هموم النورس الفضيّ..القصة القصيرة جداً

هموم النورس الفضيّ..القصة القصيرة جداً

محمد صابر عبيد
تنوّعت قصص ((هموم النورس الفضيّ)) بين نوعين من أنواع التشكيل القصصيّ المعروفة والمتداولة، هما القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً التي تذهب باتجاه أعلى درجات الاختزال والتكثيف والتركيز في اللغة والصورة والمشهد واللقطة والرؤية والمقولة، على نحو يحيل على قوة حضور القصة القصيرة جداً في المشهد القصصيّ العربي المعاصر ضمن ضرورات سردية نوعية جمالية، تعكس طبيعة اهتمام القصاصين بنوع قصصيّ يتلاءم مع طبيعة العصر.


يمكن إدراج قصة (الطريق الصحراويّة 234) على صعيد النوع القصصيّ في سياق (القصة القصيرة جداً)، بسبب طبيعة الفضاء السرديّ الموجز والمختصر والمركّز والمؤتلف ضمن صياغة سردية تقوم على التكثيف وحصر الصورة المشهدية القصصية في حيّز مكانيّ محدود للغاية، وقد نهض الراوي الذاتيّ المصوّر بدور بارز في غلق المنافذ السردية الممكنة التي يمكن أن تفتح فضاء القصة على مساحات مجاورة، إذ ظلّت القصة بمشهديتها السردية الملتئمة على ذاتها والمتكتفية بذاتها مسجونة في دائرة المقولة المركزية المختفية في بؤرة (المقبرة الجماعية)، بما تحمله من شيوع إعلاميّ ثقافيّ واجتماعيّ في منطقة القراءة والتلقّي.
تخضع قصة (الطريق الصحراويّة 234) لكاميرا الراوي الراصد وهي تتسلّط على المشهد القصصيّ لتصّوره بدقة متناهية، تصوير للمكان والزمن والحدث والأشياء، فالمشهد القصصيّ وهو يسعى إلى أن يؤرّخ للمقابر الجماعية يضع عتبة العنونة (الطريق الصحراويّة 234) دليلاً بالرقم (234) على مرجعية واقعية، وثمّة دلالة سيميائية تتلاءم مع محتوى المروي في إسميّة العنونة وخبريتها الموصوفة (الطريق/الصحراويّة)، في سياق توكيديّ واضح على حساسية المشهد وأرضيته المكانية المساعدة، الكاميرا الراوية الساردة الواصفة المصوّرة تندفع باتجاه الإحاطة بالصورة في تمثيلها السرديّ الخارجيّ والداخليّ معاً، مع أنّ انشغالها بالخارجيّ في تصوير الأشياء والأبعاد السردية الحاوية لعناصر التشكيل المشهديّ كان هو الميهمن، أكثر من التوغل في أعماق الشخصيات المقبلة على موت جماعيّ محقّق في ما يشبه حفلاً للفناء والمحو.
وتنتظم قصة (الملاذ الآمن) في سلسلة القصص القصيرة جداً التي تنطوي عليها هذه المجموعة القصصية، وتعتمد في تشكيلها السرديّ منذ عتبة العنوان على حضور الصورة المكانية الموصوفة بصفة محدّدة دالّة، فالمكان الخبريّ (الملاذ) بما يحيل عليه من تمنيات للخلاص من ملاحقة تضغط على حضور الشخصية على نحو يقودها نحو البحث عن ملاذ، وربّما تأتي الصفة الملازمة للخبر (الآمن) توكيداً لحلم الخلاص من الخطر المفترض. وهذه القصة تخضع لهيمنة الراوي كلّي العلم وهو يستخدم كاميرا تصويرية واصفة للحدث، في حين يتمركز الحدث حول ثيمة تتكرّر في معظم قصص المجموعة، وتتمثّل في وجود قوّة عسكرية غاشمة تحتكرها الدولة عادة كي تضطهد بها شعبها لأسباب مختلفة، وغالباً ما تتمّ الإحالة في ذلك على مجتمعات الأقلّيات في ظلّ حكم الأكثرية، وهي ثيمة لا يمكن لكتّاب الأقلية تفاديها مهما تحصّنوا بثقافة ديمقراطية عالية، إذ انّ الصوت الإنسانيّ المدافع عن حقّ الشعوب في الحياة يكون عادةً هو الأعلى والأكثر حضوراً وبروزاً في المدوّنة الإبداعية عموماً، وهو ما يفسر استغراق نوري بطرس في موضوعات قصصية متشابهة تتمركز حول هذه الثيمة.
