فيزياء الجسد..

فيزياء الجسد..

بغداد/ أوراق
بدأ اهتمام الغرب بالمخرج المسرحي مييرهولد في عشرينات القرن الماضي من قبل المخرج البريطاني ب. دين والمسرحي الألماني إ. تولر والامريكيين البروفيسور هـ. دانا والمخرج لي سيمنسون و إ. بيسكاتور على انه دشن العصر الذهبي للمسرح الروسي الذي بدأ بانفجار ثوري. دراسة للباحث الدكتور فاضل الجاف تضمنها كتابه (فيزياء الجسد ـ مييرهولد ومسرح الحركة والايقاع) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر.

 مبيناً ان الغرب اجرى عدة دراسات على نظرية إخراج مييرهولد من خلال تأسيسه لما اسماه ممثل المستقبل بعلاقته بالبنائية والفوستك وذلك باستعماله للمصادر المتنوعة لاغناء منهجه مثل الموزك هول والجمناستيك والسيرك وأيضا المسرح الياباني والصيني القديم وكذلك العلوم التايليرية وخاصة في مجال الحركة الإنتاجية والأهمية في اقتصاد الحركة المسرحية ونظرية الانتقالات، حيث يكون المنهج الفني في تمثيل الممثل علي الإحساس أوتوماتيكيا بالانتقالات الداخلية وما يفرضه هذا المنهج باستعمال حركة جسمه بشكل متواصل وتقسيمها إلى حركات معبرة، وبهذا يتم خلق علاقة بين قدرات الممثل الجسمانية وأحاسيسه الداخلية إن المنهج البيوميكانيك يكّون المبادئ الأساسية للأداء التمثيلي الدقيق لكل حركة والتفريق بين الحركات بهدف الوصول إلي الدقة الانموذجية. وهذا المنهج لمييرهولد يمتلك الآلية للوصول إلي شعرية الأداء وتطوير القدرات الإبداعية المتنوعة للممثل، مما يؤدي إلى تحقيق التمسرح في عمل الممثل، ووظيفة المتلقي في إخضاع كل ما على المسرح إلى قوانين اللعب المسرحي، فالمسرحة قائمة علي الشّرطية التي تفرض المبدع الرابع (المتفرج) الذي تجعله يتذكر انه أمام ممثلين يمثلون أدوارهم وتجعل الممثلين يتذكرون بأنهم علي خشبة المسرح، وأمام الجمهور. منهج مييرهولد اسهم في استعمال أشكال مسرحية أدائية مختلفة مثل البانتومايم ومهارة الحركة ودمج القدرة البدنية بالقدرة الذهنية للممثل واستعمال قواعد الفن التشكيلي في العرض المسرحي والسنوغرافيا. لقد علم مييرهولد ممثله وبين منهجه بعدم الاتجاه إلى الانفعالات.  وعمل ورشات تمارين الببيوماكنيك المنهج الجديد للتمثيل والرؤيا الإخراجية المختلفة عن المدرستين الطبيعية السيكولوجية. ومازال هذا المنهج يستعمل حتى الآن، لقد اعتمد مييرهولد علي الغروستك وإحياءه من التراث القديم وانتماء الممثل الفرونسك لدي مييرهولد هو الكشف عن ازدواجيته الظاهرة وأيضا الكشف عن بشاعتها وسخفها فهو يمزج بين الواعي والخيالي ويربط بين الساخر والمأسوي. ويكشف النواقص الاخري وكذلك إدراك هذه الظاهرة وقام بتحليلها بدقة مما أدي إلى تعميق المعنى الحقيقي لها وارتباطها بالواقع. وبين الباحث ان كلمة غروستك تعني التباين والتناقض والصراع بين الشكل والمضمون، وكان مييرهولد مؤمنا بالمسرح كفن بحد ذاته وان الهدف هو إيجاد مسرح جديد والانتقال من الطبيعية لمؤسسها ستانسلافسكي إلى الرمزية مثل المسرحيات التي أخرجها. موضحاً ان فن مييرهولد يكمن في مزج التقاليد التأريخية بالوظيفة المعاصرة للمسرح.. وان الأهمية التطبيقية لموضوع البحث تتجلى بتناولها من قبل باحث ضليع في التربية والتعليم المسرحيين الى جانب كونه مخرجاً مسرحياً.. يعرض الباحث العملية التاريخية التي ادت الى بروز مييرهولد