نوري مصطفى بهجت..جماليات التجربة وريادتها

نوري مصطفى بهجت..جماليات التجربة وريادتها

عادل كامل
عندما أبصر نوري مصطفى بهجت النور، عام 1924 لم تكن بغداد، ومعظم المدن العربية، تحلم بأكثر من ديمومة الانتماء إلى الماضي: قرون امتدت حتى كادت لا تترك أثرا ً لها، كالذي أنجزته بغداد، قبل ألف عام، في عصرها الذهبي. وهذه ليست مفارقة،

ان يأخذ التمرد مداه تحت تيار (التحديث) أو ان يضع حدا ً ـ بلا مبالغة ـ حمل عنوان: الريادة، بل، برنامجا ً مازالت قراءته مؤجلة، بما أنجزته من تدشينات رائدة، بعد قرون من الظلمات.


على ان مشروع (التحديث)، بعد الحرب العالمية الأولى، سيشكل ظاهرة استدعت تضافر مكوناتها. فالمدينة، بغداد، للمرة الأولى، لم تعد معزولة عن تيارات التغيير، والتحولات، لأنها، في هذا السياق، سمحت لظهور من يعيد الحياة إليها، ليس وفق تعاليم القرون الوسطى، وعصور محاكم التفتيش، والحروب الأهلية، بل بحسب التحول للعبور نحو عالم قائم على: الابتكارات، والتدشين، ومغادرة الرضا بالخمول، وكراهية المعرفية!
ولأن نوري مصطفى بهجت، في نشأته البكر، وما بعدها، وجد مساحة للتقدم، وليس للردع، فانه لم يغامر في الاكتشاف، وفق مفهوم الكسب أو الخسران، بل أعاد ـ عبر لاوعيه ـ مفهوم بناء الحضارات المخبأة/ المستترة، التي كوّنت خارطة عمل جيناته الوراثية، مع حاضره، كي تتوازن فيهما عناصر البناء، مع مفهوم التدشين، أو الابتكار، في عصر الحداثات الأوربية، بغزارة تنوعها، وعملها على نسج دروب المستقبل، وليس الارتداد، أو البقاء في الصفر. فوجد انه إزاء عالم شبيه بعمل المنقب الاثاري في الكشف عن المخبآت، والمخفيات، وفك طلسماتها، ومشفراتها، فكان الوعي بما سينجز، قاده للحفر في أكثر المناطق غموضا ً: الوعي بالحياة ـ أي الوعي بجمالياتها ـ وإنها لم تخلق للغياب، بل كي تتجانس فيها ديناميتها، وعلاماتها، مع كل تقدم لا يتطلب موهبة معزولة عن الجهد فحسب، بل مثابرة تحكي ذات العناد الذي تمتلكه البذور في مد جذورها داخل أقسى المناطق صلابة.
فالنشأة، وولع بهجت بالفنون، مهدت له ممارسة رسّخ فيها شروطها النظرية، والفكرية، فالخيال لديه، لم ينفصل عن الممارسة العملية، إزاء متغيرات تطلبت عناد البذرة، ولغزها في الأخير. فالرهافة تجذّرت كممارسة ليس لقراءة المشهد، بل للديمومة الإقامة في مناطقه الخلاقة: الحياة بصفتها مشفرة بتاريخ طويل للتحولات من الأرض (الآلهة الأم)، إلى اليد، ومن ثم إلى الوعي، الفكر، وقد اجتمعت لصياغة الوعي بتضافر هذه الأزمنة في زمنها المستحدث، وتكامله، كحياة غير فائضة، وجديرة بالإضافات: التدشينات.
وبقراءة الأسماء المميزة لمرحلة الرواد ـ منذ ثلاثينيات القرن الماضي وصولا ً إلى خمسينياته ـ فان وعيا ً بالتركيب أو التوليف، والتنوع أو التعددية، كان ممهدا ً للخروج من الصفر ـ تقريبا ًـ نحو مدينة ترغب ان تنسج مصيرها، من الداخل، رغم عثرات الماضي وتراكمات سلبياته، من ناحية، والتيارات الحديثة الوافدة أو التي مازالت غريبة، من ناحية ثانية. بل كان على بغداد ان تستثمر موروثاتها الخلاقة المدفونة، وما كان يحدث في العالم، على نحو يعيد إليها هويتها، ومعالمها الحقيقة، كمدينة لم تمت، ولم تدفن بعد.
