جورجي آمادو : لا يعجبني الموت بشيء.. أحب الحياة أكثر

جورجي آمادو : لا يعجبني الموت بشيء.. أحب الحياة أكثر

في الثالث عشر من شباط عام 1998 عندما تزينت باهيا مرة اخرى بالكرنفال واستنشق عالم جورجي أمادو حياة اضافية اعد مراسل مجلة «كامبيو» لمقابلة طويلة مع الكاتب المتعافي للتو من انتكاسة صحيحة ألمت بقلبه، كانت فرصة رائعة من اجل وضع النقاط على الحروف لظاهرة جروجي امادو منذ كتابه الاول «بلاد الكرنفال"المنشور عام 1931 بعمر 19 عاما، لاتعرف منذ ذلك الحين مقابلة اخرى مع امادو وباعتبارها تهم القاريء، تعيد مجلة «كاميو"انتاج جوانبها الأكثر اهمية.


يكمن سر أمادو في الشوارع وفي كل واحد من سكان باهيا، في الفقراء وفي النساء اللواتي يمارسن المهنة الأقدم «من بينهن توجد مارياباز"اعظم حب في حياتي حسب المؤلف». في التسليطة الباقية للعقداء وفي جوع المتسولين، وفي سياسييه من الحكم الشعبي السر هو شعبه، وبعيدا عن الشيوعية الستالينية التي جعلته في مناسبات عدة متهما بالحمق، لم يشك الروائي حتى مماته في تقييمه لنفسه على انه (كاتب الشعب).
وقعت السنوات على أمادو مع قلب بنصف آلة، لكنه يتقدم الى الامام على الرغم من ان ذلك اكثر بطئا الان، لذلك لم تعد تضمه كأحد زبائنها المواطنين من الزمن الغابر تلك الساحات والارصفة حيث لم يعد يتردد منذ اشهر على «السوق النموذجي"ليلتقي مع اصدقائه واتقياء بين فيلق الصيادين وبائعي البضائع الرديئة والذرة المقدسة، واصبح يقلل من ذهابه تدريجيا الى الجمعية التي تحمل اسمه، ويجد نفسه مضطرا للجوء الى مرصده في «ربو فيرميلهو» حيث يعيش منذ 35 عاما وحيث من هناك يراقب كل مايجري في تلك المدينة، الرحم الثقافي للبرازيل.
هناك كان اللقاء، بعد جلسة علاج طبيعي يخضع لها بشكل دوري، وهو نفسه يتعطر بطيب وزيت جوز الهند الذي يطبع كل شيء في باهيا الصالة مليئة بالمنحوتات الافريقية والاسيوية وبصور آلهة الـ «كوندومبليه"وهي ديانة من اصل افريقي ساعدته على ان يكون نائبا في سنوات الـ «ستادو نوفو» والتي نصبته كـ «اكسادي اكسانجو"وهي اعلى مرتبة يمكن ان يصلها المرء في تلك الديانة، وهو داخل البيت لم يرتد امادو القميص سوى بعد ان وافق على التقاط بعض الصور له، هناك تحدث بمشقة وتذكر مع معاناة، متنزها في الحديقة المغطاة بنبات الغابة الى جانب زوجته، زيليا جاتاي، التي لاتفارقه وفادول، كلبه الذي عمده باسم شخصية «توكايا جراندي"او واضعا خططا من اجل رحلته المقبلة الى باريس في شهر مارس حيث سيتسلم هناك درجة فخرية من السوربون وسيشارك في صالون الكتاب المكرس هذه السنة للبرازيل.
لا يكتب شيئا في هذه اللحظة على الرغم من ان لديه عملين في الفرن المطفأ وهو يقول بهذا الخصوص: لا يزال هناك شخصيات كثيرة والاف القصص لقصها، لكني متوقف الان ولا اكتب لكني سأفعل ذلك بشكل مختصر، ومادامت الذاكرة هكذا والسهولة من اجل خلق شخصيات فإنها لا تعرف الوعكات الصحية.
يستريح وينام طويلا ويتردد قليلا على واحد من مكتبيه حيث تشتاق اليه اليفيتي العجوز، ذلك انه ليس لديه وقت الا من اجل الاحتفاظ بالطاقة والتمكن من السفر الى باريس وربما خلال بضعة اشهر الى البرتغال ايضا، احب البرتغال، البلاد الرائعة التي لدي فيها اصدقاء كثر، يقول ذلك كما لو انه يحتاج لتوضيحه، ذلك ان «ليسباو"كانت احد الموانيء التي ضمت منفاه عام 1938 كذلك كانت بوينس ايريس عام 1941 حيث عاش في نفس البيت الذي شغله من بعده وحتى يومنا ارنستو ساباتو.
ويسأل امادو عن المكسيك التي لم يعد اليها منذ عشرين عاما والتي يقول عنها: انها بلاد رائعة اشتقت اليها كل هذه السنوات.

