طالب مكي مرجعيات السطح التصويري

طالب مكي مرجعيات السطح التصويري

عبد الرحمن طهمازي
أعمال طالب مكي ومنذ ستينيات القرن العشرين، هي ثمرة ممارسات تشكيلية منوعة الأساليب واختيارات تتراوح بين النحت والرسم والتخطيط والترقيم، لكن كل ذلك لم يجعله يتجاوز الرسم الذي يحفل – ربما - بكل اختياراته وممارساته الأسلوبية على نحو يعطي علامة بأنَّ لوحته مرجع شامل لتلك الأنواع، ويمكن، من ثـمَّ، القول: إن لوحته تملك مرجعًا داخليًا مخصصًا لأعماله؛ يضاف إلى ذلك طابعها المميز الخاص بها الذي قد يكون الموضوع نواة تعريفية له.


من الضرورة، في حالته، النظر الى الخلفيات التدريبية وفحواها، والنظر كذلك إلى الانطباع الذي نقله بعض الواقع التاريخي- الإسلامي المحلي إليه، ثم معرفة دور الخبرة والخيال اللاإرادي المسيطرين على الإطارات المعرفية والجمالية الأخرى في منجزاته، وهذه النقطة الأخيرة أعطته ما يمكن تعريفه كون عمله أصيلا.
كان تدريبه ذا نفع مزدوج، حيث تطلع طالب مكي أولا بأول، نحو جواد سليم، فذلك هو ما أعطاه الصقل مع الطابع الرافديني للتضاريس (الرليفات) والتركيز على الملامح التي أنتجتها وجوه مستديرة ذات عيون لوزية تنظر إلى الأمام المجرد وكأنه البديل عن الزمن، بعد هذا التدريب التعويضي عن التعليم النظري حفل عمل طالب بفولكلور محلي له امتداد في الصراع الديني والدنيوي الذي جرى على أرض عراق المسلمين، وانتزاع بعض عناصر هذا الصراع التي استقرت على شكل مراسيم عمومية للتصرف تستعمل بعض الأسلحة والملابس والرايات، وتؤطرها شخصية بطولية عادلة وانتقامية تخرج عادة من بين الضحايا. سيكون هذان الإطاران متناوبين في التأثير فيه إلى حد كبير، ومتلائمين مع الدور الذي نستطيع تسميته دورًا قياديًا والذي لعبه كل من الخيال اللاإرادي والخبرة، هذا الدور الذي استجاب له طالب مكي بصورة تلقائية منذ الستينيات وفي مختلف ممارساته التشكيلية. إن خبرته وخياله، كما أنهما من بين مواهبه ومؤهلاته، فإن لهما أسبابًا فيزيائية حيث عيوب السمع والكلام والنظر، فكان عليه أن يدافع عن تقنيته بالخبرة وإن ينيب خياله عن المعرفة النظرية المتتابعة، وإلا فإن من الصعب عليه تجاوز التحقيق الفطري للميول الفنية، وهو ما تجاوزه بالفعل.
اول انطباع نشأ عن عمله، ونستطيع توقيته في النصف الثاني من الستينيات مع معارض «جماعة المجددين»، هو المستوى اللا متناوب بين نحته وبين تصويره، ثم الآثار التي يمكن بسهولة ملاحظتها، التي يتركها أحدهما في أسلوب الآخر، وهذا يعني من بين ما يعنيه: أن خطر العادات الأسلوبية مستبعَد إلا اذا صارت الاستعارات بين النحت والرسم عادة بحد ذاتها، لكن ذلك لم يهدد موهبته ولم يصل الى تبديد خبرته.
