جورجي أمادو في السينما المصرية

جورجي أمادو في السينما المصرية

صلاح حزين
شاهدنا أخيرا المخرج الشاب أسامة فوزي يحول واحدة من الروايات العالمية إلى فيلم سينمائي حمل اسم"جنة الشياطين"يمكن اعتباره نقطة تحول في تاريخ تحويل الأعمال الأدبية إلى أفلام سينمائية.
- منذ بداياتها الأولى في العشرينات من القرن الماضي اعتمدت السينما المصرية على اقتباس الأعمال الأدبية وتحويلها إلى أفلام سينمائية.

و لم يكن غريبا و الحالة هذه أن يكون أول فيلم مصري صامت مأخوذا عن رواية "زينب" التي يعتبرها كثير من النقاد أول رواية عربية.
بعد ذلك اقتبست السينما المصرية عددا من الروايات والمسرحيات و حولتها إلى أفلام سينمائية، و ربما كانت روايات نجيب محفوظ و إحسان عبد القدوس هي الأكثر اقتباسا. غير أن عملية الاقتباس، و هو التعبير الذي شاع استخدامه لوصف هذه العملية، لم تقتصر إلى الأعمال الأدبية العربية بل تعدتها إلى الأعمال الأدبية الأجنبية.

و قد شاهدنا أخيرا المخرج الشاب أسامة فوزي يحول واحدة من الروايات العالمية إلى فيلم سينمائي حمل اسم"جنة الشياطين"يمكن اعتباره نقطة تحول في تاريخ تحويل الأعمال الأدبية إلى أفلام سينمائية.
فباستثناء حالات نادرة كان تحويل الأعمال الأدبية الأجنبية إلى أفلام سينمائية مصرية يكاد يقتصر على تلك الأعمال الكوميدية (السيد توباز مثلا)، أو الميلودرامية ذات القيمة الأدبية العادية (غادة الكاميليا مثلا والتي اقتبستها السينما المصرية مرات عديدة.
وفي أغلب الأحيان كانت تلك الأعمال قد أخرجت للسينما وأعيد إخراجها أكثر من مرة، ما جعل مقدار الاستفادة من العمل السينمائي المأخوذ عن العمل الأدبي الأصلي أكبر من مقدار الاستفادة من العمل الأدبي نفسه. و في الحالات التي حولت فيها أعمال أدبية عظيمة (مرتفعات وذرنغ وجين إير) إلى أفلام سينمائية، فإنها كانت تفقد الكثير من بريق العمل الأدبي وقيمته.
و باستثناءات قليلة أيضا كان اقتباس عمل أدبي و تحويله فيلما سينمائيا، يعني الاقتصار على تغيير الأماكن والملابس وأسماء الأشخاص، و يبقى ما عدا ذلك كما هو تقريبا ليذكرنا بالعمل الأدبي الأصلي، و خصوصا المناخ الاجتماعي وتركيبة الشخصيات التي كثيرا ما كانت تبقى أقرب إلى الأصل الأوربي منها إلى الأجواء العربية التي نقلت إليها، و كانت المبالغة تصل في بعض الأحيان إلى حد نقل جمل بأكملها من حوارات العمل الأدبي المقتبس أو العمل السينمائي المأخوذ عنه واستخدامها في الفيلم المعرب بكل ما في ذلك من فجاجة وبلادة.
ما قام به المخرج أسامة فوزي في"جنة الشياطين"، كان شيئا مختلفا تماما، فقد اختار رواية"كانكان العوام الذي مات مرتين"للكاتب البرازيلي الشهير خورخي أمادو، التي تتحدث عن جثة متشرد مات ثملا في حانة وضيعة في أحد أحياء باهيا البائسة في البرازيل, تلك المنطقة التي اختارها أمادو مسرحا لأحداث رواياته بما فيها من طابع محلي صارخ سجل باسم الروائي الكبير مع مرور الزمن، فأصبحت باهيا هي برازيل أمادو كما يعرفها قرّاؤه.
لهذه الأسباب و غيرها كان اختيار هذه الرواية تحديدا مغامرة جريئة، و هي مغامرة يشاركه فيها منتج الفيلم وبطله محمود حميدة، الذي قدم دورا استثنائيا لجثة يتنقل بها رفاقه و أصدقاؤه الصعاليك في سيارتهم المهترئة، من الحانة التي مات فيها إلى بيت عائلته الثرية ثم إلى الحانة مرة أخرى عبر شوارع القاهرة القديمة و أحيائها البائسة و حاناتها الوضيعة، و التي حلت هنا محل أحياء باهيا البرازيلية.
و في معالجته السينمائية للرواية حرص المخرج المصري الشاب على خلق جو مصري معادل لجو باهيا البرازيلية بحاناتها و أزقتها و شوارعها الخلفية و الرئيسية، وأعاد صوغ شخصيات الفيلم مركزا على سماتهم المصرية الخاصة جدا ابتداء من الشكل و انتهاء بالسلوك، مرورا بهمومهم ومشاكلهم و زوايا نظرهم إلى الأمور، و كذلك برغباتهم المحبطة وشهواتهم الصغيرة وشيطنتهم المنطلقة من عقالها.
وتحقيق ذلك اهتم المخرج بأدق التفاصيل التي تميز كلا من شخصيات الفيلم من الملابس التي ترتديها هذه الشخصية وأسلوب نطقها للكلمات، و حتى طريقة تعبيرها عن هواجسها الداخلية و نوازعها التي يمتزج فيها الدهاء،الخبث بالطيبة المفرطة.
لقد صنع المخرج فيلما متكامل العناصر لأنه تعامل مع روح النص الأدبي و ليس مع الحكاية لتي تسرد الرواية أحداثها، وتعامل مع الشخصيات مركزا على جوهر كل منها و على عالمه الداخلي و ليس على دوره في الحكاية، و كانت النتيجة نجاح المخرج المصري الشاب في تقديم فيلم مصري السمات والروح، كما قدم تجربة يمكن اعتبارها نموذجا للتعامل السينمائي مع عمل أدبي عالمي رفيع المستوى.
عن جريدة الاهرام