جورج أمادو.. رجل الفكر والنضال والكتابة الرائعة

جورج أمادو.. رجل الفكر والنضال والكتابة الرائعة

إعداد: عادل العامل
ولد الكاتب البرازيلي الشهير جورج أمادو Jorge Amado في باهيا يوم 10 آب 1912, و توفي يوم آب 2001. و هو روائي، و صحافي، وسياسي.
كان واحداً من أهم كتّاب البرازيل ومن أوسعهم شهرة. فقد بدأ الكتابة منذ أيام المدرسة.


وألّف مع عدد من أصدقائه في مسقط رأسه « جماعة الحداثة ». وفي عام 1935أنهى دراسة الحقوق في ريو دي جانيرو، لكنه لم يتسلم شهادته، إذ كان قد دخل حينذاك عالم الأدب وبدأ يشق طريق النجاح بمجموعة من مؤلفات، منها « بلاد الكرنفال » 1931
وقد صار جورج آمادو بعد انتشار أعماله هذه الكاتب المفضل لدى شعبه. و السر في هذا النجاح هو تمسكه ببعض الأشكال الاتباعية ممزوجة بالصعلكة وطعم التقاليد العريقة في مسقط رأسه، ولاية باهيا، التي كانت بحواضرها وريفها مسرح كل رواياته، مثلما كان أناسها أبطاله الدائمين. و قد انغمس أمادو في النضال السياسي منذ شبابه المبكر، إذ انضم إلى الحزب الشيوعي البرازيلي في عام 1926، إلا أن ذلك لم يؤد إلى صبغ أدبه بصبغة الأدب العقائدي، إلا في كتاب « عالم السلام » (1951)، وفي رواية « أقبية الحرية.
و يزيد عدد أعمال أمادو على الأربعين كتاباً ترجم معظمها إلى أكثر من ثلاثين لغة، و بدأت ترجمة أعماله إلى العربية منذ منتصف الخمسينات، ولكن ما ترجم منها حتى نهاية القرن العشرين لا يزيد على النصف. و من أبرز أعماله إضافةً إلى ما ورد أعلاه: القديس جورجي شفيع إيلويس، غرام الجندي، البحّارة المُسنّون، تيريزا باتيستا المتعبة من الحرب، الحصاد الذهبي، حرب القديسين و غيرها. و قد حاز أمادو عدة جوائز منها: جائزة بابلو نيرودا (موسكو 1994)، جائزة لويس دي كأمويس (لشبونة 1995)، و جائزة سينو ديل دوكا 1998)، كما جاء في الموسوعة الحرة.
و تزخر روايات جورج أمادو بعالم من الرجال الأشدّاء و النساء الشهوانيات الجميلات ذوات الشخصيات القوية.. نصَّابين، و أبطال، و كولونيلات، و عمّال، و أمّهات، و زوجات، و صديقات، و عاهرات. إنها سلسلة من الشخصيات التي أصبحت أكثر غنىً و إمتاعاً مع إدخال عربٍ و منحدرين منهم في الحبكات التي قام بتأليفها جورج أمادو، أحد أشهر الكتّاب البرازيليين، كما تقول إيزابيلا باروس في مقالها هذا، المنشور في مجلة brazil.
و هو واحد من الكتّاب الأكثر موهبةً حين يتعلق الأمر بوصف أهل موطنه و المشاهد الطبيعية، في ولاية باهيا، في شمال شرق البرازيل. و كان جورج أمادو، و هو مؤلف 32 كتاباً، الروائي البرازيلي الذي سلط الضوء على المهاجرين من الشرق الأوسط، كما كانت الحال مع السوري نسيب، صاحب حانة غابرييلا في عام 1958. و كما توضح آنا راموس، أستاذة مدرسة اللغات في جامعة باهيا الفيدرالية،"فإن جورج أمادو قد أعطى مكاناً و شأناً لشخص العربي بيننا، مصوراً إياه كجزءٍ مكمّل لقوميتنا و ثقافتنا". و تضيف إلى ذلك"أن قصة الحب بين المهاجر السوري نسيب و المرأة الهجينة غابرييلا قد سحرت القرّاء في مختلف أنحاء العالم".