تظهر الوجوه، وهي موضوع ثابت عنده، قد يضاف إليها بعض الجزء العلوي من الجسم الإنساني، أشبه بسلسلة نسخ متتابعة أفقيًا أو متوغلة في العمق المنظوري، وهي أشبه بألواح الكتابة في وادي الرافدين، وتبدو أطرافها المستطيلة أو المربعة مساحة لوضع العيون أو الأفواه التي لا تجيد التعبير قدر ما يكون ظهورها مكتفيا بعلامتها، وكان طالب مكي يرفق لوحاته المعروضة عادة بتمثال من الحديد أو البرونز لوجه إنسانيّ مستطيل ينقسم الى مربعين بوساطة أنف شديد التسلط، أو لحصان أو يكون التمثال يتصاغر جسمه لتتضاعف تقاسيم حركته، ثم يعمد الى شيء من الألوان، أو مخابئ الصدأ المتآكلة على الجوانب، وأن هذه الطريقة في وضع أحزمة في الاطارات الداخلية للوجوه المنحوتة انتقلت الى لوحة الرسم في الدعم المباغت لحذافير المساحة «الأعالي والجوانب» ممّا جعل السطح التصويري قابلا لتمثيل تكوينٍ ما ومتقبلا لانتشار موسوعي للتلوين في الوقت نفسه، ولم يكن في هذا الأسلوب اقتصاد مثل ما فيه من طابع فضولي يجعل الفراغ متأزما، إلا أن هذه الشهية كانت تستبدل في الأشغال التجريدية غير المشخصة بنوع من توزيع للكتل التي يحركها لونان؛ هما، في الغالب، الأسود والأبيض، وتنظيم للفراغ الوهمي بوساطة طباق لوني مباشر ومتكتل. إن أشغال التجريد الصرف، عمومًا، خالية من النتوءات، في حين تبرز تقنيات التحزيز وكأنها زخم التصوير التجريدي التعبيري الذي صار اختيار طالب الوحيد تقريبًا بعد السبعينيات، وقد يعزى هذا إلى عمله في رسم المطولات التوضيحية لقصص الأطفال، وتحديد وظائف اللون تبعًا للموضوع الذي تكون فيه التلميحات ذات غرض ليس بعيدًا عن السرد القصصي. إن تأثير هذه الرسوم ليس تأثيرًا حاسمًا على كامل عمله، لأنه، في الحقيقة.
كان يعتمد، دائمًا، على اقتطاع جزء من الموضوع وتضمينه الدلالات العامة لمجموع الموضوع، أو ما تمكن تسميته بإطلاق الجزء، وإرادة الكل إذا قارنا عمله التصويري بالمجاز المرسل من ناحية بلاغيات اللغة، وهذا هو أسلوبه الخاص من وراء تصوير الوجوه أو نحتها، واعتبارها أشخاصًا لا كائنات، لكن رسوم قصص الأطفال والتنويع كما يقتضي دور الشخصيات في الحوادث جعلته أكثر مرونة في جدال تاريخه التصويري؛ حيث لم يعد يلتزم بالوجوه الدائرية إلا نادرًا واستعاض عن العيون اللوزية، شيئا بعد شيء، بالعيون الدائرية، وأعلن في معرض العام 1992 أنه إنما يرسم «أشخاصًا» كما دلَّ على ذلك عنوان المعرض بالكامل، بَيْدَ أن الأشخاص كانوا لا يعنون سوى الوجوه ذات الخصائص الداخلية الموحدة على نحو تقريبي، فيما تظهر الرقاب على نحو نادر.
لم تعد لوحة طالب مكي مساحة لتنضيد الوجوه، أو لتراصفها بل صارت نافذة يطل منها وجه واحد، وهكذا تتضاعف إلى لوحات تالية وكأنها عناصر استطرادية للوجه الذي يحتل واجهة السطح من غير تفصيلات للملامح، عدا التلوين الذي يمنح الفضاء المتبقي أفقـًا رومانسيًا كان أقل ظهورًا في أشغال الستينات إلا إذا اعتبرنا بعض شخصيات الماضي التي رسم لها شيئا دلاليًا أكثر منها تمثيليًّا.
إن تصميمه للعمل الفني انصبَّ على الموضوع ومن داخله، فإذا كان الوجه شخصيًا، فهو شخص تناقصت وحُذفت أجزاؤه الأخرى، ثم إذا تم وضع الوجه باعتباره تكوينـًا تشكيليًّا، فإنه ذو رأس من غيرإشارة الى شَعَر أو صلع، وهكذا تتعدد المحذوفات إلى أن تضيع علامة التأنيث أو التذكير. إن الحذف والتعمية يتبعان نظامًا استطراديًا يبدأ من كون الوجه ممثلا لبقية الجسد، ثم من كون العين والفم الممثلين الأكثر حضورا للوجه، أما الأنف فهو جزء من تصميم اللوحة في تحويل الوجه الى صفحتين مفتوحتين.
