مع كتاب نوبل      لـ حسين عيد.. يرصد حوارات نادرة مع أقطاب الكتابة الأدبية في العالم

مع كتاب نوبل لـ حسين عيد.. يرصد حوارات نادرة مع أقطاب الكتابة الأدبية في العالم

عرض: محسن حسن
كتاب "مع كتاب نوبل .. حوارات نادرة " لمؤلفه المصري "حسين عيد" صادرعن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، في اربعمائة وسبع صفحات من القطع المتوسط ، وهو كتاب استهدف فيه مؤلفه البحث عن إجابة شافية لسؤال هو " هل الكتابة موهبة أو دأب واستمرار؟"، وذلك من خلال حوارات نادرة مع مجموعة من كتاب "نوبل" بدءاً من "وليم فوكنر" وانتهاء بـ "أورهان باموق"؛ حيث تكتسب هذه الحوارات أهميتها ، لأنها تحدد آليات الكتابة الناجحة،

ودور المؤثرات الخارجية المضافة إلى الموهبة لدى ثلاثة وعشرين أديباً يعون أهمية الكتابة بالنسبة لهم ، كما تضيء هذه الحوارات من زاوية ثانية أهم العناصر التي لعبت دوراً مهماً في نشأة هؤلاء الكتاب ، مثل : الموسيقى والحكايات، والقراءات المتنوعة خصوصاً الشعر بالنسبة للروائيين، والرواية بالنسبة للشعراء، وكيف أن كليهما يؤثر في الآخر ويتأثر به.