فكان نوري مصطفى بهجت يمتلك استعدادا ً كي يكون: رساما ً، أو نحاتا ً، مثلما كان هذا الاستعداد ـ بالفطرة ـ ان يصنع منه موسيقيا ً، وبالاستعداد ذاته لم يكن الطب معضلة، إن لم يكن حرية أكدت ان قسم (ابوقراط) فلسفيا ً، قبل ان يكون معنيا ً بمهمات الطبيب، منهجا ً لسبر أغوار المناطق الجديرة بالاكتشاف، والدخول في أبعادها النائية. فالحياة ـ بلغزها ـ تمتد، ولا تغيب، لان حضورها سيعيد ـ من غير تكرار ـ سر عبور ما هو جدير ان يقاوم هذا الاندثار، وكأن الزوال، عبر الحضور، غياب شبيه بامتداد العدم، وقد أصبح حضورا ً تاما ً. فاللعبة تلعب وكأنها كتمت فضائح الغوايات، وصاغت منها، قانون الديمومة، ومقاومة الخمول، أو التراخي، ليصبح عملها تحديا ً دائما ً، وكأن سيزيف ليس معاقبا ً، بل قائما ً على انتظار ما قد يكون انتظاره ليس عبثا ً، أو هدرا ً لرمزية الإنسان، ووجوده في الأصل.
كانت فلسفة الشاب نوري مصطفى بهجت، قائمة على الوعي بما يمثله المستقبل للمدينة، وسكانها، فقد كانت بغداد تستعيد هويتها بالتعددية، وبحريات لم تكن وهمية، أو زائفة، مقارنة بالقرون التي عاشتها خارج التاريخ، وبعيدا ً عن أداء رسالتها.
وهذا ما تفصح عنه قراءة يوميات الطبيب ـ الفنان، أو الفنان ـ الطبيب، لتجربة امتدت أكثر من ستين عاما ً، وهو يعيد تدوينها، كحياة نعيد قراءتها، مرة بعد أخرى، بصفتها قدوة، أو نموذجا ً لإنسان نسج تاريخه، وجعل منه علامات إبداعية، في حقل الطب، وفي مجال الفنون الجميلة أيضا ً.
فإذا كانت (السلعة) تكتسب ثمنها بالجهد المبذول فيها، إضافة إلى عوامل لا تحصى مخبأة فيها، فان الجهد الذي بذله نوري مصطفى بهجت، غادر حدوده الشخصية، نحو المدينة ـ بغداد ـ وحضارتها. وذلك لأنه لم يصنع (سلعا ً) بل صاغ علامات تؤكد ان موت (الفن) ـ بتحوله إلى سلعة أو بضاعة أوالى شيء من الأشياء ـ ليس إلا نسقا ً قد لا يدوم طويلا ً، ما دام الفن ـ والإنسان في الأصل ـ لم يستجب إلى تحول العالم إلى سلاسل من التصادمات، بل، بما يشبه عمل القدر، تحديا ً آخر يعيد تعريف الخلود، بقلب الأبدية، إلى مفهوم ليس للإنسان فيه وقت للآسف، كما قال بطل ساغال، في رواية: الموت حبا ً.
ففي هذه اليوميات، ما يقود إلى: لغز ـ التاريخ، لغز المتعة، أو اللعب، وهو احترام العقول بالدرجة الأولى، وليس إلى الربح، فثمة منفعلة لا مناص إنها غير منفصلة عن ميتافيزيقاها، لكن ليس للغطس فيها، بل للتحرر من التباساتها. فالمنفعة ليست مستقلة، مثلما لا يوجد جمال في ذاته، حتى لو كان تام العلة، أو من غير أسباب، كما في فلسفة بعض المثاليين. فثمة توازن بينهما، يمد بالإقامة، لا على حساب المتعة، أو على حساب الجمال، بل بتضافرهما لصياغة الأداء في الممارسة (الطبية)، من جهة، وعبر بناء النصوص الفنية، من جهة ثانية. فالرؤية لدى الطبيب الفنان تدحض النفع، وتخالف مفهوم الإنتاج ـ الاستهلاك، نحو المعنى، وقد غدا فعلا ً انطولوجيا ً ـ بيئويا ً، ينبني ويتجذّر بالبناء، وقد غدا فعلا ً مستحدثا ً، ضمن أزمنة تميزت بما تركته أزمنة الرداءة، فضلا ً مواجهة الحاضر بقدرات نادرة على التجاوز، والتقدم.
ففي التفاصيل الاستثنائية التي يرويها عن قرى العراق النائية، عبر عمله، كطبيب، وفي تأسيسه المبكر لمشروعات العلاج الطبيعي، ودوره في التجمعات الفنية، من الرسم إلى الموسيقا إلى التجمعات الفنية، والثقافية، لا يغرق، أو يغطس، حيث الشيطان يكمن فيها، بل على العكس، نحيا الحياة بصفتها تحديا ً دائما ً يمنحها ديناميتها ـ وديمومتها.
فالطبيب لم يختر إلا دحض (المهنة) أو (الوظيفة) كي يجعل الوسائل مندمجة بغاياتها، ويجعل منها رهافة ترتقي بالفعل نحو رمزيته، وما يمتلكها من مُثل، وجماليات.
