ألبيرتو مورافيا: أنا كاذِب، وهذا يعني أنّني روائي

ألبيرتو مورافيا: أنا كاذِب، وهذا يعني أنّني روائي

ترجمة: ريوف خالد
يقع شارع ڤياديلوكّا بالقرب من ميدان بيازا ديل بوبلو، الشارع المُشكّل بغرابة يتسع عند منتصفه وينتهي نهايتين متدرّجتين رفيعتين، في ممره القصير المرصوف الممتد من سد لونغوتيڤيريه إلى جانب كنيسة سانتا ماريّا دي ميراكولي. أخذ شارع الإوزة"ڤياديلوكّا"اسمه، مثل شوارع عديدة في روما، من لافتة مطعم منسي منذ زمن.


على جهة ممتدة دون انقطاع، من ضفة نهر تايبر إلى شارع ڤياريـبتّا، تنتشر بيوت الطبقة العاملة؛ طابور من المداخل الضيّقة بسلالمَ رطبةٍ مظلمةٍ صغيرةٍ، نوافذ محشورة، خيطٌ من المتاجر الصغيرة، روائح فواكه محلّاة، متاجر ترميم، كحول كاستيلّي، عوادم المحركات، بكاء صبية الشارع، أزيز تجريب درّاجات غوزّيه الناريّة، ومواء من الساحة.
في الجهة المقابلة؛ المباني أطول، تخرج بعشوائية عن النطاق، يُشكّلها التعجرف الخالص للأفاريز المتّصلة والشُرفات الطافحة بمتسلّقات مؤصّصة، نباتات زاحفة مُعتنى بها؛ هذه منازل الأثرياء. هنا، في هذه الجهة، يعيش ألبرتو موراڤيا، في البناء العصري الوحيد في الحي. البناء الناتئ مثل سدّ بلون اليشب والعاج بالنسبة للمحيط الأحمر الذهبي.
يُفتح الباب من قِبل العاملة المنزليّة، فتاة سمراء ترتدي الثوب الأسود التقليدي والمريلة البيضاء. في المدخل، خلفها، يظهر موراڤيا متحقّقًا من وصول صندوق نبيذ، يستدير، ليذهب المحاور إلى غرفة الجلوس، حيث سيكون موراڤيا هنا حالاً.
غرفة جلوس موراڤيا تبدو مخيّبة من النظرة الأولى. لها الغموض التقليدي الأنيق ذاته لشقة في حي باريولي يستأجرها ممثّل أفلام، لكنها أصغر؛ أو غرفة استقبال لمفوضيّة سويسريّة، دون ملفات سفر ولا متعلّقات قراءة من أي نوع. يوجد القليل جدًا من أثاثٍ يعود إلى القرن الثامن عشر. أربع لوحات تزيّن الجدران، لوحتين لريناتو غوتوسو، وواحدة لجيوفاني مارتينللّي، ولوحة لتوتي سيشالوجا أعلى أريكة زرقاء عريضة. عند نهايتي الأريكة يوجد مقعدين، وطاولة قهوة فينيسيّة طويلة خفيضة محصورة بين الأريكة والمقاعد، مزيّنة بتصميم عتيق لرموز دائرة البروج والكواكب. لونيّ الطاولة؛ الأزرق الباهت والزهري القديم تتكرّر في ألوان السجّادة الفارسية أسفلها. على الجدار المقابل يستند دولاب سجلات، يحوي باخ، سكارلاتي، سمفونية بيتهوڤن التاسعة، وبعض الرباعيّات الأولى، ستارفنسكي، بروكوفيڤ، و«أرفيو» لمونتيڤريدي.
انعدام هويّة الغرفة يبدو على الأغلب مُتعمّدًا. المنظر عبر النافذة، فقط، يُذكّر بالربيعٍ الوشيك؛ حيث الأزهار تتفتّح على مصطبات الأسطح، والمدينة دافئة، حيث الحُمرة في الشمس المُغرِّبة. فجأةً، يدخل موراڤيا. طويلٌ ومتأنق، صارم، تقاسيم وجهه وانعكاساتها باردة وصلبة تقريبًا. صوته خفيض وصلب كمعدن هو الآخر، قد يفكّر المرء في معدن السلاح في الحالتين. من طريقته، قد يستشف المرء بعضًا من عدم الارتياح وربّما الخجل، لكنه في بيته، في غرفة جلوسه، يستوطن الأريكة بارتياح واضعًا ساقًاًً على ساقٍِ..
