1855) لأسرة عربية، تمتد جذورها إلى الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) من جهة الوالدين.توفيت والدته عـفـيـفة آل النقيب وعمره ست سنوات، فكفلته خــالته صفية واصطحبته إلى بيتها في أنطا كية، حيث بقي هـناك ثـلاث ســنوات، عــــــاد بعـــدها إلى حلب، ليتعلم فيها على يـد الشيخ"طاهر الكلزي"وبعد أن تعلم القراءة والكتابة، وأتم قراءة القرآن وحفظه،

عـــاد إلى خالته، كي ترعــى تنمية علومه، فاستعانت بقريبها"نجيب النقيب"(أصبح فيما بعــــد أستاذا للخديوي عباس الذي كان على عرش مصر حين لجأ إليها الكواكبي).‏

وحين أتمّ تعليمه هناك، عاد إلى حلب ليتابعه بالعـربية والفارسية، بعــــد أن أتقن التركية في أنطاكية، فدرس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضة في المدرسة الكواكبية، التي كانت تتبع مناهج الأزهـــر في الدراسة، وكان يشرف عليها ويدرّس فيها والده مع نفر من كبار العلماء.
لم يكتفِ ألكواكبي بالمعلومات المدرسية، فقد اتسعت آفاقه أيضا بالاطلاع على كنوز المكتبة الكواكبية التي تحتوي مخطوطات قديمة وحديثة، ومطبوعات أول عهد الطباعة، فاستطاع أن يطلع على علوم السياسة والمجتمع والتاريخ والفلسفة…الخ. لاشك أن هذه الثقافة المنفتحة التي تمتع بها الكواكبي بالإضافة إلى التربية الإسلامية منحته شخصية متميزة.‏
عمله الصحفي

بدأ حياته بالكتابة إلى الصحافة، ويرجح حفيده (سعد زغلول الكواكبي) أن جده عمل في صحيفة"الفرات"الرسمية سنتين لا أكثر، وقد ترك العمل فيها نظرا لمعاناته (الرقابة، الاضطهاد لكونه لا يمدح السلطة…).‏ بدأ حياته بالكتابة إلى الصحافة، ويرجح حفيده (سعد زغلول الكواكبي) أن جده عمل في صحيفة"الفرات"الرسمية سنتين لا أكثر، وقد ترك العمل فيها نظرا لمعاناته (الرقابة، الاضطهاد لكونه لا يمدح السلطة…).‏
وقد أحس أن العمل في صحيفة رسمية يعرقل طموحه في تنوير العامة وتزويدها بالأخبار الصحيحة، لذلك رأى أن يُنشئ صحيفة خاصة لاعتقاده أنه يستطيع الكتابة فيها بحرية أكبر من الصحيفة الرسمية للدولة، فأصدر صحيفة"الشهباء"(عام 1877) باسم صديق له (هاشم العطار) كي يفوز بموافقة السلطة العثمانية، لأنه لو طلب الترخيص باسمه لما فاز به، وكان عمره آنئذ نحو اثنين وعشرين عاما!‏ لم تستمر هذه الصحيفة طويلا، عطلت ثلاث مرات قبل أن تغلق بشكل نهائي بعد صدور العدد السادس عشر، إذ لم تستطع السلطة تحمل جرأته في النقد، فالحكومة كما يقول الكواكبي نفسه"تخاف من القلم خوفها من النار".‏
تابع جهاده الصحفي فأصدر (عام 1879) باسم صديق آخر جريدة الـ"اعتدال"سار فيها على نهج"الشهباء"فعطّلتها السلطة، فتابع الكتابة في صحف عربية تصدر في بلدان عربية وغربية ("النحلة"بنسختيها العربية والإنكليزية، و"الجنان"و"ثمرات الفنون"و"الجوائب"و"القاهرة"والمؤيد"..)‏ كان قلمه نصير الحق، يقف إلى جانب المظلوم بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي، لذلك وجدناه يشرّع قلمه في وجه المستبد، فينقد تصرفاته وتهاونه تجاه مواطنيه، فكتب مقالا ينتقد فيه عدم قبول بعض المسيحيين في الجيش العثماني إلا بعد اشتراط تغيير أسمائهم بأسماء إسلامية!!‏.
