حافظ جميل..في مداعباته الاخوانية

حافظ جميل..في مداعباته الاخوانية

سالم الالوسي
مؤرخ راحل
لقد انتابتني حيرة عندما طلب مني الصديق الاعز رفعة عبد الرزاق الطائي ان اتحدث عن شاعرنا الكبيرحافظ جميل، فما عساني ان اقول وهو المحيط الزاخر في ابداعاته وابتكاراته في ميادين الشعر، فشاعريته لا تحدها حدود، وقد حاز شعره قصب السبق في غالبية ابوابه واغراضه، فمن نسيب وغزل، الى وصف وتصوير، الى نقد ورثاء، الى حماية وفخر، الى خمريات، الى صوفيات، الى اخلاق مواعظ وحكم.


ثم التمعت ببالي خاطرة، وهي ان الكثيرين من الادباء والنقاد – من العراقيين والعرب – من الذين عكفوا على شعر حافظ جميل وشاعريته دراسة وتحليلا، قد تناولوا هذه الاغراض، فماذا لا اتناول جانبا من شعره، لا اقول انه قد خفي، بل تعذر على الكثيرين الوقوف عليه او سماعه حتى من اقرب المقربين الى شاعرنا الكبير، وهو جانب جدير بالتأمل والدراسة، يتجسد ف مداعباته الاخوانية التي كان يطرفنا بشذرات منها بين الاونة والاخرى، ويستشهد ببعضها بين الحين والآخر، خلال لقاءات اخوانية وجلسات طوال استغرقت سنوات من صداقتنا ومجالستنا له ونحمد الله ونشكره على ما انعمه علينا من شعور واحساس باهمية هذا الجانب من شعر حافظ جميل، فكنا نلتقط الابيات التقاطا وندون بعضها كلما سنحت لنا فرصة، فظفرنا نتيجة ذلك بصيد ثمين، وبهذه المناسبة رأينا جمعها وتبويبها ثم عرضناها على صديقنا الشاعر الكبير لاجازتها، وضبط سياق الابيات وترتيبها ، وكادت الدهشة تعقد لسانه لهذا العمل، وقد غمرته فرحة لا توصف وهو يقول: هذا عمل جليل وان كان غير متكامل، فهذا كل ما اختزنته الذاكرة الضعيفة:
يا له من تواضع جم، نعم، حافظ جميل يصف ذاكرته بالضعيفة، وهو هنا يخالف الحقيقة فالمعروف عن حافظ جميل صفاء الذهن وحدة الذكاء وموهبة خارقة في الحفظ وقوة الذاكرة، ولكنه تواضع العلماء والنوابغ.
***
من يتصد الى تدوين جانب من جوانب شخصية الشاعر الكبير حافظ جميل، وهو جانب الظرف والفكاهة في شعره، يجد نفسه امام صورتين: الاولى تلك التي تمثل شخصيته الجدية الرصينة التي يغلب عليها طابع الجد والصرامة، وهي ميزة لمسها ويلمسها كل من شاهد (حافظا) يلقي شعرا، او يتحدث من خلال (التلفاز)، او في المناسبات العامة والحفلات.
اما الصورة الثانية، فهي نقيض الاولى التي تكاد تبدو وكأنها مصطنعة وغريبة عنه. فالمرح وخفة الروح والظرف هي الخطوط المميزة لهذه الصورة الحقيقية لشاعرنا الظريف الذي تزينه بشاشة الوجه وذلاقة اللسان عند روايته اللطائف واطلاقه للنكات.
وهذه الصورة الحافظية المرحة ليست خافية على كل من عرف شاعرنا الكبير او اتصل به من اصدقائه ومحبيه وعارفي فضله، او من حضر مجلسا من مجالسه فالمرح والبشاشة واللطف صفات ملازمة له على الدوام. يضاف الى هذا ان شاعرنا يحظى بشعبية واسعة في ارجاء الوطن العربي، فشعره يتردد على كل لسان، وبخاصة في لبنان وذلك لكثرة تردده على هذا القطر العربي الخلاب حيث يطيب له المقام مصطافا في ربوعه كل عام، وقد عاش اخصب فترات حياته شبابا وعافية وصداقة وحبا في جوه الطلق الممراح وفي طبيعته الساحرة الفاتنة، فكان لذلك الاثر الكبير في نبوغه الشعري، وحافظ يعترف بهذا التأثير فهو يقول:
ومستوحين من (لبنان) شعرا
ومن اهليه آذابا وظرفا