المحاور: هنا تحدّثنا من البداية؟
موراڤيا: من البداية.
المحاور: أين ولدتَ؟ …
موراڤيا: آه، ولدتُ هنا، في روما، في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1907م..
المحاور: ماذا عن تعليمك؟
موراڤيا: تعليمي النظامي، فعليًا صفر. أتممت دراستي الابتدائية، لا أكثر. مجرد تسع سنوات من الدراسة اضطررت للانسحاب بسبب سل العظام. أمضيت ما مجموعه تسع سنوات بسببه في السرير، بين التاسعة والسابعة عشرة، حتى عام 1924م..
المحاور: إذاً، «شتاء صبي عليل – Inverno di malato[1] » لا بد وأنها تُشير إلى تلك الأعوام، يفهم المرء كيف؟ …
موراڤيا: أنت لا تُلمّح إلى أنني غيرولامو! أليس كذلك؟
المحاور: في الحقيقة؛ بلى.
موراڤيا: لستُ هو، دعني أقول:
المحاور: إنه المرض نفسه.
موراڤيا: دعني أقول هنا والآن أنني لا أظهر في أيٍ من أعمالي..
المحاور: ربّما يمكننا العودة إلى هذا لاحقًاً..
أنا أكتب عمّا أعرف.
أنا أكتب عمّا أعرف.
موراڤيا: نعم، لكنني أريد للمسألة أن تُفهم بوضوح كليّ: أعمالي ليست سيَريَّة بالمعنى المعتاد للكلمة. لعلّني أوضّحها هكذا: مهما يكن للعمل صلة بالسيرة الذاتيّة، فهو كذلك فقط بطريقة غير مباشرة مطلقًا، بطريقة عامة للغايّة. أنا ذو صلة بغيرولامو، لكنني لستُ هو. لا آخذ، ولم آخذ قط لا واقعة ولا شخصيّة من حياتي بشكلٍ مباشر. الأحداث قد تُلمِّح إلى أحداثٍ تُستخدم لاحقًا في عمل، على نحوٍ مماثل، الأشخاص قد يُلمّحون إلى شخصيات مستقبليّة، لكن"يُلمّح"كلمة للتذكّر. يكتب المرء عمّا يعرف، مثلًا: لا يمكنني القول بمعرفة أميركا برغم أنني زرتها، لم أتمكن من الكتابة عنها. نعم، يستخدم المرء ما يعرف، لكن السيرة تعني شيئًا آخرَ. يجدر بي ألّا أقدر على كتابة سيرة ذاتيّة حقيقيّة، أنتهي دائمًا إلى التزييف والاختلاق القصصي، أنا كاذب، في الحقيقة. وهذا يعني أنني روائي، مع هذا فأنا أكتب عمّا أعرف.
المحاور: حسنًا، على كل حال، عملك الأول (اللامبالون).
موراڤيا: صحيح..
المحاور: هل ستخبرنا شيئًا عنه؟.
موراڤيا: ماذا تريد أن تعرف؟ لقد بدأته في تشرين الأول من عام 1925م. كتبت قدرًا لا يُستهان به من العمل في السرير، في بلدة كوروكونا، لدى مورا بالمناسبة، نُشر عام 1929م..
المحاور: هل كانت هنالك معارضة شديدة للعمل؟
موراڤيا: معارضة! أي نوع من المعارضة؟
المحاور: أعني مجيئه بعد داننسيو، في أوج القصاصيّة
)2)  Fragmentism  والنثر الفنّي – Prosa d’arte.
موراڤيا: أوه، لا. لم يكن هنالك أي معارضة، إطلاقًا. لقد حقق نجاحًا عظيمًا، في الواقع، كان أحد أعظم النجاحات في الأدب الإيطالي الحديث برمته. في الحقيقة كان الأعظم، يمكنني قول هذا بكل تواضع. لم يُنشر شيء مثله أبدًا. دون شك، لم يُحتفى بكتاب خلال الخمسين سنة الأخيرة بمثل هذه الحماسة والإثارة إجماعا..
