مقهى البلدية من ايام الزمن الجميل

مقهى البلدية من ايام الزمن الجميل

صاحب الشاهر
ماذا يهمنا من بناية متداعية تلم اعطاف ماضيها في احدى زوايا ساحة الميدان.. وقد مسح الغبار ذيله على زجاج شبابيكها المتعبة.. ورسمت امانة العاصمة على بابها شارة (التفليش).. ما الذي يهمنا حين نرسل ابصارنا داخل فراغها الموحش وقد طردت رياح اليوم كل معالم امسها ولم تبق لنا غير نضارة الذكريات..


مقهى البلدية.. ليست بناية قديمة كالاخريات.. نفرح لتهديمها كي تنهض مكانها معالم جديدة.. لبغداد جديدة.. هذه المساحة التي تنفست هواءها طوال نصف قرن صور طيبة ولحظات رائعة مازالت تعيش في ذاكرة مثقفيها الذين ادركوا ايامها الملونة ابان فترات الاختناق.. وضيق النفس.. اولئك الذين راحوا عرفوها كأول مسرح تحركت عليه اكثر من ظاهرة فنية واكثر من نشاط جميل.. عرفوها مع اول مطربات العراق.. منيرة الهوزوز ثم سميرة دجلة.. سليمة مراد.. جميلة دنكر وبدرية بنت السواس باسم (ملهى الف ليلة وليلة).. كما عرفوها مع فرق بغداد المسرحية وهي تقدم فنانيها عناية الله الخيالي.. عبدالله العزاوي.. هادي علي والصحافي محمود شوكت صاحب جريدة الثبات.. ثم شاهدها وهي تتآكل في حريق لفها في الثلاثينيات ليصار الى ترميمها من جديد باسم (ملهى الاوبرا العراقية) وتظل حتى منتصف الاربعينيات حيث تتغير خارطة ساحة الميدان تلغى ملاهيها.. وتبدأ قصة مقهى البلدية.. الوليد الجديد الذي تربع على هذا المكان منذ ذلك الوقت.. يتذكرون المقهى.. يتذكرون شبابهم هؤلاء المثقفون الذين يعيشون بيننا الان.. يتذكرون المقهى فيتذكرون شبابهم منهم من جاءها في اواخر الخمسينيات،، ومنهم من جاءها في الستينيات كملاذ متسع شهد فورة نشاطهم.. القراءة.. الكتابة.. الانطلاق بالتظاهرات الوطنية.. والخصومة احيانا الى حد استعمال الكراسي كسلاح ابيض.. لقد منت البلدية بدفئها على اكثر من اديب او فنان هرع اليها بعد ان قذفت به قسوة الجو السياسي الى الشارع.. وهنا تعاقبت مجاميع طيبة من جيل عبدالقادر رشيد الناصري.. عبدالخالق فريد.. محمود العبطة.. الى الجيل الذي جاء بعدهم.. وآخرون ممن احتفظوا في رؤوسهم بأكثر من طريفة واكثر من موضوع كانت فريسة (دسمة) للنقاش.. وهم يتأملون قاسم صاحب المقهى بسدارته التي اوحت للقاص عبدالرحمن الربيعي بموضوع قصصي جميل.. ويتأملون صانعه المزمن خضير.. وما بينهما من مسافة.. يموت الديك وعينه على.. السيد محمود العبطة تنطلق ذاكرته بأجزاء حية من هذا الشريط الملون والطويل.. حين يقول: قبل ايام جلست في مقهى البلدية مع احد اصدقائي.. وفي اثناء ذلك امتد بصري مسافة نصف كيلو متر حيث المكان القديم للمقهى.. ولمح صديقي ما يساور ذهني.. فقال المثل المشهور (يموت الديك وعينه على..) في سبيل اثارتي.
فقلت له كانت ايامنا في المقهى رائعة داخل جوها الهادئ الذي كان يثير حماسنا للمطالعة والابداع.. لم يكن هنالك راديو.. ولا تلفزيون.. لاباعة يانصيب ولا صباغو احذية.. اذ حررت فيها فصولا من كتبي عن السياب ومحمود السيد والفلكلور البغدادي.. كما حررت مسودات تلك الكتب قبل دفعها للمطبعة القريبة..
فكيف لاتبقى عيوني مشدودة لها..؟ من رقص الهوائم.. الى عمامة الطيار ويقول العبطة: بعيدا عن الضوضاء كنا نتحدث عما نشرنا او قرأنا ونحن نصغي الى اغنية الجندول او الى موسيقا رقص الهوائم حيث كان المقهى يملك ثروة هائلة من الاسطوانات ولها موظف خاص يذيع على الفنوغراف بعد تقديم اسم الاغنية والقطعة الموسيقية من على ورقة خاصة لذلك..