مع خمسين كتابا مترجما الى 48 لغة ـ في روسيا وحدها بلغت مبيعات كتبه اكثر من 12 مليون نسخة وكواحد من ارفع المعبرين عن جيل الثلاثينيات او الواقعية الاشتراكية الى جانب كتاب مثل جورجي لينس ريجو واليسدس خورامدير وانريكي فيريسمو، تحول امادو الى الكاتب البرازيلي الاشهر والحاصل على اكبر عدد من الجوائز في العالم، وحول اعماله تطور دراسات لنيل درجة الدكتوراه في جميع ارجاء المعمورة وفي البرازيل يبدو انه ضحية للنقد كونه خلط خلال جزء كبير من حياته الادب مع السياسة، مما جعل النخبة الادبية لا توافق مطلقا على فكرة التصاق اسمه بأفضل مبيعات الكتب وبالشيوعية معا، ولقد اتهمه حديثا احد النقاد الاكثر تقديرا في البرازيل، ويلسون مارتينس، ومؤلف تاريخ المثقفين البرازيليين، بالتصدير الى العالم «الفكرة الدخيلة بأن البرازيل هي جزيرة بحار الجنوب حيث يذهب الناس بملابس السباحة مع اقواس وسهام للصيد في حي(ريو برانكو).
* ما وجهة نظرك بتصورات الناقد مارتينس حول اعمالك؟

ـ انها وجهة نظره هو وبالمناسبة هي جديرة جدا بالاحترام، لقد كتبت دائما ما اردت بدون حدود من اي نوع. وكان من واجبي طوال سنوات عديدة ان أناضل ضد التصورات المسبقة للحزب الشيوعي، على سبيل المثال، في المؤتمر عندما كان من واجبي ان ادافع عن حرية العبادات لكن نخبنا لديها تصورات مسبقة كثيرة وفي هذه اللحظة من حياتي لا اعيرهم انتباها، فأنا لم اعتبر نفسي اديبا ابدا وانما روائي محترف من دون التخلي عن موقعي الى جانب الشعب والى جانب الذين يعانوا واعتقد اني اعدت تأكيد موقعي والتزامي في جميع الاحداث.
النقد البرازيلي على خلاف باقي العالم، تحرر كشف الحساب من خلال كتب مثل «كهنة وسراديب الحرية"وهو كتاب حسيس بشكل مبرر وواضح اكثر من غيره والذي يسجل القطيعة مع الحزب الشيوعي، اذ يقال انه منذ ذلك الحين لم تعد كتبي ملتزمة الى درجة كبيرة وان قصصها اصبحت مكررة.
انا اقول دائما انه اذا قرأت بشكل معمق، فإن جارييلا كان كتابا ملتزما اكثر بكثير من كل ما كتبته حتى اللحظة، لكن اعمالي بشكل عام لم تتراجح عن كونها ملتزمة ابداً.
* بدءاً من «بلد الكرنفال"حتى اكتشاف اميركا من قبل الاتراك «1992"ليس هناك تغييرات جدية بالاسلوب؟
ـ من الممكن ذلك، ما اعتقده هو اني شملت الفكاهة في كل عمل من الاعمال اللاصقة، فحتى ذلك الحين طورت قصة من خلال خطاب ذي طابع سياسي، بعدها ومع مرور السنين بدأت ادعم نفسي بالحدث اكثر من.الخطاب