المهن التي زاولها الكواكبي

بعد أن تعطّلت صحيفتاه، انكبّ على دراسة الحقوق حتى برع فيها، وعيّن عضوا في لجنتي المالية والمعارف العمومية، والأشغال العامة (النافعة) ثم عضوا فخريا في لجنة امتحان المحامين، وفي سنة 1886 صار مأمو للإجراء.‏ وبعد أن أحس أن السلطة تقف في وجه طموحاته، وتعرقل مشاريعه، بل وصل الأمر بها إلى عزله وقطع رزقه، لذلك انصرف إلى العمل بعيدا عنها، فاتخذ مكتبا للمحاماة في حي (الفرافرة) قريبا من بيته وسراي الحكومة يستقبل فيه المظلومين من سائر الفئات وسائر أنواع الظلم، فيسعى إلى تحصيل حقوقهم ورفع ظلاماتهم بكتابة الشكاوي وإرشادهم إلى طرق الاحتجاج القانوني، وقد كان يؤدي عمله، في معظم الأحيان، من دون أي مقابل مادي، حتى اشتهر بلقب (أبي الضعفاء)‏.
ولكن إلى جانب هذا العمل الخاص نجد الكواكبي قد شغل مناصب عامة كثيرة، دون أن تفلح الدولة في جعله تابعا لها، أو تغيير منهجه في نصرة الحق وخدمة المصالح العامة، لذلك سيواجه المتاعب في كل أعماله، وسيحاربه كل المستفيدين من الفساد والتسيّب، فحين عين رئيسا لبلدية حلب (في زمن الوالي الذي كان مقدرا لمواهبه عثمان باشا 1893) قام بمشاريع عمرانية، كما حاول الحفاظ على سوق المدينة الأثري، فأقام أعمدة حديدية تحول دون دخول الجِمَال إلى السوق التي كانت تصدم المارة وتملؤه أوساخاً، درس مشروع سد الفرات، وتجفيف مستنقعات الروج، وكلّف بعض المهندسين باستثمار (حمامات الشيخ عيسى) بعد تجميلها وترميمها، وقد كانت المكافأة التي تلقاه الكواكبي على إصلاحاته هي العزل، فقد ضجّ التجار الذين منعت دوابهم من دخول السوق، ولم يكتفِ الوالي بعزلـه، بل غُرّم قيمة الأعمدة الحديدية، وفروق رواتب موظفي البلدية التي زادها لهم قطعا لدابر الرشوة!
ثم تسنم رئاسة المصرف الزراعي، ورئاسة غرفة التجارة في حلب، فأسس شركة للتبغ بالتعاون مع تجار حلب، كي يخفف الضغط على الفلاحين، بالإضافة إلى قيامه بإصلاحات أخرى تضرر منها أصحاب السلطة، الذين كانوا يشاركون المهربين في تهريب التبغ، فأحرقوا مواسم الفلاحين من هذا المحصول، فاضطر الكواكبي إلى حلّ الشركة ودفع قيمة الأسهم المستحقة من جيبه الخاص!‏ في عام (1894) تسنم وكالة المحكمة الشرعية بحلب، فاستطاع أن ينظّم ديوان المحكمة، ويحارب شهود الزور الذين يجلسون أمام المحكمة على المصطبة متظاهرين بالتدين (كانوا يدعون بشهود المصطبة) فحاربه هؤلاء وغيرهم من الفاسدين حتى عُزل.‏
بعد ذلك عين رئيسا للجنة بيع حق الانتفاع من الأراضي الأميرية (التي أصدر السلطان أمرا بتملكها هو وورثته) فبدأ الكواكبي يوزعها على الفقراء ويحجبها عن المتسلطين من رجال الدولة، لذلك عملوا على الإسراع بإقالته!