أقسام وحوارات
تضمن الكتاب ثلاثة وعشرين حواراً ، توزعت على ثلاثة أقسام : يحتوي القسم الأول منها على ستة فصول ، يتكون كل منها من حوار واحد لستة كتاب ، هم : الأمريكي وليم فوكنر " نوبل 1949" ، والأمريكي آرنست همنجواى " نوبل 1954 والنيجيري وول سونيكا " نوبل 1986 " ، والأمريكية توني موريسون " نوبل 1993 " ، والياباني كينزا بورو أوى " نوبل 1994 "، والإنجليزي هارولد بينتر " نوبل 2005 " ، وحوار آخر سابع مشترك لاثنين من الكتاب ، هما الألماني جونتر جراس " نوبل 1999 " ، والمجري إمره كيرتس " نوبل 2002 " . ويتضمن القسم الثاني خمسة فصول يحتوي كل فصل منها على حوارين لخمسة من الكتاب ، هم الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز " نوبل 1982 " ، التريندادي ديريك والكوت " نوبل 1992 " ، والصيني جاو زينجيان " نوبل 2000" ، الجنوب إفريقي ج.م.كويتزي " نوبل 2003 " ، والنمساوية آلفريدا يلنيك " نوبل 2004 " . بينما يتضمن القسم الثالث من الكتاب فصلين ، يحتوي كل فصل منهما على ثلاثة حوارات للبرتغالي خوسيه ساراماجو " نوبل 1998 " ، وثلاثة حوارات أخرى مع التركي أورهان باموق " نوبل 2006 ".
سمات وملامح
وقد أبرزت حوارات الكتاب أهم السمات والملامح التي يتمتع بها أولئك الكتاب ؛ فمن اللافت للنظر أن بعضهم يمارس ألواناً مختلفة من الأدب ، فمنهم من امتلك ناصية الرواية بشكل رئيسي ، وإن مارس القصة القصيرة إلى جانبها ، وخير مثال على ذلك هو وليم فوكنر وهمنجواى ، وماركيز ، وكينزا بورو أوى ، ومنهم من نال شهرته لكتابة الشعر أساساً لكنه يكتب للمسرح أيضاً مثل ديريك والكوت ، ومنهم من اشتهر بكتاباته المسرحية إضافة إلى الشعر والرواية مثل وول سونيكا ، وهناك من كتب الرواية والمسرحية مثل جونت جراس وجاو زينجيان ، ومنهم من امتلك ناصية الرسم أيضاً مثل ديريك والكوت وجاو زينجيان ، كما أظهر الكتاب أن بعضاً من هؤلاء الكتاب كان له مشاركة فعالة في السياسة العالمية كناشطين سياسيين ، مثل البرتغالي ساراماجو ، والألماني جونتر جراس ، والنيجيري وول سونيكا .
عملية الكتابة
ومن خلال حوارات الكتاب يظهر جيداً للقارىء ذلك الوعي الذي يتمتع به أدباء نوبل بخصوص أهمية الكتابة بالنسبة لهم ؛ وهو ما عبر عنه همنجواى بقوله " ما إن تصبح الكتابة شاغلك الرئيسي وأعظم سرور لك ، فإن الموت وحده هو ما يمكن أن يوقفها". أما وليم فوكنر فإنه وضع ملمحاً للكتّاب الجيدين قائلاً " ليس لدى الكتاب الجيدين وقت ، كي ينشغلوا بنجاح أو غنى"، وكذلك حدد فوكنر مسؤولية الكاتب ومعادلة نجاحه قائلاً" تعتبر مسؤولية الكاتب الوحيدة تجاه فنه فقط ... تسع وتسعون في المائة موهبة، وتسع وتسعون في المائة نظام، وتسع وتسعون في المائة عمل".
عملية الإبداع
وبالإضافة لكلام أدباء نوبل عن عملية الكتابة وأهميتها ، فإنهم من خلال حواراتهم في الكتاب ، تناولوا عملية الإبداع؛ فمنهم من خاض في أدق تفاصيلها مثل توني موريسون عندما تحدثت تفصيلياً عن بعض شخصيات رواياتها . وديريك والكوت حين تغلغل في أعماق بعض قصائده ، بينما تطرق الآخرون إلى بعض أسرار عملية الإبداع الخفية حيث تطرق خوسيه ساراماجو إلى أحد الجوانب الخفية في إبداع رواية " كل الأسماء " حين اعتبر أخاه " شريكاً " في تأليفها ، كما كشف ديريك والكوت عن تأثير رواية " خريف البطريرك " لماركيز على إبداع قصيدة " مملكة تفاحة النجمة " ، حين اعترف في حواره بأنه " في كل مرة كنت أقدم قراءة القصيدة دائماً بهذه الكلمات : جاءت هذه القصيدة ، أو تطورت من قراءة رواية خريف البطريرك ، التي أذهلتني " ، في حين أوضح همنجواى أسلوب إبداعه بشكل عام حين قال " أحاول دائماً أن أكتب وفق مبدأ جبل الجليد ، يوجد هناك سبعة أثمان منه تحت الماء مقابل كل جزء يظهر . أي شيء تعرفه يمكن أن يحذف ، يقوّي جبل جليدك فقط " ، أما جارسيا ماركيز فكشف في حواره عن جانب غريب في عملية الإبداع ، هو قدرتها على شفاء الكاتب من بعض الأمراض ومنها " البثرات " .
عناصر النشأة
ومن ناحية أخرى ، فقد ألقت حوارات الكتاب الضوء على أهم العناصر التي لعبت دوراً مهماً في حياة ونشأة كتاب نوبل في الأدب ، ومنها مثلاً " الموسيقى " ، والتي كان لها دور مؤثر في طفولة " همنجواى " ، ذلك الدور الذي عبر عنه بقوله " لقد اعتدت أن أعزف على التشيلو ، بعد أن أبعدتني أمي عن المدرسة عاماً كاملاً كي أدرس موسيقى وفن مزج الألحان ، كانت تعتقد أنني أمتلك قدرة ، لكنني كنت بدون موهبة على الإطلاق " ، ونفس الحال مع ماركيز ، الذي سيطرت الموسيقى على حياته كلها لدرجة أنه قال " يكون البيت حيث تكون كتبك ، كما يقولون . لكن بالنسبة لي يكون البيت حيثما تكون تسجيلاتي ، إنني أمتلك ما يربو على خمسة آلاف منها " ، وبالإضافة لعنصر الموسيقى ، يأتي عنصر " الحكايات " مؤثراً في حياة هؤلاء ونشأتهم ؛ تقول توني موريسون " أشعر بارتباط بالأسلاف ، يدفعني إلى أن أتكلم ، يبرز الأسمى في ذهني حين أفكر بأن حياتي قد هيمن عليها بمعلومات عن نساء سود ، إنهن حاملات الثقافة ، وهن يحكين لنا ( كأطفال ) ما يجب أن نفعل ، لكن وفق شروط حكي القصة ، أتذكر ذلك كنشاط مشترك أكثر بين الرجال والنساء لزيجات جداتي ، ولأبي وأمي . كان حكي القصة نشاطاً مشتركاً بينهما ، تحضره كل الأجناس " . وتضيف الحوارات عنصراً مشتركاً بين كتاب القصة والرواية خصوصاً ، هذا العنصر هو بداياتهم بالشعر أولاً ، حيث يقول وليم فوكنر "إنني شاعر فاشل، ولعل كل روائي حاول أن يكتب الشعر أولاً "بينما يقول ماركيز "كانت خلفيتي الأدبية تكمن بشكل أساسي في الشعر، لكنه شعر سيئ، لأنه فقط عبر شعر سيئ يمكنك أن تتقدم إلى شعر جيد.
لحظة نضج
وكان مما طرحته حوارات الكتاب ، قضية البداية الحقيقية لهؤلاء الكتاب، أو بمعنى أدق " لحظة النضج " لديهم، والتي كما يؤكد الكاتب لا يلعب العمر فيها أي دور على الإطلاق ؛ حيث عبر جارسيا ماركيز عن لحظة نضجه قائلاً " ربما كانت رواية " التحول " لكافكا هي الكشف .. كان ذلك في عام 1947 وكنت في التاسعة عشرة من عمري حيث كنت في السنة الأولى من مدرسة القانون .. أتذكر الجملة الأولى التي نصها (عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة ، وجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة ) .. ياللعنة الرهيبة ! حين قرأت ذلك ، قلت لنفسي ( ليس هذا صحيحاً ) .. لم يخبرني أحد أن ذلك يمكن أن يحدث ، لأنه حقيقة يحدث ! وهو ما يمكنني أنا أيضاً أن أفعله " . أما الكاتب الياباني كينزا بورو أوى ، فقد جاءت لحظة نضجه وهو في الثامنة والعشرين من عمره بحسب ما يذكر الكاتب وكان دارساً للأدب الفرنسي ، ومسكوناً بصوت جان بول سارتر وموريس ميرلو ، حين ولد له ابن معاق ، فكان مولده نقطة ( تحول ) ، كتب على إثرها رواية " مسألة شخصية " التي قال عن تجربة كتابتها " شعرت بضرورة أن أكتب عن نفسي . لم لا ؟ فلم يكن ممكناً أن يعاد مولدي ، ولم يكن ممكناً أن يعاد مولد ابني ، هذا ما شعرت به، (إذا لم أستطع) وهكذا ( قررت ذلك) حين كنت بجوار البحر ، يجب أن أنقذ نفسي ، ويجب أن أنقذ ابني . وقد كتبت ذلك في الكتاب، كما أعتقد".