أغاثا كريستي.. ملكة الجريمة والغموض

أغاثا كريستي.. ملكة الجريمة والغموض

غادة سليم
لا تخلو قصة حياة ملكة الجريمة أغاثا كريستي من لمحات غامضة وتفاصيل مثيرة تشبه تلك التي اعتادت أن تلون بها أحداث رواياتها البوليسية. فلقد عرفت بأسماء متعددة وكأنها بطلة في إحدى رواياتها الشيّقة. فقد ولدت باسم ''أغاثا ماري كلاريسا'' واشتهرت باسم ''أغاثا كريستي'' وكانوا ينادونها السيدة ''مالون'' وكتبت روايات رومانسية باسم ''ماري ويستماكوت''.

ومن الثابت أنها اختفت عن الوجود عام 1926 لمدة عشرة أيام لم يعثر لها خلالها على أثر. وأصبح البحث عنها هو الشغل الشاغل للشعب البريطاني. والعجيب أنها عندما ظهرت رفضت أن تخبر أحدا عن سر اختفائها. وكانت سنوات حياتها في بلاد الشرق ملأى بالأسرار والرموز والألغاز. لكن يبقى اللغز الكبير المحير في حياتها هو كيف استطاعت سيدة ريفية بسيطة أن تصبح ملكة متوجة تتربع على عرش الرواية البوليسية في العالم بلا منازع؟.

بعيداً عن المدرسة
ولدت الكاتبة الإنجليزية ''أغاثا'' في مقاطعة ديفونشير البريطانية عام.1890 وهي الطفلة الثالثة لأب أميركي وأم إنكليزية. لم تذهب قط إلى المدرسة بل تلقت تعليمها في البيت على يد والدتها لمعاناتها من عسر الكتابة والقراءة. قضت طفولة سعيدة ملؤها التأمل في الطبيعة والتجول في الحقول وإطلاق العنان للخيال. توفي والدها وهي في الثانية عشر من عمرها فعانت الأسرة من ضغوط مادية. أرسلتها أمها إلى باريس وهي في السادسة عشرة لتتعلم عزف البيانو والغناء. لكن خجلها وخوفها من الظهور منعاها من الاستمرار في هذا المجال. وكان لوالدتها الفضل العظيم في تشجيعها وتوجيهها إلى الكتابة والتأليف في سن مبكرة. فقد كانت أمها سيدة ذات شخصية قوية ومؤثرة وكانت تؤمن بأن أطفالها مبدعون ومتميزون. فحينما كانت ''أغاثا'' طريحة الفراش تتعافى من نزلة برد ألمت بها سألتها أمها: لماذا لا تقضين الوقت في كتابة قصة قصيرة؟. وأجابتها ''أغاثا'': لكنني لا أعرف. فقالت الأم: لا تقولي لا أعرف، حاولي فقط وسترين. وفي السيرة الذاتية التي كتبتها ''جانيت مورجان'' عن ''أغاثا كريستي'' نقلت عن ''أغاثا'' قولها: ''لقد حاولت ووجدت متعة كبيرة في المحاولة. وعلى مدى سنوات ظللت أكتب قصصاً كئيبة يموت أبطالها في النهاية. وكانت رواياتي مشتتة يتجول في صفحاتها عدد هائل من الشخصيات يظهرون ويختفون ولا أدري أين يذهبون. إلى أن خطر ببالي أن أكتب رواية بوليسية''.