* وماذا عن الاتهامات المتكررة؟
ـ انا لا انكرها، لكني لم اعر انتباها للنقد وبشكل خاص الان، فأنا عجوز جدا من اجل اضاعة الوقت في نقاشات من هذا النوع، على الرغم من اعتقادي الدائم بضرورة احترام جميع وجهات النظر سواء كانت حسنة ام سيئة، بشأن عملي.
* كونك كاتبا شعبيا حيث تحولت بعض اعمالك الى مسلسلات تلفزيونية، هل جعلك ذلك في مواجهة اكبر مع النقد؟
ـ عندما يكون كتاب ما سيئا، فإن النقد السيء ينتهي به الى الدمار، لكن عندما يكون الكتاب حسنا، فإن النقد السيء يؤثر فيه ايضا، بالاضافة الى ان لا أحد يعرف اكثر مني حدودي ككاتب.
* ما الحيز الذي تشغله اعمالك في ما يسمى بظاهرة أدب اميركا اللاتينية الذي ابرز دائما الاشكالية الاجتماعية كمحور أساسي؟
ـ بالنسبة لي ادب اميركا اللاتينية ليس موجودا بحد ذاته، فذلك التأكيد مزيف حيث توجد آداب وطنية لا تشكل كتلة، ذلك انها مختلفة جدا بعضها عن البعض الاخر وبعضها اقرب الى الاخرى اكثر من غيرها واخرى اكثر بعدا عن مشاكل الناس.

* منذ عام 1966 واسمك يبرز في قائمة المرشحين لنيل جائزة نوبل هل تعتقد ان حصولك على هذه الجائزة سيجعل النقاد المحلييين يبدلون وجهة نظرهم؟
ـ لا ارى سببا يجعلهم يغيرون وجهة نظرهم، انظر، في احدى المرات قال ناقد متحمس لشتمي اني كاتب بائعات الهوى والمتسكعين والذين يعانون من اي نوع من الاضطهاد والقضايا الجديرة بالانسان، بسبب ذلك انا اشعر بفخر كبير.
* وهل ما زلت تنتظر هذه الجائزة؟
ـ انا لم اخض ابداً ولست اخوض اي نوع من المنافسة، وانا لدي موقع مأخوذ في هذا الخصوص حيث لاتوجد جائزة اكثر عدلا من تلك، دقق بالظلم الذي ارتكب مع ميجيل تورجا او مع لوندينو فييرا، معلمي اللغة البرتغالية، مع جيمارايس روسا او دروموند دي اندرادي، وهم شعراء لا حدود لهم، ترى لماذا لم يمنحوها لسينينون الذي قال فيه اندريه جيدي انه كان اضخم روائي في زمننا؟ الجائزة الافضل من كل ما تستلمه هي رضا قرائي.

* لكنك كوفئت ضمناً مع الـ «كامويس»؟
ـ نعم وهذا يشرفني كثيرا، لكن الجائزة الافضل ما استلمه يوميا في الشارع عندما يوقفونني ويسألونني عن بعض شخصياتي، قبل بضع سنوات كنت امشي في «سانت انتوني"في باريس وتعرفت على فتاة واخذت تبكي متأثرة لانها قالت انها تذكرت تيريزا باتيستا وانا دائما آمنت بأن الكاتب الذي يسعى وراء جائزة هو كاتب تعس، ذلك ان عملا يجب ان يشيد بقضايا اكثر نبلا من العمل من اجل جائزة.
ـ تأتي ساعة الفطور ويستغل امادو ذلك كي يتكيء على ذاكرة زيليا، الكاتبة ايضا ولكنها غير النشيطة بشكل مؤقت الى ان يتعافى زوجها من اضطرابات احتشاء عضلة القلب التي عانى منها عام 1993 والعملية التي اجريت له في شهر ابريل من هذا العام، يبدو مشرقا في انتظار البداية التلفزيونية المقبلة لعضو آخر من العائلة، انه فادول كلب أمادو الذي سيشارك في المسلسل التلفزيوني الاكثر شعبية على شبكة «جلوبو» الذي شكل ثنائيا مع تعويذة البركة الخاصة بالبطلة ويعترف امادو ايضا بحبه الموزع بين الـ «ايبيرانجا» نادي عصبة باهيا ومشعل ماني جارينشا ويتحدث عن التغييرات السياسية التي عاشها العالم خلال الخمسة عشر عاما الاخيرة.
يشتكي أمادو من العمر ومن الشيخوخة، منذ المراهقة عندما ظهر في حانات مدينة «بايكسا» راضعا من النوادي الادبية، يعترف له بقدرة عظيمة على القراءة، واليوم يسلم مفترس الاعمال الكلاسيكية وبعد ان نشر له نحو خمسين كتابا بتفضيلة لسيرفانتس وجوجول وزولا ودوستويفسكي وتلستوي وجويس وديكينز (انا أدين لديكينز بتأثير الجانب الفكاهي الذي وظفته في الكثير من أعمالي بالاضافة الى شاعريته من أجل حكاية قصص المهمشين).
يؤكد امادو ذلك ويبدي اخلاصه لسنينيك الذي ساعدتني اعماله بشكل هائل، مثل (عنب الغضب) و(عجة مسطحة).