المحاور: وقد كنت صغيرًا بعض الشيء حينها..
موراڤيا: واحد وعشرون. كانت هنالك مقالات في الصحف تمتد لخمس أعمدة كاملة، لم يكن لهذا سابقة؛ الكتاب ناجح. أُضيف أنه لا شيء مشابه قد حدث لي مذ ذاك، أو حتى لأي أحدٍ آخر، من وجهة نظري..

المحاور:"زمن اللامبالاة"قد فُسِّرت بأنها نقد بليغ لاذع وحتّى جارح إلى حدٍ ما للبرجوازية الرومانيّة ولقيم البرجوازيّة عمومًا. هل كُتب العمل كردة فعل على المجتمع الذي تراه حولك؟
موراڤيا: لا. على الأقل لم يكن هذا مقصودًا. لم تكن ردة فعل ضد أي شيء، كانت رواية..
المحاور: إذن، هل تود قول أن أولئك النقّاد الذين عدّوك بجانب سڤيڤو مخطئين؟
موراڤيا: تمامًا. نعم، بالضبط. للحقّ، سڤيڤو كاتب لا أعرفه جيدًا بشكلٍ كلي. قرأت له حينها، فقط، «عندما يكبر الرجل – Senilità [As a Man Grows Older ]»[3]  وماذا كانت الأخرى؟ «ضمير السيّد زينو – La Coscienza di Zeno [Confessions of Zeno] » كان هذا بعد أن أتممت كتابة «زمن اللامبالاة». بالتأكيد لا مجال للشّك بوجود تأثر. ثم أن سڤيڤو ناقدٌ متعمِّد للبرجوازية. أما نقدي، مهما يكون وجوده، فهو سهوٌ حدث كليًا بالصدفة. برأيي، وظيفة الكاتب ليست أن ينقد الحال، إنما أن يخلق شخصيات حيّة فحسب..
المحاور: أنت تكتب، ثم؟
موراڤيا: ببساطة: أكتب لأسلـِّي نفسي، أكتب لأُمتِّع الآخرين، وأيضًا لأعبّر عن نفسي. لكل شخص طريقته في التعبير عن نفسه، وصادف أن تكون الكتابة وسيلتي..
المحاور: معنى هذا أنك لا تعـد نفسك منظِّرًا أخلاقياً، أليس كذلك؟
موراڤيا: نعم، بالطبع لا أعتبر نفسي في الغالب منظرًا أخلاقيًا. الحقيقة والجمال تعليمية بطبيعتها. الحقيقة أن تقديم الجناح الأيسر، أو أي جناح من أي نوع، يدل على اللاموضوعيّة والموقف المتحيّز. لهذا السبب، يعجز المرء عن النقد بحس عادل. النقد الاجتماعي لا بد أن يكون دائمًا أمرًا سطحيًا للغاية. لا تسئ فهمي، الكتّاب مثل كل الفنانين مهتمون بتقديم الحقيقة، خلق حقيقة أكثر صفاءً واكتمالاً من الحقيقة ذاتها. يجب عليهم إذا ما أرادوا إحراز هذا أن يتبوءوا موضعًا أخلاقيًا، موقفًا سياسيًا اجتماعيًا فلسفيًا مبتكرًا بوضوح. وعليه، اعتقاداتهم ستجد طريقها للعمل بالتأكيد. ما يؤمن به الفنانون، على أيّةِ حال، بمرتبة ثانويّة من الأهميّة بالنسبة للعمل نفسه. يبقى الكاتب بالرغم من اعتقاداته. لورنس سيُقرأ مهما يكن اعتقاد الشخص في آرائه حول الجنس، ودانتي يُقرأ في الاتحاد السوفيّيتي. من جهةٍ أخرى، للعمل الفني وظيفة تمثيليّة وتعبيريّة. في هذا التمثيل، أفكار الكاتب وأحكامه، والكاتب نفسه، مأخوذون بالحقيقة. بالتالي، النقد ليس إلا جانبًا  –جانبًا جزئيًا- من الكل. يمكنني القول في نهاية الأمر أنني منظِّر أخلاقي إلى حدٍ ما، جميعنا هكذا. تعلم، بعض الأحيان تستيقظ صباحًا في ثورة ضد كل شيء، لا شيء يبدو صوابًا. وخلال هذا اليوم أو أكثر، على الأقل حتى تتجاوزه، أنت منظِّر أخلاقي، كل شخص يعــد منظرا أخلاقيا بأسلوبه الخاص، لكن إلى جانب هذا، هو العديد من الأمور الأخرى أيضًا..