معاناة ألكواكبي مع السلطة العثمانية

عرف ألكواكبي بمقالاته، سواء في حلب أم في خارجها، التي تفضح فساد الولاة، لذلك ناصبه هؤلاء العداء، ولم يوفروا أية فرصة لإيذائه، فقد استغلت السلطة محاولة اغتيال (أو بالأحرى تهديد) والي حلب (جميل باشا) من قبل شاب (أرمني) يتدرب على المحاماة في مكتب الكواكبي، فألقت القبض عليه بتهمة التحريض على قتل الوالي، لكنه خرج من هذه التهمة بريئا، برغم ذلك لم يتخلص من مضايقات والي حلب، فقد اتهمه الوالي (عارف باشا) بالتآمر مع الأرمن لإثارة المشاكل في حلب، وقد استغل حادثة تعرض القنصل الإيطالي للإصابة بحجر قرب بيت الكواكبي، ليثبت هذه التهمة، فقبض عليه وصودرت أملاكه، وحكم عليه بالإعدام في محكمة حلب، وكان رئيسها من أعوان الوالي، فقدم الكواكبي استئنافا لإعادة محاكمته في بيروت، نظرا للخلاف بينه وبين الوالي، حيث بُرّيء وعُزل الوالي، بعد أن عانى الكواكبي من السجن مدة عام تقريبا في حلب وبيروت.‏
لم تكتفِ السلطة بمصادرة حريته الصحفية بمنعه من إصدار صحيفة، ومصادرة حريته الشخصية بالسجن والاستيلاء على أملاكه، بل وصل الأمر بالاستبداد أن اغتصب منه نقابة الأشراف، وأعطاها لأبي الهدى الصيادي الذي زوّر انتسابه لآل البيت، مع أنه من المعروف أن نقابة الأشراف تتوارثها أسرة الكواكبي في حلب والأستانة وبغداد، باعتبارهم من آل البيت من جهتي الأم والأب منذ أيام أحمد الكواكبي في منتصف القرن الحادي عشر الهجري، وقد كانت نقابة الأشراف مغتصبة من ابن عمه الأكبر منه سنا (حسن الكواكبي) من قبل الصيادي صديق السلطان عبد الحميد ونديمه الأثير!‏ بعد وفاة ابن عمه استحق عبدالرحمن الكواكبي نقابة الأشراف.
وكان يعدّ نفسه وأهل حلب أيضا النقيب الحقيقي وإن لم يصدر أمر سلطاني بذلك، لأن النقابة تكون في الأكبر سناً من أفراد الأسرة المؤهل علميا واجتماعيا.‏ اعترض على تزوير نسب الصيادي لآل البيت، بل نجده يحرج أبا الهدى الصيادي أمام جمع من الناس أتوا لتهنئته بمناسبة خروجه من السجن، حين قال له"الحمد لله على السلامة يا بن العم"فردّ عليه أمام الناس جميعا"وعليك السلام لكن ابن العم هذه من أين أتيت بها؟"قاطعا عليه طريق الاعتراف بنسبه إلى آل البيت، مبطلا ادعاءه أمام الناس جميعا.
ومن المعروف أن النسب إلى آل البيت يحتاج إلى تصديق ممن يعدّون أنفسهم يمثلونه، وقد كان عبدالرحمن يمثلهم خير تمثيل، لهذا كان إحراجه للصيادي كبيرا، سيردّه له أذى مضاعفا‍.‏ لم تكن ثورة الكواكبي على الصيادي بسبب اغتصابه نقابة الأشراف فقط، وإنما كانت بسبب أعماله وظلمه للرعايا، فقد استغل تأثيره الكبير على السلطان عبد الحميد في اضطهادهم، ولهذا من الطبيعي أن يكون الصيادي أحد الذين كادوا له وأوصلوه إلى منصة الإعدام، وهذا ما أشار إليه الكواكبي في مرافعته ببيروت.‏
ضيق الاستبداد الخناق على الكواكبي، حتى كان يقترض ليعيش بعد أن صودرت أملاكه، ومنع من مزاولة أي عمل، رغم ذلك لم تستطع السلطة شراءه بالمناصب، فرأت أن تتخلص منه، بعد أن أصبح شخصية مؤثرة في حلب، بل امتد تأثيره إلى سائر البلاد العربية، بسبب مقالاته التي كان يرسلها إلى الصحف العربية، لذلك أرسلت له شخصا ملثما لاغتياله، وفعلا طعنه أثناء عودته إلى بيته ليلا، بعد هذه الحادثة التي نجا منها بأعجوبة، رأى أن المقام في ديار الاستبداد باتت مستحيلة،
فقرر الهرب إلى مصر (1900) حيث ستصلها يد الاستبداد وتفلح في قتله، بأن تدس له السم في فنجان قهوة في مقهى يلدز (1902) لا فرق أن تكون هذه اليد هي يد السلطان عبد الحميد أو يد أبي الهدى الصيادي، ومما يؤكد هذه الجريمة الإسراع بدفنه على نفقة الخديوي عباس من دون أن تفحص أمعاءه، خاصة أنه صرّح لصديقه في القاهرة (عبدالقادر الدباغ) قبيل وفاته قائلا:"لقد سموني يا عبدالقادر"‏.