ولا غرو فشعر المرء وهو بعض شعوره يتكيف تبعا لزمنه وبيئته وظروف عيشه، وبواكير عهد الشباب، وتطلعاته تحبب للناشئة ممارسة النظم في كل لون، وفي ذلك تجربة وامتحان لقابلياتهم وصقل مواهبهم، ولشعر الاخوانيات القدم المعلى في هذا الميدان.
وقد آن الاوان لنقدم لكم بعض النماذج من مداعباته الاخوانية التي نظمها في فترة الشباب وعهد الفتوة، يوم كان طالبا في الجامعة الامريكية في بيروت، وهي فترة طبعت شخصية حافظ جميل بالمرح والفكاهة، وقد اتاح له عهد التلمذة في الجامعة ان يلتقي بعدد من الشعراء الشباب، فكانوا يتطارحون الشعر ويتبادلون الطرائف والنكات، وكما يقول الصحفي الاستاذ خالد الدرة عند تقديمه ديوان الشاعر حافظ جميل "نبض الوجدان" "كانت هوايته المحببة من صباه حتى رافقته اثناء الدراسة في الجامعة الامريكية ببيروت، وقد استطاع ان يجذب اليه اقرانه من شعراء الجامعة فشاركوه في هذا النوع من الشعر، ونظموا ديوانا كاملا سموه "المشترك" اشترك في نظمه مع حافظ جميل الشاعر الفلسطيني المرحوم ابراهيم طوقان والشاعر السوري الدكتور وجيه البارودي . وكان حافظ جميل ابرز وجه في هذا الثالوث الشعري الفكه.
مع "زميل"
يوم كان الاستاذ حافظ جميل طالبا في الجامعة الامريكية ببيروت، تأسست عام 1928 جمعية الفكاهة او The Humer Society ، كان يرأسها احد زملائه وكانت تربطه بشاعرنا الكبير الاستاذ حافظ جميل علاقات متينة، وتجمع بينهما صداقة اخوية حميمة. وقد جرت العادة في تلك الجامعة ان تقام حفلات متنوعة بمناسبة فصل الربيع، وكان من المقرر ان تقيم جمعية الفكاهة هذه ، حفلة هزلية فكاهية ترفيهية يلقي فيها الاستاذ حافظ احدى قصائده، فشغل الاستاذ حافظ عن ذلك لاسباب، ولما ادرك الوقت حاول ان يتملص عن التزامه بمختلف الاعذار والتعلات فكان زميله يلاحقه ملاحقة شديدة اتسمت بالالحاح، وازاء كل ذلك، قرر الاستاذ حافظ ان يختفي في احدى مقاهي بيروت غير المعروفة لدى زملائه، وجلس هناك متحاشيا تلك الملاحقات.
فما هي لحظات واذا بالزميل يقف منتصبا فوق رأس حافظ قائلاً: اين المفر يا حافظ؟ اجلس حافظ زميله الى جانبه وقال له:
يا أخي، هل توافقني على نظم قصيدة اصفك فيها واصف نظاراتك الجديدة واتغزل بك، فما رأيك؟ فاجابه الزميل تجعلني جد ممنون وشاكرا فضلك، لاسيما وقد قرب موعد الحفلة اليوم عصرا عندها شرع حافظ ينظم القصيدة وقبل موعد الحفلة بساعة قرأها على زميله الذي اعجب بها والح على حافظ ان يلقيها بتمامها دون ان يحذف منها كلمة واحدة.
****
يا حسنها من منظرات
فوق العيون الجاحظات
يحكي غليظ اطارها
عجلات هوج المركبات
ويشف سطح زجاجها
عن اعين متحجرات
قامت على أنف تبطح
بين (دجلة) و(الفرات)
فكأنها من فوقه جسر يطل على قناة
او عقربان تلاقيا فوق الكهوف المظمات

بطاطة قشوع:
في صيف عام 1966 اصطاف حافظ جميل في مصيف عين السيدة في لبنان، وحل في فندق قشوع، المنسوب الى اسم صاحب الفندق، وقد اشتهر قشوع بشدة بخله وتقتيره، وقد انعكس ذلك على ما كان يقدمه من وجبات الطعام الى نزلاء الفندق، اذ درج على تقديم البطاطة – لرخصها – ثلاث وجبات في الصبح والظهر والعشاء، فاستاء النزلاء ومنهم حافظ جميل من هذه المعاملة وهو المعروف ببذخه على مأكله ومشربه وراحته، فحذر (قشوع) عدة مرات بوجوب بذل العناية في طعام النزلاء، فلم تفد النصائح والتهديدات معه، فارسل حافظ اليه هذه الابيات طالبا اليه تقديم قائمة الحساب استعداداً لترك الفندق. وقد شاركه فيها الاستاذ الشاعر بديع الشبلي صاحب مجلة الورود.
تجرعنا البطاطا كل يوم
وظني ان ستقتلنا البطاطة
تقدمها لنا صبحا وظهرا
وما من مرة معها (زلاطة)
تعاف النفس منها كيف كانت
اخل كان فيها ام طماطة
ويخشاها السجين وليس يخشى
من السجان يشبعه سياطه
فيا قشوع انقذنا والا
تطوع جوعنا لك بالوساطة

طوا:
كان من بين زملاء الاستاذ حافظ جميل في الجامعة الامريكية، عام 1927، طالب عرف بالسذاجة وطيب القلب، اسمه جورج طوا، وقد داعبه كثيرون من زملائه بالمقالات اللاذعة والقصائد المرحة التي لم تترك اثرا مثلما تركته هذه المقطوعة والقصيدة الثانية التي عنوانها "لحية طوا" وكانت تقرأ علانية على الطلاب والاساتذة معاً:
كرموا الاستاذ طّوا كلما القنديل ضوا
انه خير غلام انجبته الام حوا
ان تعانقه تجده افعوانا يتلوى
واذا جرت عليه حرك الذيل وعوى
انفه خرطوم فيل صنعوه من مقوا
وله شيال قرن يبلغ الشمس علوا
يبهر الناس بكرش كلما مسوه هوا

