الحياة في عاصمة ايران..دوش في طهران بماء الصودا!

الحياة في عاصمة ايران..دوش في طهران بماء الصودا!

لقد ترك الشاه القديم – رضا بهلوي – والد الامبراطور الحالي في ايران، توقيعه في كل مكان في طهران. ان السائر في شوارع طهران يحس في كل ركن منها بأثر هذا الرجل الصارم القدير.
لقد اقتفى خطوات كمال اتاتورك في انقرة، وكما خلق اتاتورك انقرة وبناها كلها حجراً حجراً، كذلك اراد رضا بهلوي ان يصنع بطهران.


وكان اول ما فعله رضا بهلوي من اجل طهران ان استقدم اليها بعثة من المهندسين الالمان المتخصصين في تخطيط المدن وامام خارطة لطهران القديمة قال الشاه الصارم القدير لمهندسيه الجدد اني اريد ان اخلقها من جديد، لا تهتموا بما هو قائم فيها الآن، وانا على استعداد لهدمها من اساسها اذا اردتم.
وقال الخبراء الالمان: ان الامر لن يصل الى هذا الحد، وان كان سيقتضي اجراءات حاسمة. ومنح الخبراء كل السلطات واذا الشوارع الواسعة بعرض خمسين متراً ترسم على الخارطة ثم اذا بها على الفور تشق طريقها في قلب المدينة وتزيح من امامها كل ما يعترض سبيلها مهما كانت قيمته ومهما كانت ظروفه.

نواة للعمران
ولم يكن في استطاعة رضا بهلوي – والعيب على موارده المالية المحدودة – ان يبني على جوانب شوارعه الجديدة الواسعة ما يتناسب من ضخامتها ونظامها من مبان ومع ذلك اقدم رضا بهلوي على حركة جريئة. فقد بدأ يبني مباني جديدة لوزارات الحكومة.
بدأ يبني "وزارة امور خارجية" اي وزارة الخارجية وجمع فيها كل ما يتصل باعمال هذه الوزارة من إدارات ومصانع وجاءت الوزارة الجديدة نموذجاً بديعاً.
وكان المبنى الضخم الثاني لوزارة "جنك" اي وزارة الحرب.
ثم وزارة "عدلية" اي وزارة العدل وقد جمع فيها، ليس فقط كل الدوائر التابعة لوزارة العدل، بل جمع فيها كل محاكم طهران بجميع درجاتها واكثر من هذا بنى بجوارها سجناً ضخماً!
وهكذا بعثر رضا بهلوي جميع مباني الوزارات الجديدة في جميع شوارع طهران على اساس ان تكون هذه المباني الثورة التي يتكون حولها العمران في طهران الجديدة!

آب!
وكان الامبراطور الصارم يعتمد على اهالي طهران ليقوموا بالعمران في شوارعه الجديدة، وحول مبانيه الجديدة.
ولكن اهالي طهران على ما يبدو لم يستطيعوا – او لم تمكنهم الظروف – ان يلحقوا بامبراطورهم العنيد.
وهكذا بقيت طهران مشروعاً حائراً بين الاكاسرة القدامى من الآف السنين، وبين رضا بهلوي وعزمه العنيد.
ان المسافات الطويلة بين كل هذه القرون، لا تزال ماثلة في طهران.
انها مليئة بالازقة والحواري الملتوية التي يعود تاريخها الى ما قبل آلاف السنين، لم يطرأ عليها تغيير، ولم تمسها يد العمران.
وقد تجد القصور الضخمة الفخمة وسط هذه الازقة كما تركها اصحابها من عمداء الاسر العريقة، وقد تقابل وزيراً او كبيراً في طهران ويدعوك الى بيته وتخترق وانت في طريقك الى البيت ازقة متربة تسدها الحجارة والقاذورات واذا بك اخيراً تصل الى قصر يكاد يختفي وسطها تدخله فاذا آيات الفخامة الفارسية بالوانها الزاهية ونقوشها الدقيقة وروائحها البديعة تطالعك وتنقلك فجأة الى عالم آخر انيق معطر بهيج.
ولا يزال السائر في ازقة طهران يحترس في سيره من الحفر التي تعترض الطرقات والتي تصل بمستودعات المياه وتصطف هذه الحفر في كل الازقة وتتناثر في اشكال هندسية كأنها مصائد لامطار السماء ذلك ان طهران ليس لها من مورد ماء الا المطر، وذوبان الثلوج المتدفق من قمم الجبال المحيطة بها.
وماء الشرب لا يزال مشكلة في طهران، وعلى جانبي الشوارع حتى الشوارع الحديثة الضخمة تجد تحت الاقارير مجاري المياه المكشوفة يتدفق منها ماء المطر وماء الثلوج الذائبة ومنها يجري مباشرة الى المنازل والفنادق.
وفي كل مكان في طهران يحذرون زائرها الغريب من مائها العادي واول شيء تقوله خادمة الفندق لك حين تصحبك الى غرفتك..
- لا تشرب من هنا ابداً!
تقولها لك وهي تشير  الى صنبور الماء في غرفتك.
وتدق الجرس كلما احتجت الى جرعة ماء وتقول الخادمة::
- آب..
و"آب" تعني "الماء" باللغة الايرانية والمفروض ان يستعمل الماء الجاري في الصنابير في اغراض غسل الايدي والوجوه وما يشابهها من اغراض ولكن كثيرين من الاجانب في طهران لا يستطيعون استعمال مائها حتى في هذه الاغراض وقد حدث مرة وكان الماء النظيف قد تأخر في الورود الى فندق ريتز في طهران، ولم يجد بعض الصحفيين الاجانب فيه من وسيلة لغسل وجوههم في الصباح بماء يطمئنون اليه الا ماء الصودا ، واشترى كل منهم ست زجاجات من ماء الصودا ليغتسل بها مطمئنا!!