أكتب لأُسلـِّي نفسي، أكتب لأُمتِّع الآخرين، وأيضًا لأعبّر عن نفسي..
.المحاور: لنعد إلى «زمن اللامبالاة"لبرهة، هل شعرت بمواجهة مشاكل تقنيّة معيّنة أثناء كتابتها؟
موراڤيا: كانت هنالك مشكلة كبيرة في هذه المحاولة، استعرت تقنيّات المسرح لأبدأ وأنهي القصة خلال مدة مختصرة ومحدّدة بوضوح، دون حذف شيء. كل الأحداث، في الواقع، تحدث خلال يومين. تتعشى الشخصيتان، تنام، تُمتِّع أنفسها، تخدع إحداهما الأخرى، وهذا كل شيء بالمختصر، وكل شيء يحدث كما لو كان على المسرح..
المحاور: هل سبق وأن كتبت للمسرح؟
موراڤيا: قليلاً، توجد مسرحية مبنيّة على «زمن اللامبالاة»، كتبتها مع لويجي سكوارزينا، وكتبت بمفردي مسرحية «حفلة تنكّريّة – La Mascherata [The Fancy Dress Party]».
المحاور: مبنيّة على الكتاب؟
موراڤيا: ليس تمامًا، الفكرة واحدة على أيّةِ حال لكن الكثير من الأحداث قد غُيِّرت، عُرِضت في ميلان من قِبل بيكولو تيترو..
المحاور: هل تنوي مواصلة كتابة المسرحيّات؟
موراڤيا: نعم. بالطبع أتمنى أن أواصل الكتابة. اهتمامي بالمسرح يعود إلى سنين عــدة مضت، حتى عندما كنت يافعًا قرأت، ولا زلت أقرأ، المسرحيات وأستمتع بها. غالبًا العظام مثل شكسبير وغيره من الإليزابيثيين، مولير، غولدوني، والمسرح الإسباني، لوﭖ دي فيغا، كالديرون. غالبًا أنجذب في قراءاتي إلى التراجيديا، التي أجد أنها أعظم أنواع التعبير الفنّي، المسرح ذاته يصبح أكمل القوالب الأدبية. لسوء الحظ، فإن الدراما الحديثة معدومة..
المحاور: كيف؟ أظنّك تعني في إيطاليا..
موراڤيا: لا. ببساطة لا يوجد مسرح حديث، لا يعني هذا أنه ليست هُنالك عروض تؤدَّى إنما لا شيء قد كُتِب..
المحاور: لكن يوجين أونييل، ﭼورﭺ برنارد شو، لويـﭼـي بيرانديلو
موراڤيا: لا، لا أحد منهم. لا أونييل، شو، بيرانديلو ولا أي أحد آخر قد أبدع دراما –تراجيديا- بالمعنى العميق للكلمة. اللغة، اللغة الشاعريّة هي ركن الدراما. حتى إبسن، أعظم مسرحي حديث، رجع إلى اللغة اليوميّة. وعليه، بطبيعة الحال، فشل في خلق دراما حقيقية..
المحاور: كريستفور فري يكتب مسرحيات شعريّة، لا بد وأنك قد شاهدت «السيدة ليست للحرق – The Lady’s Not for Burning»[4] في إيلبسو.
موراڤيا: لا.
المحاور: قد تفضّله..
موراڤيا: ربّما أفضّله، لكن يجدر بي مشاهدته أولاً..