وابداعه كظاهرة في الثقافة المسرحية العالمية للقرن العشرين بالمقاربة بين دراساته الانجليزية ونظيراتها الروسية، إذ يكتشف وجود تماثل بين المسلمات العلمية.. احياناً تتطلع تلك الدراسات الى منجزات زملائهم الروس، وفي احيان أخرى تتقدم عليهم في سياق طرح قضايا جديدة.. وان البحوث التي صدرت في العشرينيات والثلاثينيات والتي يجري الحديث عنها خضعت برأي الباحث لتأثير زخم أيديولوجي.. مييرهولد يركز في عمله على فيزياء جسد الممثل ونقطة التوجيه عنده تختلف وفق معادلة من الخارج للداخل أي يستعمل الممثل جسده وطاقاته الإبداعية لتجسيد الشخصية، ولهذا يضيف تطبيقات الجمناستك والسيرك واستفاد من نماذج المسارح الشرقية كمسرح نو الياباني وكابوكي الصيني نماذج أخرى من المسارح التي تعتمد لحد ما على الحركة والرموز الجسدية فهو يريد أن يهيئ الممثل عبر تمارين خاصة ليتمكن من السيطرة على لعبة الانتقالات الميكانيكية بين الداخل والخارج بحيث يترجم الممثل انفعالاته وأحاسيسه الى حركات ورموز جسدية كلغة مخطابة من نوع آخر مع المتلقي شرط أن يدرك الممثل بأنه ممثل وعلى خشبة المسرح ومع الجمهور معاً في نفس المكان وهنا يعمل مييرهولد على ان يكون الممثل واعياً بما يعمله في كل لحظة حتى يسيطر على نفسه وجسده وحركاته البيوميكانيك هو عرض اجتماعي من أهم مبادئه تنظيم التطبيق الجسدي للممثل والدقة والضبط والأعصاب الفولاذية والشجاعة والاجتهاد والجرأة فهو يعتمد علي التمارين القاسية والتمارين الضرورية لإظهار الأفكار المنظمة للجسد والبنائية الميكانيكية، كل هذه الأشياء البنائية والببيوماتيكية أول من طبقها في المسرح هو مييرهولد فهو يعتمد علي تحرير الممثل من البعد الثالث للخشبة والجدار الرابع .. واهتم بتكوين الممثل وتدريبه وبناء شخصيته وإعداده إعدادا جيدا فرفض واقعية أستاذه ومال إلى الجانب الشكلي في المسرح كما استغني عن الماكياج وعن الأقنعة وعن كل المظاهر الخارجية وعوضها بحركة الجسد التي ينبغي تطويعها لتحقيق الواقعية الدرامية.. وهكذا فان هذه التجربة أثبتت أن الممثل هو المحرك الأساسي حيث يمكنه إنقاذ نصا ضعيفا من الفشل، ويمكن للممثل الضعيف ان يفشل نصاً مسرحيا في غاية الجودة والإتقان، لذا يجب ان يدرب الممثل ويتم إعداده إعدادا حسنا ليؤدي دوره المناط به.. وكذلك للممثل إمكانية أن يساعد المخرج على الابتكار وإيجاد الحركات المناسبة.. ومسرح مييرهولد لا يزال يؤثر حتى اليوم في المسرح العالمي فهو يعتمد علي فيزياء الجسد في نظريته حول الجسد وإمكانياته الإبداعية الهائلة، إن مفاهيم مبيرهولد أهميتها ترتكز على تأثير البوميكانيكا لعمل الممثل، لقد بني مييرهولد منهجه وعلم ممثليه عدم حاجتهم إلى الانتقالات في البداية ويجب أن توثر الحركة الصحيحة أولا وعندها يأتي الانتقال والإحساس الدقيق، وهكذا فان مييرهولد يعتبر إن أي شيء فوق الخشبة هو حركة ولكنها ليست الحركة التجريدية مثل ما يفعل بعض المخرجين، مييرهولد يعتبر الانتقالات والكلمات ما هي الا جوهر البيوميكانيك... وناضل من اجل تأثير (المثالاتية) وأعطى عمقا داخل الخشبة وأعاد قياسات خشبة مسرح شكسبير معيدا العلاقة مع المسرح القديم واكسي ممثليه زيا غير وصفي فكل التمارين والأزياء لديه تتحرك مع حركة رمزية دقيقة يستعمل فيها أنواع من المستويات ليقدم حالات مختلفة من الفكر للمجتمع.