اذكر ان في الجانب الاخر من مجموعتنا انا والسياب وحازم سعيد ومحمد روزنامجي وحقي الشبلي وغيرهم.. كان يجلس المرحوم الحافظ مهدي مع بطانته واشهرهم احمد شعبان بجراويته البغدادية البديعة.. وعلى بعد منهم يجلس ارباب الموسيقى الشعبية وقد علقوا الابواق والطبول فوق رؤوسهم بشكل مضحك.. وبعد ان انتقل المقهى الى مكان (ملهى الاوبرا) لم تنقطع ارجلنا عنه حيث اجتاحه في هذه الفترة الشباب الجديد.. ولم يبق من علامات البلدية القديمة الا السيد عبدالستار الطيار بعمامته ونرجيلته المعهودة.. من هنا.. انطلقت التظاهرات احمد فياض المفرجي يتحدث عن مشاهد من ايامه مع المقهى.. تلك الايام المليئة بالطرافة والجد.. الخصومة والاصدقاء.. يقول:انني لا يمكن ان انسى ذلك اليوم الذي اصطخبت فيه المقهى وضجت بمثقفيها.. وشبابها الذين اندفعوا للالتحام بالتظاهرة الوطنية التي خرجت تأييدا لثورة مصر عام 1952.. كما كانت احتجاجا متحمسا ضد النظام الملكي المستبد.. كما لايمكن ان انسى الشرطة الملكية الذين عودونا على احتلال المقاعد الامامية من المقهى وهم يحدقون في اوجه حلقات الشباب المثقف تصيدا لاجتماعات القوى الوطنية في المقهى.. والتظاهرة كانت لهم رزقا رائعا وجدوه في قمع الشباب المتظاهرين.. احسن مكان للتأليف.. والصفعة الودية الاستاذ المفرجي له ذكريات طريفة في (البلدية) ذكر لنا بعضا منها حين قال: كنا نتمتع بجو رائع في المقهى..
وفي عام 1957 دفعت بكتابي (المرأة في الشعر العراقي) للطبع.. وبعد اتمام مسوداته اقترح عليّ صاحب المطبعة ان اضيف فصلا عن المرأة في شعر حسين مردان فأسرعت الى (البلدية) وهناك حررت الفصل كاملا في جلسة واحدة، والحقته بالكتاب في نفس اليوم.. وبعد صدور الكتاب اطرى معظم من قرأوه على هذا الفصل الذي حررته بفضل اجواء المقهى.. وفي عام 1965 اصدرت كتابي عن الحركة المسرحية وبعد صدوره باسبوع تخاصمت مع احد الادباء في المقهى.. فلم يجد هذا ما يصفعني به سوى نسخة من كتابي اشتراها لهذا الغرض من بائع مجاور.. وتقبلت انا هذه الصفعة بارتياح لانها ساعدت على تصريف نسخة من كتابي.. حلقات الادب.. ذكريات عزيزة خالد الحلي هو الاخر له ايامه الحبيبة التي يقول عنها: تتداعى في ذهني بعض الاشياء.. الجديد لا بد ان يحل محل القديم.. ولابد لهذه البناية العتيقة المعتقة ان تطمر!! لكن.. عندما عرفت انها توشك على الزوال النهائي كمقهى تذكرت بالحاح تلك الايام الحبيبة.. حيث فيها بدأت علاقتي ببغداد عام 1964.. وهنا تعرفت الى الكثير من الادباء والفنانين يوم كان جو البلد مختنقا تحت وطأة النظام العارفي وكنت جديدا على حياة بغداد.. اتذكر وجه الشاعر الراحل عبدالامير الموسوي وهو يتردد على المقهى خلال ايامه المرهقة.. ان حلقات الادب ذكرياتي العزيزة عن (البلدية).. هكذا يتحدث هؤلاء عن متنفسهم الذي تركوه ليشغلوا مواقع حيوية تسهم في بناء مستقبل ثقافتنا. بعد انفراج واقعنا ورحيل سحبه الداكنة.. ولكن المقهى يبقى في خواطرهم طيفا عزيزا من ذكريات حميمة.. يمكن ان يهدم مقهى البلدية.. لكن لايمكن ان تنسى جلساته التي تحتفظ بطراوتها وهي تنمو داخل جو من الدخان بدأ من العهد الملكي وانتهى بانتهاء النظام العارفي.. يمكن لامانة العاصمة ان تتصور مقهى البلدية وهي تتهدم.. لكن هؤلاء يظلون مثل غرسات تنفست هواءها قديما.. وهي الآن تهتز بجمال كلما حركتها رياح الذكريات..

مجلة الاذاعة والتلفزيون 1975