المحاور: وعملك في الأفلام؟
موراڤيا: تعني كتابة السيناريو؟ في الواقع لم أقم بالكثير، والقليل الذي كتبته لم أستمتع به بشكل خاص..
المحاور: مع هذا، هي أيضًا شكل آخر من أشكال الفـــن..
موراڤيا: بالطبع هي كذلك، بالتأكيد. حيثما تكون المهارة فثَم فن هناك. لكن السؤال: إلى أي درجة ستتيح السينما التعبير الوافي؟ الكاميرا أداة تعبير أدنى من القلم. حتى في يد آيزنستاين، لن تكون أبدًا قادرة على التعبير عن كل شيء، لنقل، لن تكون بقدرة مارسيل بروست! إطلاقًا. مع هذا، فالكاميرا وسيط استعراضي، زاخرة بالحياة. وعليه فالسينما ليست جامدة كليًا. في الواقع، إنها الفن الوحيد الحي في إيطاليا هذه الأيام، الفضل لعائدها المادي العظيم. لكن العمل للسينما مُرهق. ولن يتمكن الكاتب من أن يكون أكثر من كاتب سيناريو أو صاحب فكرة –تابع في التأثير-. يقدم العمل له القليل من الرضى بغض النظر عن أجره. إن اسمه لا يظهر حتى على ملصقات الفيلم. إنها وظيفة مريرة بالنسبة لكاتب. ماذا أيضًا؟ السينما فن غير صافٍ، تحت رحمة فوضىً من التقنيات، الحيل السينمائيّة، أظنكم تقولونها سلاسل في الإنكليزيّة. يوجد في السينما القليل من التلقائية، وهذا طبيعي فقط إذا فكّرنا في مئات الأجهزة التقنيّة المستخدمة في صناعة فيلم، في جيش التقنيّين. الآلية كلها مسألة مكرورة. يصير إلهام المرء بائتاً بسبب العمل في السينما، والأسوأ أن عقل المرء ينهار، يُستنزف، جرّاء البحث الدائم عن الحيل. لا يعجبني العمل السينمائي مطلقًا. تدرك ما أعنيه: إن تعويضاتها ليست ذات قيمة، في الواقع، ما لم تكن مضطرًا إليها..
المحاور: أخبرنا قليلاً عن: (امرأة من روما)؟ موراڤيا: بدأت «امرأة من روما» قصةً قصيرة إلى أن وصلت الصفحة الثالثة. بدأتها في الأول من تشرين الثاني عام 1945م. كنت قد خططت ألا تمتد لأكثر من ثلاث أو أربع صفحات مطبوعة، تعالج قضية سيدة وابنتها. لكنني، ببساطة، مضيت في الكتابة. بعد أربعة أشهر، في الأول من آذار تمّت المسودة الأولى..
المحاور: لم تكن حالة ذيل الكلب الذي يُطارده؟
موراڤيا: كانت الحالة مبدئيا اعتقدت ببساطة أن لديَّ قصة قصيرة، بعد أربعة أشهر صارت رواية بدلاً من قصة قصيرة..
المحاور: هل كانت هنالك أوقات خرجت فيها الشخصيات من يديك؟
موراڤيا: ليس في أي شيء نشرته، حينما تخرج الشخصيات عن السيطرة، فهذه علامة على أن العمل لم ينبثق من إلهام حقيقي، وعليه فالكاتب لا يستمر.
المحاور: هل كتبت من ملاحظات في «امرأة من روما»، هناك شائعة.
موراڤيا: مطلقًا. لم أكتب قط من ملاحظات. التقيت بسيدة من روما قبل عشر سنوات. ليس لحياتها أي علاقة بالرواية. لكنني تذكّرتها، بدا كأنها أطلقت الشرارة. لا، لم أقم مطلقًا بالكتابة من ملاحظات، إنني لا أمتلك دفترًا حتى. في الواقع، عملي لا يُعد له مسبقًا بأي طريقة. أضف إلى ذلك، أنني حين لا أكتب، لا أفكر في عملي أبدًا. عندما أجلس للكتابة، وهذا بين التاسعة والثانية عشرة كل صباح ولم أكتب بالمناسبة سطرًا في الليل أو المساء، حين أجلس على طاولتي للكتابة، لا أعلم ماذا سيحدث حتى أشرع في الكتابة؟ أثق في الإلهام، الذي يأتي أحيانًا وأحيانًا لا يأتي، لكنني لا أسترخي في انتظاره، أعمل يوميًا..
