الكتب في حياتي الحقائق .. يخفيها المؤلف ويشوهها الناقد فلا يتبينها القارئ

الكتب في حياتي الحقائق .. يخفيها المؤلف ويشوهها الناقد فلا يتبينها القارئ

بغداد/ أوراق
رؤية شخصية تحاول اثبات فكرة ان الحياة هي مصدر الحكمة لمن يبحث عنها، ويمكن ايجادها بعيداً عن كتب الفلسفة. في حين يؤكد على وجود كتب ثورية يصفها بالملهمة والنادرة. ترى هل سيقنعنا هنري ميللر بوجهة نظره التي ضمنها كتابه (الكتب في حياتي) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة أسامة منزلجي مبيناً ان المنبع ليس المثقف أو الفيلسوف،

وليس الأستاذ أو القديس، بل تجربة الحياة المباشرة، والأمر نفسه ينطبق على الفن أيضاً، فيقول: نستطيع ان نستغني عن الأساتذة، وأعظم درس يتعلمه الانسان حين يؤمن ان الطريق الأصعب على المدى الطويل هو الأسهل والمختصر.. وكل ما بث في الكتب هو وهماً وان كان يبدو حيوياً الى اقصى مدى، ليس إلا مثقال ذرة من الأصل الذي نبت منه، وفي مقدرة كل شخص ان يفيد منه.. وكامل نظرتنا عن الثقافة قائمة على الفكرة التافهة ان علينا ان نتعلم السباحة على اليابسة قبل النزول للماء.. ان فن الكتابة يعلم بالمدارس بدل ان يتم ذلك في غمار الحياة.. ولا يزال الطلاب يتلقون نماذج من المفترض ان تتناسب مع انماط الفكر والأمزجة كلها، ولا غرابة أننا ننتج مهندسين أفضل مما ننتج كتابا، وننتج خبراء في الصناعة أفضل من الرسامين.. انني اعتبر لقاءاتي بالكتب أقرب شبهاً بلقاءاتي مع ظواهر أخرى في الحياة أو الفكر.. اللقاءات كلها مرتبة وليست منعزلة، وبهذا المعنى تشكل الكتب جزءاً لا يتجزأ من الحياة وأنا لا أجلها بحد ذاتها، ولا اضع المؤلفين في أي خانة خاصة ولا متميزة، انهم كالاشخاص الآخرين لا أفضل ولا أسوأ انهم يستغلون القدرات التي وهبوا كغيرهم لم يحققوا قط المرتبة أو الاعتبار الذي يستحقون، والعظماء منهم يعاملون تقريباً معاملة أكباش فداء.. والقارئ اشبهه بشخص يشق طريقه بصعوبة في الأدغال التي تعلمت من العيش في قلبها بضعة اشياء، ولم يكن هدفي من العيش فيها إلا للتخلص منها، وايماني الراسخ هو ليس من الضروري السكن بين دغل من الكتب، بل تكفي الحياة نفسها دغلاً حقيقياً ومعلماً جيداً على أقل تقدير.. وما يدفعني بشكل رئيس لهذا هو اننا في العموم لا نعلم سوى القليل عن التأثيرات التي تشكل حياة الكاتب وعمله. والناقد بتباهيه وتكبره شوه الصورة الحقيقية حتى لم يعد يتعرف عليها احد، ومهما اعتبر المؤلف نفسه صادقاً فانه يخفي الصورة حتماً. والطبيب النفسي بنظرته الاحادية الأبعد للاشياء يعمق التشويه. وبوصفي مؤلفاً لا اعتبر نفسي استثناءً للقاعدة، فأنا ايضاً مذنب بتغيير وتشويه واخفاء الحقائق إن كانت هناك حقائق.. لكن جهدي ربما كان يسير خطاً في الاتجاه المعاكس إذ لم اكن دائماً الى جانب الجمال والحق والحكمة والتناغم. والكمال المتطور باستمرار. في هذا العمل أطلق بيانات جديدة لكي اتعرض للاحكام والتحليل أو اكون مصدراً للمتعة ذاتها.. ومن الطبيعي أني لا استطيع ان أكتب عن الكتب كلها التي قرأتها على امتداد حياتي لكني انوي الاستمرار في الكتابة عن الكتب والمؤلفين.. وفي قلب هذا الكتاب هناك حنين ليس الى الماضي نفسه وانما الى لحظات تظهر من خلال الاتصال بالكتب أو عبر الاتصال برجال ونساء لقبتهم بكتب حية، هو الحنين الى رفقة أولئك الفتية الذين نشأت معهم، وكانت احدى الروابط الأقوى هي الكتب حيث اجلس في غرفة صغيرة صار احد جدرانها مكسواً برمته برفوف الكتب التي تمثل خياري الخاص منذ بدأت مسيرتي في الكتابة التي اجد فيها نفسي محاطاً بعدد ضخم من كتب طالما تمنيت امتلاكها في الماضي حين كنت اقوم بمعظم عملي من دون الاستعانة بمكتبة وأعتبره مزية وليس نقيصة.. واحد أول الاشياء التي اربطها بقراءة الكتب هو الصراع الذي خضته من اجل الحصول عليها.. هناك سؤال يطرح: ما الذي يجعل كتاباً ما يبقى حياً؟.. والجواب بسيط، يبقى حياً عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ لآخر، فالكتب هي احد الاشياء التي يدللها البشر بعمق، والكتاب ليس فقط صديق بل يصنع لك اصدقاء.. وعندما تمتلك كتاباً ذا عقل وروح تغتني، ولكن عندما تعطيه لشخص آخر تغتنى ثلاثة اضعاف.. وهنا يتملكني حافز لا يقاوم لتقديم نصيحة مجانية، هي أقرأ أقل ما يمكن وليس أكثر ما يمكن، وهناك طريقة ممتازة لاختبار هذه النصيحة النفيسة التي لم اعطها بتهور، فعندما تصادف كتاباً ترغب في قراءته أو تعتقد انك يجب ان تقرأه، دعه وشأنه لبضعة ايام، ولكن فكر فيه بأشد ما يمكنك من تركيز. دع العنوان واسم الكاتب يدوران في عقلك. فكر ماذا يمكن ان تكتب لو أتيحت لك الفرصة. اسأل نفسك بجدية عن ضرورة اضافة هذا العمل الى مخزونك من المعرفة.. واذا وجدت انه لابد لك من قراءته فانتبه بأية فطنة استثنائية تتعامل معه. انتبه ايضاً الى انه مهما كان مثيراً فان القليل جداً مما يحتويه جديد عليك.. لافتاً الى ان الشباب صاروا يتحولون الى الكتب الميتافيزيقية والغامضة والصوفية اضافة الى الاباحية والبذيئة، مقتقداً انهم سيجدون في هذا الكتاب اجوبة واشارات سوف توجههم للصواب.