القصة المعنونة بـ (رحلة نحو المجهول) تنتمي أيضاً إلى نوع القصة القصيرة جداً، وتنفتح على أجواء كابوسية لا تختلف كثيراً عن القصص الأخرى، وربما تفسّر عتبة العنوان الكثير مما يحتويه المتن النصيّ، فالجملة الخبرية مكوّنة من دالّ (رحلة) المنفتح على معنى السفر الحرّ في الأشياء، غير أنّ شبه الجملة الظرفية (نحو المجهول) تحيل على مساحة تعبيرية تجعل دلالة (رحلة) تنطوي على قدر من المأساوية والمغامرة والتحدّي. الراوي السرديّ العارف في هذه القصة تبدّى على نحو مزدوج بين ذات الشخصية القصصية الوحيدة، وبين نظير مصاحب له ومحاور له أشبه ما يكون بـ (القرين)، يصوّر تجلّيات الشخصية وتموّجاتها وتمثّلاتها وأجوائها الحلمية أو الوهمية بطريقة ترتبط بالمكان ارتباطاً جدلياً. وإذا كان فضاء الغموض والتداخل والتصاهر السرديّ يهيمن على جوّ السرد في القصة، انطلاقاّ من حلول عتبة العنوان في طبقات المتن السرديّ، فإنّ حساسية التشكيل اللفظيّ للغة القصصية التي أدارت الحراك السرديّ فيها اتجهت نحو التكرار ومحدودية الزمان والمكان، على نحو يتلاءم مع النوع القصصيّ الموسوم بالقصة القصيرة جداً، مع أنّ التكرار والضغط على حضور دوال بعينها أكثر من اللازم يخلّ نسبياً بقوّة الدالّ القصصيّ في إنتاج الدلالة السردية، وينبغي في هذه الحال استثمار طاقة الدوال بأعلى كفاءتها من أجل حيّز لفظيّ أقلّ لأكبر مساحة تدليل ممكنة، تحفّز مجتمع التلقّي على تفعيل طاقة القراءة التأويلية بشكل أوسع وأعمق.
في قصة (نافذةٌ في المنزل) القصيرة جداً يباشر القاصّ تجربته الحكائية في الأجواء نفسها التي حفلت بها الكثير من قصص المجموعة، ثمّة أرض هي أرض الأجداد محكومة بالاحتلال والقهر والموت على يد محتلّين تتنوّع هوياتهم وأشكالهم، سلطة أكثرية تتجّه نحو مواقع الأقلّية المحدودة لتحرمهم من حقهم في العيش والحياة، وإذا كانت (نافذةٌ في المنزل) هي عتبة عنوان تشير إلى كوّة بصرية صالحة للمشاهدة والإطلالة على حياة كاملة من زاوية ضيّقة، فإنّ المكان المحاصر في مدينة (حكاري) الكردية التركية التي يحوّلها الجندرمة إلى سبيّة هي نفسها تطلّ على سهول نينوى كي تمتدّ نحو الأمكنة الأليفة، التي يتكثّف فيها الحلم السرديّ وتتكرّس فيها المقولة السردية على النحو الذي يستجيب لرؤيا الراوي.