فهل كان هذا محض مصادفة، أن يظهر جيل أسهم فيه رواد: الطب، العمارة، القانون، الشعر، الفنون التشكيلية، المسرح، الموسيقا، الرواية، العلوم الاجتماعية، النقدية، والفكرية..الخ، أم كان استجابة لبلد انتظر قرونا ً كي يغادر ظلماته ويتلمس ما سينسجه تحت الشمس؛ مصيره إزاء عالم يتأسس على التحديات، وليس على الانتظار..؟
يوميات الفنان الطبيب، أو الطبيب الفنان، وقد اشرف على تحريرها شاب دؤوب موهوب شديد الحرص على مفهوم ديمومة الابتكار، الأستاذ معتز عناد غزوان، ستأخذ موقعها ليس في الذاكرة، أو في تاريخ الثقافة الحديثة في العراق، فحسب، بل في الاستجابة لاستكمال تدشينات لو لم تجد، مفازتها، وحلقاتها، وروادها، فان خطر الارتداد ليس مزحة!
وهنا ستأخذ القراءة ممرات كل منها يقود إلى النتيجة ذاتها: الهوية. وإذا لم أكن معنيا ً كثيرا ً بالطب ـ رغم انه احد أكثر شروط الحياة حيوية ـ فان النصوص الفنية للطبيب، ستبقى مميزة بانحيازها لعمل اجتمعت فيه الدوافع الفنية ـ الجمالية، بالنسق الايكولوجي. فقد قدم لنا، مع جيل الرواد ـ واعني بهم الجماعات التي ظهرت منذ نهاية ثلاثينيات القرن الماضي حتى خمسينياته ـ خلاصات شكلت تاريخ مفهوم الفن الحديث في العراق. تاريخ لا يروى حسب، بل غدا مرئيا ً، لتضافر روافده العالمية، بموروثاته الزاخرة بالمشفرات، وبحاضر قاوم غيابه.
فالانحياز إلى الطبيعة: الهواء والمكان ليس استعارة من مدرسة من المدارس، قدر الانحياز ذاته للبيئة بتنوعها الفريد، على اتساع المساحة التي عاشها من أعالي جبال كردستان إلى اهوار الجنوب في الصحين والحمار، كما ان انحيازه إلى أية مدرسة فنية ـ وهذا ما حصل للأستاذ حافظ ألدروبي ـ لم يكن إلا نسقا ً شبيها ً بالانتقال من الشفاهية إلى التدوّين، ومن الإصغاء إلى التأليف على صعيد الأصوات، كمثال لتجريبية استبعدت العشوائية نحو وحدة تضمنت تنصيصات كي تثمر توليفاتها الانطباعية، لكن ليس بالمعنى الانفعالي ـ اللحظوي ـ إلا كي تعزز رؤيته الواقعية في علاقة الفنان بالمكان، وتاريخه، وأساسا ً في منح الروحي شفافية متحررة من القيود. وربما كان هذا واحدا ً من الأسباب التي سمحت له ان يشترك مع فائق حسن والشيخلي والقصاب ومحمود صبري في جماعة الرواد (1950)، وليس في جماعة الانطباعين العراقيين، انتماء عفوي لبدائية معاصرة قائمة على الخبرة، وليس على التلقائية، أو المصادفات، مما سمح له ان يدوّن ـ بالرسم ـ تاريخه الروحي، إلى جانب التاريخ الذي عاشه مولعا ً بالوطن كانتماء إلى الحضارة، وليس للأرض حسب.
ذلك لأن هذه الوحدة، بين التاريخ والذات، شبيهة برؤية الفنان إلى سلامة الجسد/ الفكر، عبر تخصصه الريادي، ومن ثم، فان رؤيته، كطبيب، أكدت ان الحياة من غير فن، كعلامة منفصلة عن سياقها، فالجدل، وربما (الصيرورة)، في هذا النسيج، لخص ّهذه الوحدة، كانسان لم يفرط بما كان يراه ينتظر هذه التعددية ـ وهذا التكامل.
إننا إزاء مثال للرهافة ـ إنسانيا ً وجماليا ً ـ والقائمة على ضرب نادر من أدوات التعبير، من غير إسراف، وبحكمة منحته هذا الثراء، وهذا العنوان: الريادة، من الطب إلي الفن، ومن المرئيات إلى ما تخبأه الحياة من مشفرات صاغها كمن أراد للموسيقا، والموسيقا أبدا ً، ان تحفر جذورها ـ وبراعمها ـ في الإنسان ـ كعلامة ـ وهو يكّون حضوره، بمثل هذا التهذيب، والأمانة، ومن غير تذمر، أو حتى شكوى.