حينما تخرج الشخصيات عن السيطرة، فهذه علامة على أن العمل لم ينبثق من إلهام حقيقي.
المحاور: أظن أن زوجتك قدّمت بعض المساعدة لك، الجانب النفسي.
موراڤيا: لا، أبدًا. بالنسبة للجانب النفسي لشخصياتي، وبالنسبة لكل جانب آخر من العمل، أعتمد كليًّا على خبرتي، أُدرِك، أشعر، لكن لا يكون هذا مطلقًا بطبيعة فيلم وثائقي أو كتاب دراسي. التقيت بسيدة رومانيّة تدعى أدريانا، بعد عشر سنوات كتبت رواية أعطت هي دافعها المبدئي، وعلى الأرجح لم تقرأ السيدةُ الرواية أبدًا. رأيتها مرة فحسب، تخيّلت كل شيء، اخترعت كل شيء..
المحاور: فنتازيا في ثيمة واقعيّة؟
موراڤيا: لا تخلط الخيال بالفنتازيا، إنهما نشاطان عقليان مستقلان. بينيدتو كروز قام بتمييز عظيم بينهما في بعض أفضل أوراقه. كل فنان يجب أن يمتلك خيالًا، بعض الفنانين يمتلكون الفنتازيا. الخيال العلمي، مثلًا أريوستو؛ فنتازيا. أما الخيال، فخذ مدام بوڤاري. فلوبير لديه خيال عظيم، لكن بالتأكيد
لا يوجد فيه فنتازيا.
المحاور: إنه لأمر يدعو إلى الاهتمام أن أكثر شخصيّاتك المحبوبة من النساء دائمًا، مثلًا في: «امرأة من روما»، «خيانة زوجة – La Provinciale»، «امرأة من المكسيك – La Messicana»..
موراڤيا: هذه ليست حقيقة. بعضها قد كانوا رجالًا أو أولادًا، مثل ميشيل في"اللامبالون.”، أو أوغستينو في «أوغستينو – Agostino»[5]، أو لوكا في الواقع
أود أن أقول أن غالبية أبطالي محبوبون.
المحاور: مارسيلو كليرتشي أيضًا؟ (لملتزم)
موراڤيا: نعم، كليرتشي أيضًا. ألا تعتقد أنه كذلك؟
المحاور: ليس كما في رواية پراتوليني «بطل من هذا الزمان – Eroe del أنت لا تعني أنك تشعر حقًا تجاهه ببعض الإعجاب.

موراڤيا: إعجاب؟ لا، إنما شفقة. إن شخصيته يُرثى لها، يُرثى له لأنه ضحية الظروف، يضلّله الزمن، مُضلّل. لكنّه لم يكن سلبيًّا بالتأكيد. وهنا نحن أقرب إلى الفكرة، ليس لدي شخصيّات سلبيّة، لا أعتقد أن من الممكن أن تكتب رواية جيّدة حول شخصيّة سلبيّة. مع هذا، بالنسبة لبعض شخصيّاتي، قد شعرت تجاهها بالإعجاب!
المحاور: تجاه أدريانا؟
موراڤيا: نعم، تجاه أدريانا، بالتأكيد تجاه أدريانا.
المحاور: العمل من  ملاحظات أو خط أو خطّة، أو أي شيء، لا بد من أنك تقوم بالعديد من المراجعات.
موراڤيا: آه، نعم، أقوم بهذا. كل كتاب يتم العمل عليه مرّات عدّة. أفضّل أن أقارن طريقتي برسّامي القرون الماضية، طريقة مستمرة، كما كانت، من طبقة لأخرى. المسودة الأولى خام خالص، بعيدة جدًا عن الإتقان، بالتأكيد ليست منتهية، مع هذا، حتى حينها في تلك المرحلة، لها تركيبتها النهائية، شكلها مرئي. بعدها أعيد الكتابة مرارًا، أضع طبقاتٍ عدّة، إذا ما شعرت بضرورة هذا.
