رواية  بوصلة القيامة  للروائي هيثم الشويلي.. شهادة تأريخية وبوابة الدخول الى العالمية

رواية بوصلة القيامة للروائي هيثم الشويلي.. شهادة تأريخية وبوابة الدخول الى العالمية

1-2
خضر عواد الخزاعي
يمكن اعتبار رواية "بوصلة القيامة" الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام – حكومة الشارقة 2014 للروائي العراقي هيثم الشويلي من روايات السيرة الذاتية أو البحث عن الذات لما حملته من هموم شخصية فرشت ظلالها على مجمل المشهد الوطني في واحدة من أكثر فتراته خصوبة في إشاعة الرعب واستبداد السلطة طوال عقود من السنين،

اختار لها الروائي الشويلي توقيت في غاية الحساسية، وهيّ الفترة الممتدة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وحتى سقوط النظام الدكتاتوري، ودخول القوات الأميركية الغازية بغداد في 9 نيسان 2003 .
منذ العتبة الأولى للرواية وهو العنوان "بوصلة القيامة" يضعنا الروائي الشويلي أمام دلالة رمزية تقود الى مايشبه علامة الاستفهام حول فحوى النص السردي ومدى امكانية هذه الدلالة السيميلوجية أن تفتح للقارئ الطريق في ثنايا هذا النص، فمنذ لحظة الولادة الأولى والتي تحاشا الروائي الشويلي الإشارة اليها بتوقيت محدد يصبح بطل الرواية والشخصية الرئيسية أحمد جليل أسير الانقيادات التي يترك فيها نفسه لمشيئة الاخرين للخلاص من واقعه المرير والمعقد، وكذلك للبحث عما يوصله لحقيقته وسط هذا العالم، وكانت تلك الانقيادات تسيّره دوماً الى طرق مليئة بالرعب والمجهول الذي ينتظره، ففي رحلته الأولى تقوده المرأة التي ولدته ومن ثم تبّنته وكان يسميها السارد "أمه" سهيلة، للتفريق بينها وبين أمه الحقيقية التي "ولدته" سعاد، قادته سهيلة في رحلة كان يجهل خرائطها ووجهتها إلى بيت أهله، وكان قد سبق قرار سهيلة قراره بالهروب الى خارج العراق، ولقد كادت أن تقوده هذه الرحلة إلى حتفه بعد أن سقط بيد الأجهزة الأمنية التابعة لقضاء الجبايش، مسقط رأسه بعد يوم من وصوله الى هناك، بينما الرحلة الثانية قاده بها صديقه مثنى بجواز سفر مزور بأسم حميد حسن قاسم الى خارج الحدود العراقية الأردنية ليجد نفسه في بلدة الرويشد الأردنية، أما الرحلة الثالثة والاخيرة، التي قاده فيها نفس الشخص صديقه مثنى والتي اعاده فيها من الأردن إلى العراق، بواسطة شاحنة حمل، وبنفس الجواز المزور، وفيها تُلقي المخابرات العراقية عليه القبض بعد اكتشاف تزويره للجواز، والتي ينقذه فيها من مصيره المحتوم الذي ينتظره وهو الموت، ما وقع من أحدث يوم التاسع من نيسان 2003 ودخول القوات الأميركية بغداد، تلك هيّ الرحلات المضنية، التي لم يكن الشاب أحمد جليل يمتلك بوصلتها ولا تحديد اتجاهاتها، وكان تسميتها من قبل الروائي هيثم الشويلي "بوصلة القيامة" معبراً ومقنعاً، إلى حد كبير، وجاءت منسجمة تماماً مع مارصده لها من أحداث متعاقبة، وأخطار كانت تهدد حياته على الدوام وترسم له مستقبله.
العتبة الثانية للنص هي القسم الأول من المقدمة القصيرة التي افتتح بها الروائي الشويلي روايته، والتي استدرجنا من خلالها خبايا النص، حيث يتبادل الخيال والحقيقة المرعبة الأدوار، فلا تعرف أيهما الحقيقة وايهما الخيال!"كل الروايات لم تكن اقرب من الخيال بقدر الحقيقة التي أصبحت شيئا من الخيال في مملكة الجحيم.ص5" ، أما القسم الثاني منها والتي يصف فيها تشبثه بالحياة بقوة رجل مقاتل، فيما تبدو الحياة وكأنها هيّ من تتشبث به بقوة حين استسلم لأكثر من مرة لإرادة الموت"الرواية تحكي قصة رجل تشبث بالحياة بقوة مقاتل، رجل يمتلك ثلاث امهات ورابعتهم الجدة.ص5".