الزحلاوي مقياس الوفاء:
تجمع بين الاستاذ فريد حبيب سفير الجمهورية اللبنانية الاسبق ببغداد وحافظ جميل علاقة ود حميم وصداقة اخوية متينة، وكان للاستاذ حبيب اثرا مشكورا في حث الحكومة اللبنانية على الاسراع يمنح الاستاذ الشاعر حافظ جميل وسام الارز. وذات مرة كان الحديث بين الصديقين يدول حول محاسن الخمرة اللبنانية المعروفة بـ(الزحلاوية) وهي المفضلة والاثيرة عند حافظ. وكان الاستاذ فريد حبيب على سفر قريب الى لبنان لامور تتعلق بمهمته، فسأل الاستاذ حافظ ان يطلب ما يشاء من لبنان ليأتي له به عند عودته الى بغداد، فاجابه الاستاذ حافظ لاشيء اطلب الا ان تذهب غانما وتعود سالما ان شاء الله.
ولكن الاستاذ حبيب وعده بهدية نفيسة من قوارير الزحلاوي فضحك حافظ شاكراً ومنتظراً، وعاد الاستاذ حبيب الى بغداد من سفره وبقي الاستاذ حافظ على احر من الجمر، وكأنما اراد الاستاذ حبيب امتحان صبر شاعرنا الذي يقول:
واني على ترك الطعام لقادر
ولست على ترك المدام بذي صبر
ثم هتف الهاتف مبشرا حافظ بوصول الهدية اللبنانية فارسل الاستاذ حافظ رسالة شكر فيها صديقه على كرمه ضمنها هذه الابيات:

اعظم به صادق ميعاد
سفير لبنان ببغداد
قالوا فريد قلت في جوده
يستقبل الرائح والغاد
قالوا حبيب قلت احبب به
في بيته المملوء بالزاد

قال الاستاذ فريد حبيب اشكر شعوركم يا اخ حافظ في هذه الابيات، ولكن ما الحال لو كان العكس؟ ولم تصلك الهدية؟ اجابه حافظ على الفور: اعكس المعاني الى اضدادها، فاجعل الصادق كاذبا والجود بخلا والرائح الجائع والغادي الصادي والمملوء خاليا وهكذا فاجابه الاستاذ فريد حبيب: دفع الله ما كان اعظم، وضحكا.
ولشاعرنا الكبير حافظ واقعة مشابهة مع صديقه الاستاذ جميل عبد الوهاب سفير العراق السابق بلبنان، حينما بعث الاخير بهدية من الخمرة اللبنانية مكونة من عشر قنان من الرحيق المختوم بواسطة الصحفي الاديب الاستاذ خالد الدرة، غير ان ما وصل الى يد حافظ – او على الاصح الى ريقه – كان ثلاث قنان فقط، وتصرف الدرة بالباقي.
فعاتب حافظ جميل صديقه جميل عبد الوهاب بالابيات التالية وكان ذلك عام 1947:
دم الصديق:
عزيزي انت من خل عقوق
تجرأ يا جميل على حقوقي
الم تبعث بهن الي عشرا
مختومة بطغراء العقيق
فم لي لا اصيب سوى ثلاث
ضحاضح لا تكاد تبل ريقي
فهل لك ان تعززها بخمس
تعديني ولو نصف الطريق
أاشقى هكذا ابدا برزقي
وألقى الحيف حتى في الرحيق
رماني بابن درة سوء حظي
وأوقعني به في كل ضيق
فأف يا ابن درة منك اف
فما انا منك بعد بذي وثوق
اذا صبحت يومك دون خمر
شربت وما حفلت دم الصديق
ان الغالب على شعر حافظ جميل في مداعباته الاخوانية الاسلوب الوصفي، ولاعجب في ذلك، فهو يتاثر بابن الرومي كما تاثرت خمريات حافظ جميل بابي نؤاس لقد حاول حافظ يوم كان تلميذا ان ينظم في بعض النظريات العلمية شعرا ممزوجا بالفكاهة والنكتة فكان لذلك الاثر الكبير في حفظ الطلاب المعادلات الكيمياوية والنظريات الفيزياوية والرياضية، حتى اخذ الاساتذة والمدرسون يشكون في ان طلابهم يسلكون وسائل الغش، وذلك لتشابه اجوبتهم، وما ذلك الا لكونهم حفظوها شعراً.
ان حافظ جميل يجمع في شعره صفات الشاعر والمصور والرسام والمؤرخ والفيزياوي والنباتي والكيماوي والنطاسي البارع، فهو جامع لهذه المهارات بكل حدارة وثقة.
ختاما، استميح السامعين العذر لما قدمته من معلومات مقتضبة وهي في الواقع تصلح ان تكون نواة لدراسة اوسع واعمق عن شاعرنا الجميل.

من اوراقه الشخصية