المحاور: كم عدد المرات الذي تتخذه قاعدة؟
موراڤيا: حسنًا، «امرأة من روما»، كُتبت مرتين، ثم راجعتها مرةً ثالثة، بعناية شديدة، بالتفصيل، حتى وصلت بها إلى ما أريده لها، حتى شعرت بالرضا.
المحاور: إذاً مسودتان ثم مراجعة أخيرة، لتصحيح تفاصيل المخطوطة الثانية، هل هي كذلك؟
موراڤيا: نعم.
المحاور: وغالبًا هذه هي مسودّتان؟
موراڤيا: نعم. لقد كانت ثلاث مرات مع «الملتزم» أيضًا.
 المحاور:من الذي تعــدُّه مؤثراً
 فيك؟ على سبيل المثال عندما كتبت «زمن اللامبالاة»؟
موراڤيا: من الصعب قول هذا، ربّما في ما يخص
 التقنيات السردية، دوستويفسكي وجويس.
المحاور: جويس؟
موراڤيا: في الحقيقة، لا. دعني أوضّح، تأثرت بجويس فقط للدرجة التي تعلمت منه استخدام عنصر الوقت المرتبط بالحدث. ومن ديستويفسكي فهم تعقيدات الرواية الدراميّة، «الجريمة والعقاب"أثارت لديَّ اهتمامًا عظيمًا كتقنيّة.
المحاور: وماذا عن تفضيلات أخرى، تأثّرات أخرى؟ هل تشعر مثلاً أن
واقعيّتك نشأت من الفرنسيين؟
موراڤيا: لا، لن أقول بمثل هذا. إذا ما وُجِد اقتباس مُماثل، فإنني غير مُدرك له إطلاقًا. أعتبر أن طلائعي الأدبيّة، كموزاني، ديستويفسكي، وجويس. بالنسبة للفرنسيين، أُفضِّل في المقام الأول، كتّاب القرن الثامن عشر؛ ڤولتير، ديدروت، ثم ستندال، بلزاك وموبسان.
المحاور: فلوبير؟
موراڤيا: ليس على وجه التحديد.
المحاور: زولا؟
موراڤيا: إطلاقًا! لدي صداع يشطر الرأس. أعتذر، أرغب المزيد من القهوة. هل تريد بعضها؟ أين كنت؟
المحاور: لا يُعجبك زولا. هل تقرأ لأي من الشعراء؟
موراڤيا: أفضّل رامبو وبودلير كثيرًا، وبعض الحداثيين ممن هم مثل بودلير.
المحاور: وفي الإنجليزيّة؟
موراڤيا: أفضّل شكسبير، لا بد من أن كل شخص يقول هذا، لكنها الحقيقة، إنها ضرورة. يعجبني دكنز وبو، قبل سنوات عديدة حاولت ترجمة بعض قصائد جون دون. أفضل الروائيين، بوتلر، له رواية جميلة. ومن المتأخرين، توماس هاردي، جوزيف كونراد – أعتقد أنه كاتب عظيم-، وبعض من ستيفنسون، وشيء من فرجيينا وولف. دكنز جيّد فقط في «مذكرات بيكويك – Pickwick Papers»، أما البقيّة فلا. (كتابي القادم سيشبهه قليلًا، لا حكبة.) لقد فضّلت طويلًا الكتب الكوميديّة على التراجيديّة. طموحي الأعظم أن أكتب كتابًا مضحكًا، لكن كما تعرف، إنه العمل الأصعب على الإطلاق. كم موجود من هذه الكتب؟ كم يمكن أن تسمّي؟ ليس الكثير: «دون كيخوت»، رابليه، «أوراق بيكويك»، «الحمار الذهبي – The Golden Ass»، «سونيتات"لبيلي، «النفوس الميّتة – Dead Souls"لغوغول، بوكاتشيو و «ساتيركون – Satyricon»، هذه كتبي المثالية. سأبذل كل ما لدي لأكتب كتابًا مثل «غارغنتوا -Gargantua». (يبتسم). تعليمي الأدبي، كما سترى الآن، أغلبه كلاسيكي، النثر الكلاسيكي والدراما الكلاسيكيّة. الواقعيون والطبيعيون، حتى أكون صريحًا تمامًا، لم يثيروا اهتمامي كثيرًا.