رحلة إلى الشرق
وكانت أولى رواياتها هي ''ثلوج على الصحراء'' التي رفضها ستة ناشرين. فلم تيأس وألفت بعدها رواية ''جريمة غامضة في ستايلز'' والتي أدخلتها عالم النجومية. كانت أغاثا آنذاك في العشرينيات من عمرها متطوعة في احد مستشفيات الصليب الأحمر لعلاج جرحى الحرب العالمية الأولى. وفي تلك الفترة تحديداً عام 1914 تزوجت ضابطاً في سلاح الجو اسمه ''آرشيبالد كريستي'' ومنه أخذت لقبها واحتفظت به على الرغم من انفصالها عنه عام 1928 بعد أن أنجبت ابنتها الوحيدة ''روزالندا''. ثم تزوجت مرة أخرى عام 1930من عالم الآثار ''ماكس مالوان'' الذي اكتشف مقبرة أور الشهيرة في العراق. وكان عمرها آنذاك 39 سنة بينما كان عمره 26 سنة. وقد وفر لها زواجها الثاني قدرا كبيرا من الاستقرار النفسي والفكري أتاح لها فرصة نادرة لإطلاق خيالها في بلاد الشرق الساحرة حيث الأسرار والألغاز والآثار والتاريخ المفعم بالغموض. فسافرت معه إلى العراق والأردن وفلسطين ومصر وبلاد فارس. وعلى الرغم من تنقله بين البلاد بحثا عن الآثار إلا أنه وفر لها حجرة صغيرة للكتابة في مقر إقامته بالمواقع الأثرية. فكتبت في ظله أجمل رواياتها. وكان لها في كل مكان رواية بوليسية مثل ''لؤلؤة الشمس'' في موقع البتراء بالأردن عام،1934 وروايتها الشهيرة ''الموت يأتي في النهاية'' عام 1945عن الفرعون الصغير ''أخناتون'' في الأقصر، وقصتها ''نجمة فوق بيت لحم'' في فلسطين عام.1956 والطريف أنها عندما سألت عن سر تعلق زوجها عالم الآثار بها على الرغم من كونها تكبره بثلاثة عشر عاما أجابت: شيء طبيعي أن يبدي حبه وإعجابه بالآثار القديمة..!
من الخيال
تأثرت أعمال أغاثا كريستي بحياتها الشخصية، وبعملها في قسم السموم بالمستشفى أثناء الحرب العالمية الأولى، وبرفقتها لزوجها في مدن المنطقة العربية. وكان أبرز ما يميز أعمالها أنها لم تقتبس من محاضر الشرطة أو سجلات المحاكم بل من وحي الخيال. وظلت ''أغاثا'' على مدى سنوات عمرها الطويل تتمتع بذاكرة قوية ولغة سهلة وموهبة فذة في مزج الواقع بالخيال والخرافة بالحقيقة مكنتها من خلق تشابك سحري لحبكات درامية شائقة. وكانت تنقل القارئ بخيالها إلى أماكن غير تقليدية كالمواقع الأثرية والمدن التاريخية والمعابد والأنهار والقطارات والحافلات. ولقد ألفت أغاثا كريستي العديد من الروايات البوليسية من أهمها ''جريمة قتل في قطار الشرق السريع'' و''موت على النيل'' و''جريمة في العراق'' و'' أخناتون'' و''أغنية الجلاد'' و''القتيل المجهول''. كما ألفت العديد من الروايات والمسرحيات التي تحول أغلبها إلى أفلام سينمائية على الشاشة الفضية.
توفيت أغاثا في منزلها يوم 21 يناير 1976 إثر نزلة برد عادية وكان عمرها 85عاما. وكتب زوجها في مذكراته عبارة تلخص مشوار حياته معها فقال: ''لا يمكن لأحد أن يتخيل معنى السعادة والانسجام بجوار ذهن واسع الخيال مبدع يبعث الدفء في الحياة''.

مليارا نسخة بـ 45 لغة
أغاثا كريستي أعظم من كتب قصص الجريمة في التاريخ. دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية ببيع أكثر من ملياري نسخة من رواياتها التي ترجمت لأكثر من 45 لغة حية. على مدى نصف قرن من الزمان كتبت أغاثا 80 رواية وقصة قصيرة وعشرات المسرحيات التي لا تزال تعرض حتى الآن على مسارح لندن. كما تحولت رواياتها إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تليفزيونية. وكانت شخصيتا المحقق البلجيكي ''هركيول بويروت'' (مسيو بوارو) والآنسة ''جين مربل'' هما أشهر أبطال رواياتها. ولها أيضا ست روايات عاطفية نشرت باسم مستعار، وأربع كتب غير روائية منها سيرتها الذاتية ومشاهداتها في رحلات الاستكشاف الأثرية المتعددة.
عن الحوار المتمدن