لعل الأذى الأكبر الذي تعرض لـه الكواكبي من قبل الاستبداد هو سرقة مؤلفاته وأوراقه، إذ يقال أن السلطان عبدالحميد أوعز إلى من يدّعي صداقة الكواكبي (عبدالقادر القباني) صاحب جريدة"ثمرات الفنون"في بيروت بالرحيل إلى مصر وسرقة مؤلفات الكواكبي المخطوطة، وقد فعل ذلك من أجل أن يفوز بمنصب رفيع في الدولة، فتمّ الاستيلاء عليها وتسليمها إلى القاتل، ليقضي عليها كما قضى على مبدعها، لذلك افتقدنا كثيرا من المخطوطات التي كتبت في المرحلة الأخيرة من حياته قبل خروجه من حلب وبعده.
وكان من الممكن أن تضاف إلى مؤلفيه المطبوعين ("أم القرى"و"طبائع الاستبداد") وقد ذكرها لنا حفيده سعد زغلول الكواكبي في كتابه"عبدالرحمن الكواكبي:السيرة الذاتية"وهي ("العظمة لله"، "صحائف قريش"، "الأنساب"، "أمراض المسلمين والأدوية الشافية لها""أحسن ما كان في أسباب العمران"،"ماذا أصابنا وكيف السلامة"،"تجارة الرقيق وأحكامه في الإسلام") ويلاحظ من دلالة عناوينها أنها كانت استمرارا لما كان قد طرحه من أفكار في كتابيه السابقين، وإذا كانت هناك بعض الإضافات فلاشك أنها نتيجة رحلاته التي قام بها في السنتين الأخيرتين قبل استشهاده، ونتيجة نضج معاناته، ورغبته في مناقشة القضايا الإشكالية التي قد تشوّه الدين الإسلامي كقضية الرق.‏
وهكذا لم يكتفِ الاستبداد باغتيال الكواكبي وإنما سارع إلى اغتيال كلمته، التي كانت لظى على الاستبداد، يخافها كما كان يخاف الكواكبي، ويرى فيها تجسيداً لروحه، لذلك لا معنى لقتل الجسد وبقاء روحه الثائرة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! لكن هذه الروح، بفضل الله تعالى، باقية بيننا برغم كل هذا القهر، وجدناها حية متألقة ثائرة في وجه الاستبداد في كتابيه ("أم القرى"و"طبائع الاستبداد) وفي بعض مقالاته التي استطاع الباحث جان دايه العثور عليها (جريدة"الشهباء"و"اعتدال"و"العرب") وهي مازالت حية بفضل عناية الباحثين في كل مكان في العالم بما بقي من إنتاجه، لأن عظمة أي إنتاج فكري لا تقاس بكميته، وإنما بفعاليته التي تتجاوز الشرط الزماني والمكاني.‏
وبذلك نجد أن الكلمة الصادقة التي هي نبض المعاناة اليومية للكواكبي، بقيت حية لا تموت، رغم ما تعرضت له من محاولة اغتيال وقهر على يد الاستبداد، فقد بدت لنا أقوى من المستبد قادرة على مواجهته والقضاء عليه في أي زمان وأي مكان.‏

رحلات الكواكبي

ذاق الكواكبي صنوف المعاناة على يــد الاستبداد العثماني وأعوانه، حتى لم يبق له مصدر رزق، وصار يستدين من أجل متطلبات حياته اليومية، لذلك حين عرض عليه السلطان منصب قضاء (راشيا) كي يبعده عن بلده (حلب) ويضعف تأثيره، تظاهر بقبوله، وسافر إلى الأستانة سرا، ليقوم بتحريات سرية عن أعمال السلطان وزبانيته، ويرى أنواع استبداده في عقر داره، لكن سرعان ما اكتشف أمره، ودعي للإقامة في قصر خاص بالضيافة.
وقد التقى أثناء زيارته تلك بجمال الدين الأفغاني (1895) الذي جاء إلى الأستانة (1892) وبقي هناك (حتى وفاته أو بالأحرى قتله 1897) في منـزل للضيافة تحت الإقامة الجبرية، وقد أحس الكواكبي بعد لقائه بالمصير المشابه الذي ينتظره، لذلك سارع بالعودة إلى حلب سرا.‏ لقد كان ظاهرا للعيان رغبة السلطان في التخلص منه، خاصة بعد أن أدرك أن المناصب في حلب لم ولن تغيره.