لا أعتقد أن من الممكن أن تكتب رواية جيّدة حول شخصيّة سلبيّة؟
.المحاور: لقد أثاروا اهتمام الكتاب الشباب الذين ظهروا منذ الحرب، كما يبدو، ولهم تأثير معتبر عليهم،خاصةً الأمريكيين، يبدو أن لهم التأثير، همنغواي، شتاينبك، دوس باسوس..
موراڤيا: نعم، هذا صحيح إلى حدٍ ما، استنادًا إلى ما أعرفه من الكتابة الإيطاليّة قبل الحرب. لكن التأثير لم يكن مباشرًا؛ تم تصفيته عبر ڤيتروني، لقد كان ڤيتروني الأعظم تأثيرًا على الجيل الشاب من الكتاب الإيطاليين. التأثير أمريكي، بالضبط كما قلت، لكنه أمريكي على طريقة ڤيتروني. لقد حكّمت مرة في منافسة تقيمها جريدة"L’Unita"لمنح جوائز الأدب القصصي. من خمسين مخطوطة قُدّمت، أكثر من النصف كان بواسطة كتّاب شباب متأثرين بڤيتروني. ڤيتروني والنثر"الشعري"الذي يمكنك أن تجده لدى همنغواي في مواضع، ولدى فولكنر.
المحاور: حتى الآن، بتحريرك في مجلة"Nuovi Argomenti”، لابد من أنك ترى قدرًا عظيمًا من الكتابة الجديدة.
موراڤيا: كم أتمنى أنني رأيت! الكتاب الإيطاليون كسالى. إجمالًا، أتلقى القليل جدًا. خذ مثلًا حين ندوتنا عن الفن الشيوعي، لقد وُعدنا بخمسة وعشرين مساهمة قيّمة. وكم تحصّلنا عليه؟ تخيّل، ثلاثة! إن إدارة دورية لعمل شاق جدًا في إيطاليا. الذي تحتاجه ولا تحصل عليه، المقالات الأدبية والسياسيّة الطويلة، بطول عشرين إلى ثلاثين صفحة. نتلقى العديد من المقالات الساخرة، بطول أربع وخمس صفحات، وهذا بالذات ليس ما نبحث عنه.
المحاور: لكنني عنيت الأدب القصصي، في تحرير مجلة
"”Nuovi Argomenti“
، لا بد من أنك تعرف حول الأدب القصصي الإيطالي الحديث أكثر مما تقرُّ به.
موراڤيا: لا، أقولها بصدقٍ بالغ، أعرف فقط هؤلاء الكتاب ممّن يعرفهم الجميع. كما أنه ليس عليك أن تقرأ كل شيء لتعرف ما يعجبك. أفضّل ألا
أسمّي أحدًا، سيكون هنالك فجوات وهفوات مريعة.
 
ملاحظة المترجمة

نشرت هذه المقابلة في مجلة «ذا باريس ريڤيو»، صيف 1954م. مفردة"روماني"تُشير في هذه المقابلة إلى المنتمي إلى العاصمة الإيطالية روما، لا الإمبراطوريّة الرومانية. أود أن أُشير إلى أنني اعتمدت على عناوين الترجمة العربيّة للأعمال الواردة في المقابلة، إلا ما لم يُترجم وأشرت إلى ذلك.

[5] تُرجم العمل إلى العربية بعنوان: «غسطينو، مأساة المراهقة"من قِبل المترجم جورج مصروعة وعن دار نشر المكشوف، عام 1963م. ثم تُرجم عام 1973م. ضمن سلسلة الكتاب الذهبي الصادر عن مؤسسة روز اليوسف، في كتاب بعنوان «المراهقان"تضمّنها بالإضافة إلى «العصيان»، تمت الترجمة بوساطة المترجم زغلول فهمي.
عن اخبار الادب