و وفقاً لمديرة (مؤسسة بيت جورج أمادو) في سلفادور، عاصمة ولاية باهيا، ميريام فراغا، فإن نسيب هذا بالتأكيد أشهر شخصية قصصية عربية أبدعها الكاتب، لكن هناك مَن هم بالدرجة نفسها من الأهمية، مثل فاضل عبد الله، في توكايا، غراند (المكاشفة Showdown 1984)، و فؤاد معلوف، في (فرادا...)."و كمعيار لإعجاب المؤلف بالعرب، الذين غالباً ما يُشار إليهم خطأً بالتُرك في البرازيل، يمكن أن نذكر كتاب A Descoberta da América Pelos Turcos (كيف اكتشف التُرك أميركا، 1994) الذي يصور شخصياتٍ لا تُنسى مثل آدما، و رضوان مراد، و جميل بشارة"، كما تقول مريام، التي تضيف إلى ذلك أن روايات الكاتب قد تُرجمت إلى 49 لغة و بيعت في 55 بلداً. و تشتمل مجموعة هذه المؤسسة على نسخ عربية من (قباطنة الرمال) 1937، São Jorge dos Ilhéus، 1944، (غابرييلا...) 1958، (دونا فلورا و زوجاها) 1966، (خيمة المعجزات) 1969، و غيرها.
و لم يكن عدد الأعمال الأدبية المترجمة إلى اللغة العربية مرتفعاً، لأن أمادو لم يكن قريباً كثيراً من المجتمع العربي. فمن أين إذن يأتي هذا الانجذاب؟ تقول آنا"إنه ينبع من روابط الصداقة بين أفراد أسرة المؤلف و مهاجرين من أسر شرقأوسطية استقرت في باهيا، مثل آل نزال، آل آدم، آل مداور، و غيرهم.. كما يجدر إلقاء الضوء على الصلات التي أقامها منذ أيام طفولته مع ممثّلي الناس العرب، من خلال باعة الشوارع، الذين اعتادوا أن يأتوا بالأحلام و ' الحضارة ' إلى حقول الكاكاو".
و لقد كان الكاكاو، بالمناسبة، هو الذي انتهى بهذه الجماعة من الناس للاستقرار في باهيا، و هي الولاية التي تقع إلى جنب ساو باولو، و ريو غراندي دي سول، و بارا و تستقبل معظم المهاجرين، الذين بدأوا يصلون البرازيل في أواخر القرن التاسع عشر. و وفقاً لبروفيسور التاريخ أوغستو سبينولا،"فإن صعود الاقتصاد القائم على الكاكاو قد عزز التجارة في إقليم باهيا الجنوبي، الذي اجتذب العرب بدوره. و الآن فإن هناك حتى في فييرا دي سانتانا، في شمال شرق الولاية، سجلات لأسرٍ من أصلٍ عربي".
أما بالنسبة لبروفيسور التريخ و منسّق مركز التوثيق و الذاكرة الإقليمية في جامعة سانتا كروز، أندريه لويث روسا ريبيرا، فإن العرب الذين استقروا في باهيا اعتادوا العمل بشكلٍ رئيس في التجارة، لكن البعض منهم امتلكوا أرضاً، و كان لآخرين مع هذا مشاركات قوية في النشاط السياسي المحلي.
و إلى جانب النشاطات الاقتصادية، وفقاً له، فإن الميراث الرئيس للحضور العربي في الولاية كان الطبخ."فأنت يمكنك أن تأكل الكبّة في أية حانة في مدينة إلويس Ilhéus، و أشهرها تلك التي في حانة فيسوفيو، التي تظهر في رواية (غابرييلا) و قد وُجدت بالفعل على صعيد الواقع، و ما تزال حتى يومنا هذا في المدينة. و قد كيَّف أولئك المهاجرون أنفسهم للثقافة المحلية بصورة سريعة جداً"كما يقول أندريه.
و هذا التكامل على وجه الدقة هو الذي يعكسه أدب الكاتب."فشخصيات مثل نسيب و فؤاد عبد الله، و شخصيات أخرى مفعمة بالدعابة و المرح، تمثّل قيمتين تشكلان، برأي المؤلف، الأمة البرازيلية، و هما الكدح و التضامن"، كما تقول آنا."أما بالنسبة للمؤلف، فإن وجدان الهوية القومية متشكل من خلال التنوّع". و هذا التنوّع نفسه هو الذي مكَّن باهيا و جورج أمادو من الترحيب بالعرب بأذرعٍ مفتوحة.