كان من أهم اشتغالات الروائي هيثم الشويلي في روايته هذه، هو استخدامه تكنيك تجزئة النص وفصله عن باقي بنية الرواية، ومحاولة اشباعه ولقد أجاد به في رسم خطوط روايته وتقديم ثيماتها وأحداثها بطريقة سلسلة ومشوقة، من خلال امساكه بلحظة الحدث كثيمة صغيرة، ثم يبني عليها مستوياته التقنية، في النمو والتصاعد العمودي، وصولا الى الحبكة وبعد ذلك قطعها في المكان الذي يرتئيه مناسباً، وهذا ما جعل النص السردي يبتعد كثيرا عن شكله التقريري وينحى إلى ضفة أكثر واقعية وسردية، وهذا مافعله في موضوع المخاض الذي كانت تتعرض له سعاد طوال ساعات وأخذ حيزا مهماً من مساحة الرواية، الذي يبدأ في الصفحة السابعة من الرواية ولاينتهي إلا بولادة أحمد جليل في الصفحة العاشرة، بعد ما يقارب الأربع صفحات، كذلك فعل في موضوع رحلة أحمد جليل مع أمه سهيلة للتعرف على أهله في الجبايش، ورصد مقطعاً حيوياً من الحدث، وهو اقتراب لقائه مع أمه وأهله، بين الصفحات 98 وحتى الصفحة 103 . ليشبعه ثراءً وتوجساً، حيث هيمن الروائي هيثم الشويلي بواسطة بطله السارد أحمد جليل، على إدارة تلك الوقائع، بطريقة ناجحة، ولم يكن هناك ما يقطع سلسلة هذا الحدث المهم الذي هيأ له الروائي الشويلي أجزاءً مهمة من روايته، إلا تلك المفردات التي أسماها الروائي والقاص "فؤاد التكرلي" في مرحلة نقدية مبكرة ب"المفردات الصادمة " أي تلك المفردات التي تصدم القارئ وتمنعه من التخيل لافتقادها القدرة على الإيحاء، كما يفسرها الناقد محسن جاسم الموسوي، كما في قوله :"ياويحي أقريب على أهلي ولا أدخل!!.ص100" وهي جملة كادت أن تطيح بكل هواجسه وتوجساته التي صاحبت الحدث منذ اطلالته على الخرائب التي يقطنها أهله في هور الجبايش، وانتظاره الطويل عند الباب كما أمرته أمه سهيلة، ويتكر ظهور مثل هكذا مفردات على صفحات النص وبين سطوره أكثر من مرة مثل "انهم اشتروني بثمن بخس دراهم معدودات"،و"صحراء قاحلة لاتسر الناظرين.ص84"و"كم كنت منكسرا تلك اللحظة كعزيز قوم ذل.ص120"، لكن ذلك لا يمنع القارئ من متابعة النص ومواصلة مسايرة أحداثه كون الروائي كان ماهراً في استدراج القارئ من خلال منحه جرعات متقطعة، من نهايات كانت تظل سائبة إلى أن تنتهي لتحل مكانها نهاية أخرى معلقة.
عمد الروائي الشويلي إلى أن يجعل من نصه السردي مفتوحاً، ولم يقسمه إلى أجزاء أو فصول، كما هو متعارف عليه، رغم المتغيّرات الكبيرة التي تحدث للشخصية الرئيسية أحمد جليل، وتنتقل به مكانياً وزمانياً في أجواء متباينة، وكان يصاحب هذه الانتقالات تطور فكري كبير، خصوصاً في الفترات التي شهدت اعتقاله سواءً في مسقط رأسه الجبايش أو في مديريات أمن بغداد في التسفيرات والحاكمية وسجن أبو غريب.
كذلك لم ينتبه الروائي الشويلي إلى عامل العمر بالنسبة لبطله أحمد جليل بين الأعوام 1973 و2003 فهوعندما دخل العسكرية في العام 1991 كان في سن الثامنة عشرة"في عام 1991 كنت على وشك الالتحاق بالخدمة العسكرية، فقد كنت اقترب من الثامنة عشرة من عمري.ص80" رغم إن الكاتب لم يشر إلى سنة ميلاده بالضبط، لذلك يمكن تقسيم النص افتراضيا إلى خمسة أجزاء، وهذا ضروري لتوخي الدقة في المراحل الحياتية والعمرية التي عاشها البطل، والتي كانت في أغلبها حلقات متسلسلة من صراعات كان البطل يجد نفسه مرغما على دخولها مع السلطة ومؤسساتها الأمنية ورجالها المتنفذين.