* وماذا عن الاميركيين اللاتينيين؟
ـ كيف اُجيب على ذلك؟ سأقترف ظلماً اذا استشهدت بالبعض ونسيت الآخرين.
* وماذا عن الكُتـّاب الشباب؟
ـ الوقت الذي لا اشغله في الكتابة، اكرس جزءاً منه للعناية بالشباب الكتاب الذين يجلبون مخطوطاتهم لي سعياً وراء وجهة نظر. وانا لا اقرأ كل ما ارغب به، على الرغم من اعتقادي بأنهم عندما يصلون هنا، استطيع من خلال الحديث معهم ان اساعدهم في شيء. كما يثلج صدري ان التقي بكاتب كبير وان اكتشفه، انه رضا عارم لا يُوصف.
في الاطار الشخصي يقول امادو انه يشعر بحنين عارم لصديقين حميمين ـ عرابي ولديه جواو بيدرو وبالوما ـ هما بابلو ينرودا ونيكولاس جيلين الذي تقاسم معه قصصاً ورحلات عبر باطن الستارة الحديدية وايديولوجية ولحظات انتهت فيما اراد ان يكون كتاب مذكرات «ملاحة ساحلية»
كما يشعر بأنه رجل «غني بالاصدقاء وذلك هو النصيب الاكبر الذي تمكنت من مراكمته في حياتي» وعلى الرغم من انه يستطيع ان يعطي وجهة نظر معاكسة، الا انه ينفي ايمانه بافضال الماضي.

* كنت شاهداً على الكثير من اللحظات الجوهرية في تاريخ هذا القرن وخالطت الكثير، هل تضمن النظرية القائلة انه على الرغم من النظام العالمي الجديد، كان الماضي ايجابياً اكثر بكثير؟
ـ لا، انا لا اؤمن بذلك التاريخ القائل ان الماضي كان افضل.

فعندما تبدأ بسبر غور الماضي فانك ستكتشف اشياء رهيبة. واليوم، انا اشعر بالسعادة عندما اشاهد ان المجتمع لديه تصورات مسبقة اقل بكثير مما كنت قد ناضلت ضدها في مرحلة العضوية الحزبية. وهذا تقدم هائل، على الرغم من انه لدينا اليوم وبشكل متزايد مأساة اكبر وتهميش.
* اذا كانت المشاكل الاجتماعية اكبر اليوم او انها ملحة اكثر من مرحلة عضويتك الحزبية. ما زلت تعتقد ان للعضوية معنى، وهل تعود لتكون كذلك لو قلنا ان لديك من العمر عشرين عاماً؟

ـ بالطبع نعم. في لحظتها دخلت في صراع داخلي بين الكاتب والعضو الحزبي، وعندما اصبحت نائباً بالكاد كنت قادراً على الكتابة. كان عليّ الاختيار، وها انا هنا.

* يلاحظ في كتبك انك ابرزت عناصر متعددة من الاشكالية الاجتماعية مازالت سارية المفعول؟

ـ بشكل جليّ، زادت مشكلة الطفولة سوءاً. في لحظتها، اقترحت ادانة عوز اطفال الشوارع، لكننا بعد ستين عاماً نشاهد ان المشكلة تستفحل. ولقد استفحلت بشكل خاص بسبب تزايد استهلاك المخدرات الذي لم يكن له تأثير، في ذلك الوقت، على الصغار.
* عندما أكملت 85 عاماً من عمرك، اعلنت انك تشعر بأن الموت قادم؟

ـ لا يعجبني الموت بشيء على الرغم من اني لا اخشاه، واقل من ذلك بكثير تعجبني الشيخوخة مع انها تقدم خبرة، الكثير من الخبرة. وانا فضولي بشكل مفرط ويعجبني معرفة ما الذي سيحدث في عالم السنوات المقبلة، لذلك ليس لديَّ أية ارادة للموت، الحياة تعجبني كثيراً..

الترجمة عن: «كامبيو»، كولومبيا