التكرار والاستطراد والتناقص، وكذلك الشذوذ عن ذلك؛ وهي كلها تعبيرات أسلوبية في عمل طالب مكي طوال سيرته؛ لها دلالات فنية شاعرية عامة، ولها أيضا، دلالات مخصصة لعمله بالذات، بحيث يمكن أن ندرج فيها وضعه الفيزيائي الوظيفي، مثل انعدام الأذنين في اللوحة كإشارة إلى غياب السمع، وانسداد الشفتين في فم مزموم كعلامة سطحية على الخرَس اللاإرادي، ومن الممكن أن نمضي بالدلالات الخاصة، وهذا ما يسوغه انزياح الرموز إلى دلالات مجازية عامة، ليكون عمله غنيًّا بتقبل التأويلات الثاوية في المضاعفات التي يحفل بها السطح التصويري، فإذا أخذنا – على سبيل المثال – أعماله التي يضع فيها شخصًا منفردًا على الواجهة، فإننا سنجد الخلفيات متفاوتة لونيًا؛ بين التدرج في التلوين والتلطيخ المباغت بألوان مختلفة، وعدم الاكتراث بالمنظور أو مقلوب المنظور، أمّا في تلك الأعمال التي تمثل وجوها متعددة، فإن الخلفيات ستكون متجانسة، ومن غير فورات لونية، ووراء كل هذا لابد أن تكون وحدة العمل هي التي تقوم بجمع اللوحة بالتوازن بين الشخص (figure) الواحد والخلفية المتفاوتة، أو بين الفقرات المتعددة والخلفية المتجانسة.
ثمة نموذج أسلوبي آخر يعبر عن الازدواج بين محيط الموضوع ومحتوياته الداخلية، من دون أن يكون لذلك علاقة مباشرة – وربما غير مباشرة – بمضمون مقترح أو بمستوى من مستويات الاستبدال المشار إليها قبل قليل، ففي اللوحات المتسلسلة تكون الوجوه معطاة في منحنيات مغلقة (مربع أو مستطيل أو دائرة) والأعناق هي أشباه منحرفات. وينضم الوجه انضمامًا نكوصيًّا داخل مجموعة من الإطارات اللونية المتفاعلة بالصبغ المائي، وكأنها جدران الرحِم التي تحيط بالجنين، أما العينان المدورتان اللتان طُمِست أهدابهما (أو هي منتوفةٌ) من غير دليل لوني، فإن علامتيهما تتخارجان نحو مرجع مجازي (هو البوم مثلا أو قطة طوّافة محترسة)، وهنا يقوم طالب مكي بمعالجة التقنيات الحرة – إذا جاز التعبير، ففي أية لوحة توجد عناصر تمثيلية للنحت وللتخطيط، بحيث يكونان تقريبيين، في حين يبدو الرسم مضبوطا، ومثل هذه التقنيات تقوم بخطوات مستقلة غير أنها تفقد استقلالها بعد إتمام العمل، فالمنحنيات المغلقة البسيطة (مثل المربع والمستطيل والدائرة وشبه المنحرف) هي عناصر تخطيطية بسيطة استطرادية تلعب أولا دور الإطارات الداخلية، لكنها تتحول، بوساطة اللون وقبل أن يغدو تلوينا؛ إلى مناطق (منطقة مربعة أومنطقة مستطيلة وهكذا) وقد تظهر فيها أبنية مضاعفة ازدواجية من خلال المنظور الذي يقدم لها شحنة أو علامة نحتية. وهذا التحول من المنحني المغلق البسيط الى المنطقة، حسب اصطلاحات الفراغ، هو الخطوة الثانية التي يأتي الرسم عندها ليتم التعبير بلوحة للسرد اللوني.
مثل هذه الخطوات تسمح وتسوغ استعمال عبارة: نسبية التسطح التعبيري بالقياس الى عدد العلامات المختلفة نوعيًا، والتي من السهل ضبطها فوق هذا السطح من حيث كونه مبادرة تجريبية، وقبل هذه الملاحظات المستخرجة من أعماله الأخيرة، فإن الخطوات الموصوفة آنفـًا، وابتداءً من أواسط الستينيات، هي التي جعلت اللوحة عند رسام متمرس لا يتعثر بالالتباس قدر تعلقه بالخبرة الحرة ذات الصلة بالخيال اللاإرادي؛ جعلتها تجربة للتوازن وليس لصراع الأساليب النموذجية، فلا يضيع أي منها، بل لتتسابق جميعًا في الوصول الى كامل اللوحة، سواء في الكتل اللونية أو الفراغات المموهة.