فرأى الكواكبي حين عرض عليه السلطان منصب القضاء في راشيا وسيلة جديدة لإبعاده، خاصة أن هذا المنصب قد جاء بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها والتضييق على حريته في الأستانة، لذلك قرر الهرب إلى مصر سرا (1900) بعد أن رهن البيت الذي كان مسجلا باسم زوجته، ليؤمن تكاليف سفره.‏
ولو تأملنا أسباب اختيار الكواكبي مصر موطنا له، للاحظنا أنها تنحصر في الحرية: جوهر الوجود الذي عاش من أجله الكواكبي ومات في سبيل تحقيقه، وهذا ما تخيل وجوده في مصر زمن الخديوي عباس، فقد كانت ملاذا للكتاب، الذين هاجر إليها أغلبهم من بلاد الشام، رغبة في الحرية، (التي يلمسها المرء خاصة في الجرائد المصرية التي كانت تتمتع بحرية نقد السلطان عبدالحميد) وإلى جانب الحرية في التعبير.
كانت هناك حرية في استخدام اللغة العربية في الكتابة التي كانت شبه ممنوعة في شرقي السلطنة، لذلك أسس المهاجرون إليها صحفاً ومجلاتٍ، واستطاعوا أن يسهموا في إغناء الحياة الأدبية والفكرية في مصر، وقد شكّلوا صوتا واضحا في الصحافة عرف فيها، واشتهر باسم"الشوام"‏. عاش الكواكبي في القاهرة حوالي سنتين حيث ذاع صيته، وتابع نشر مقالاته في الصحف المصرية، بل نجده قد أصدر فيها"صحيفة العرب"التي لم تلبث أن توقفت، دون أن نعرف السبب، ربما قد يكون بسبب تقارب الخديوي عباس والسلطان عبدالحميد! وقد كان أحد أهم شروط هذا التقارب، ألا يساند الخديوي المناوئين للسلطة العثمانية!
كذلك استطاع أن ينشر فيها كتابيه"أم القرى"و"طبائع الاستبداد"اللذين كتبهما في حلب ولم يستطع نشرهما إلا بعد هربه منها، ويقول نديم الكواكبي (عبدالمسيح الأنطاكي) إن الكواكبي ظل مختفيا في القاهرة حتى طبع كتاب"أم القرى"إذ أرسل منه نسختين إلى الخديوي في الإسكندرية، ونسخة إلى"الشيخ محمد عبده"والثالثة إلى"الشيخ علي يوسف"وقد سرّ الخديوي بالكتاب فطلب إلى الشيخين أن يسعيا للتعرف على صاحب الكتاب الذي لم يذكر اسمه عليه، ومنذ ذلك الوقت نشأت صداقة بين الخديوي والكواكبي التي يبدو أنها لم تعمّر طويلا، بسبب التقارب بين الخديوي والسلطان عبد الحميد، ورفض الكواكبي طلب الخديوي للسفر معه إلى الأستانة للتصالح مع السلطان.‏
أثناء إقامته في القاهرة، قام برحلتين زار فيهما بلادا عربية وأخرى إسلامية، ليتفهم أحوال المسلمين وليدرس عن كثب مشروع رابطة أم القرى الذي تحدث عنه بشكل نظري في كتابه"أم القرى"فزار السودان والجزيرة العربية واليمن، والتقى القبائل العربية، ليعرف مدى مقدرتها على القتال، وليحرضها على الثورة ضد الأتراك، لكن اللافت للنظر اهتمامه بالشؤون الاقتصادية والجيولوجية لبلاد العرب، حيث ذكر ابنه (كاظم) الذي رافقه في رحلته الثانية، أنه كان يجمع نماذج من صخورها، ويجلبها معه إلى مصر لدراستها من قبل المتخصصين لمعرفة الثروات المعدنية التي تحتويها الجزيرة (وقد كان من بينها على ما يذكر ابنه زيت النفط الذي دلـَّه عليه الأعراب في الجزيرة).‏
إذاً لا تبدو الغاية من رحلاته دراسة أحوال الأمة العربية والإسلامية من الناحية السياسية والعسكرية فقط، بل دراسة أحوال البلاد الاجتماعية والاقتصادية، كي يؤسس لدولة عصرية، ترتكز على إمكاناتها الاقتصادية الذاتية، لذلك سعى إلى معرفة ما تملكه من ثروات باطنية بالإضافة إلى ما تملكه من استعداد حربي، فهو يدرك أن حرية الدول لا تكون بجلاء الغريب عنها، وإنما بامتلاك القدرة الاقتصادية التي تستطيع حماية الحرية، وتأسيس بنيان الدولة على أسس متينة، تمنحها استقلالا حقيقيا.‏
لقد امتلك الكواكبي وعيا سابقا لعصره، فسعى إلى الحرية بأفضل معانيها، جنّد في سبيلها كل ما يملكه من مواهب أدبية وفكرية، وضحى من أجلها بكل ما يملك، حتى دفع حياته ثمناً لها.‏