في السماء!
ومستوى الاسعار في طهران يجري في مسالك السماء بمحاذاة النجوم.
ان قطعة صغيرة من الجبن الابيض العادي لا تزيد على حجم علبة السجائر الاميركية يزيد ثمنها على جنيه مصري واصبع الموز في طهران – الاصبع الواحدة – لا يقل ثمنها عن خمسة وعشرين قرشاً مصرياً.
ووجبه "الشيش كباب" وهو الطبق الوطني في طهران – وتبيعه المطاعم الشعبية – يكاد يصل ثمنها الى جنيه كامل.
وعلى ذكر الطعام الايراني ، فان اغلب زوار طهران من الاجانب لا يستسيغونه، فان طبق الارز الايراني مثلا يجيء الى طالبه عائما في انواع البهارات الغريبة الطعم واللون، وإن الطبق يجيئ في الوان قوس قزح، ركن اصفر فاقع، وركن احمر قان، وركن اخضر باهت.. وهكذا!.
والشيء الوحيد – الرخيص نسبياً في مطاعم طهران – هو الكافيار وطبق الكافيار الذي يتكلف في القاهرة جنيهين تستطيع الحصول عليه في طهران بخمسين قرشاً فقط. ذلك لان ايران من اغنى مصائد العالم باحسن انواع الكافيار.
وتجد الكافيار معروفاً بكثرة عجيبة في اسواق طهران الحافلة بانواع الاسماك والبط الواردة من "الشمال من شواطئ بحر قزوين".

تحت نجوم فارس!
والليل في طهران ساكن هادئ ليس هناك الا دور السينما، وهي دور سينما متواضعة، مبالغة في تواضعها مع استثناء دار واحدة او دارين.
وهي تعرض افلاما اميركية وروسية وانجليزية وفرنسية وتركية.. ومصرية.
وليس هناك اثر لكباريهات او لمسارح وفي صالات الفندقين الكبيرين – نوعا ما – وهما فندق بارك، وريتز يجتمع زوار طهران من الاجانب والمقيمين فيها من الديبلوماسيين وصفوة سكانها من الارستقراطيين يستمعون الى نغمات موسيقية تعزفها احدى الفرق العابرة بطهران.
وثمة سهرة اخرى في طهران ولكنها سهرة محفوفة بالخطر والمخاوف، وبرغم اخطارها ومخاوفها، فان كثيرين من سكان ازقة طهران وقصورها، وكثيرين من زوارها الاجانب خصوصاً القادمين من اميركا.. يتسللون تحت جنح الظلام عبر المسالك المظلمة والازقة الملتوية الى افنية بعض المنازل المكشوفة تحت السماء الفارسية بنجومها اللامعة الفاتنة.. ليدخنوا الافيون!!

آخر ساعة / أيلول-1951