لغة القصة وصورها ظلّت رهينة قاموس لفظيّ مشترك مُعاد يقلّل على نحو ما من زخم الحضور السرديّ الخصب في القصة، فثمة الكثير من المفردات والصياغات التي لها علاقة بالمكان والطبيعة والقهر والحروب والاضطهاد والمصادرة والرصاص والموت والتشرّد والضياع والغموض تهيمن على العقل القصصيّ عند القاص، وتحرّضه على تكرارها بطريقة تجعل من هذه القصص وكأنّها قصة واحدة بتنويعات سردية بسيطة، فعلى الرغم من أنّ تجربة إشكالية الأكثرية والأقلية هي تجرة قاسية ومرّة ومؤثّرة كثيراً على المعطى السرديّ لمبدعي الأقلّيات، إلا أنّ المرونة التعبيرية واجبة بقوّة من أجل تلاحم الفنيّ الجماليّ مع الموضوعيّ الموضوعاتيّ.
تقترب قصة (الأسلاك الشائكة) كثيراً على مستوى التشكيل القصصيّ، وعلى مستوى بناء الشخصية القصصية، وعلى مستوى أسلوبية التعبير اللغويّ السرديّ والصنعة القصصية، كثيراً من طبيعة القصص السابقة وكيفية تشييد رؤيتها وإقامة صرح فضائها السرديّ، وتتميّز بإيقاع سرديّ بطيء أو هادئ يتناسب والمقولة القصصية المركزية الضاغطة التي يسعى القاص إلى التركيز عليها، في كون الشخصية تتعرّض للقهر والاضطهاد والتنكيل بوسائط تعذيب مختلفة تتنوّع عند القاصّ بين قصة وأخرى. هذه القصة بدلالة عتبة عنوانها (الأسلاك الشائكة) تمعن في رسم صورة الحصار على الشخصية، وهي تحاول التشبّث بالأرض بوصفها وسيلة الحفاظ على الهوية في خضمّ معركة ثقافية واجتماعية يسعى فيها طرف الأكثرية المهيمنة إلى تغيير خارطة المكان وتذويب هوية الشخصية، ومن هنا يأتي التأكيد في مجمل قصص المجموعة على التمسّك بالأرض، والإحالة على المرجعيات الثابتة للمكان والرؤية والموروث الشعبيّ، أملاّ في الإبقاء على صورة الهوية ماثلة في وجه الشخصية من جهة، وفي طريقة التعبير عن الأشياء بوساطة المقولة الجوهرية التي تتمثّلها القصص جميعاً، وهنا تكون فكرة الأسلاك الشائكة وسيلة من وسائل العزل والإبعاد والتهجير القسريّ التي تمارسها السلطات ضدّ شعب الأقلية.
تمضي قصة (مدينة الأجداد) في السياق السرديّ نفسه من حيث إخضاع الزمن والمكان والرؤية القصصية لحساسية ثقافية ضاغطة تذهب باتجاه العودة إلى الجذور، فالعنونة القصصية ذات طبيعة مكانية (مدينة) مرجعية (الأجداد) تجعل من عتبة العنوان ثريّا دالّة، تحيل دائماً على المحتوى السرديّ للمتن القصصيّ، ومن ثمّ يتم عرض الحادثة القصصية ضمن إطار لا يبتعد كثيراً عن أطر القصص الأخرى في المجموعة، وتنتهي نهاية مقاربة من حيث الفروض السردية وبراهينها وما تؤول إليه من مقولات ذات نفس واحد ورؤية واحدة.
قصة (مسافر نحو النور) تتجّه نحو استثمار الممكنات الصوتية السردية لتشكيل الرؤية القصصية، فالعنونة القصصية تحيل على فضاء إيمانيّ تتجلّى فيه الحساسية السردية داخل كيان ذاتيّ يتنكّبه الراوي للوصول بالشخصية إلى مرتبة التحوّل من الحياد إلى الإيمان، إذ تتركّز المقولة السردية في فضاء يستغرق عميقاً في ذاتيته المفردة الموحّدة من أجل استظهار معاناتها في هذا السبيل، ولعلّ ثريّا العنونة تبقى ماثلة في بنيات التشكيل المتنيّ من البداية حتى النهاية، وكأنّ القصة تحكي مسافة سفر الشخصية نحو النور/الكنيسة، حين وجدت الشخصية نفسها في نهاية القصة بين جموع المصلين وقد بلغ النور الإيمانيّ أوجَهُ.