الدكتور صائب شوكة يكتب ذكرياته عن الملك فيصل الاول

الدكتور صائب شوكة يكتب ذكرياته عن الملك فيصل الاول

شبهات وشكوك في وفاة ملك العراق الاول

بعد تتويج الملك فيصل الاول ملكا على العراق انتخب السيد فهمي المدرس للبلاط الملكي كان فهمي المدرس وطنياً بارزاً وقوميا عظيماً وكان الشعب العراقي خاصة في بغداد لم يزل بحالة غليان ضد السلطات البريطانية وكان فهمي المدرس يشجع هذا الانفعال وكان الملك فيصل الاول يدعو ذلك من وراء الستار فاستاء الانجليز من هذا العمل وطلبوا من السلطات البريطانية في لندن القضاء على الملك فيصل الاول

وهذا الطلب لا يزال محفوظاً في ملفات وزارة الخارجية البريطانية حيث اطلع عليه بحسب ما اعلم بعض المؤرخين العراقيين ومن ذلك الحين تعرض الملك فيصل الاول بالم في بطنه وقشعريرة وحمى شديدة فارسل له البريطانيون طبيباً باطنياً هو الدكتور (سندرسن)0 وجراحاً اخصائياً هو الدكتور (براهام) هذان الطبيبان بعد فحصهما الملك فيصل الاول قررا ان مرضه حمى (ملاريا) التي من اعراضها البرد وما كان هذا التشخيص عن جهل او كان متعمدا للقضاء على حياة الملك فيصل الاول فالله تعالى والبريطانيون يعلمون ذلك ولكن الملك فيصل الاول شك في هذا التشخيص وطلب من حاشيته خاصة من (رستم حيدر) ان يجلب له طبيباً عراقياً من اجل فحصه وكان قد طرق سمعه بوجود طبيب قد درس الجراحة في المانيا وهو اخصائي يعتمد عليه فارسل رستم حيدر لمقابلتي في المستشفى العام الجديد الذي كنت اعمل فيه بصفتي جراحاً اخصائياً فأتاني رستم قائلاً: ان جلالة الملك فيصل الاول مريض وسبق ان فحصه اثنان من الاطباء البريطانيين وهو ونحن لم نطمئن من جراء هذا الفحص ومن تشخيص المرض الذي دعوا لتشخيصه فهو يرجو حضورك الى القصر الملكي وفحصه بحسب قدرتك وقابليتك العالية فاجبته اني كطبيب من واجبي ان اجيب دعوة كل مريض لاسعافه ومعالجته ان كان ملكاً او شخصاً اعتيادياً فأني جاهز لأذهب معك فذهبت الى القصر الملكي الذي يسكن فيه الملك فيصل الاول واسرته على شاطئ نهر دجلة خلف البلاط الملكي القديم وكان القصر المذكور تعود ملكيته الى احد اليهود المثرين في بغداد واظن انه يدعى (شعشوع). الانجليز اقروا بصحة تشخيصي لحالة الملك فيصل الاول وبعد فحص الملك فحصاً دقيقاً تبين لي بصورة باتة مرضه هو ليس بالملاريا بل انه التهاب الزائدة الدودية الحادة وان الزائدة في وضع متقيح على وشك الانفجار ومن المعلوم لدى الاخصائيين ان تفتح الزائدة يؤدي الى برد وحمى شديدة مع الم في ايمن البطن وبعد خروجي من غرفة الملك فيصل الاول بلغت رستم حيدر عن ذلك وقلت له ان الملك في حالة خطرة ويحتاج الى عملية مستعجلة فاجابني : كيف نتمكن من اقناع البريطانيين واطبائهم فأجبته انه مسألة بسيطة للغاية فأني سوف اخذ نموذجاً من دم الملك فيصل الاول واجري تحليله في المستشفى فاذا كان المرض هو ملاريا فسوف تظهر جراثيم الملاريا في الدم واذا كان المرض هو التهاب الزائدة الدودية فسوف يظهر تراكم عظيم في عدد كريات الدم البيضاء وبالفعل اخذت نموذجاً من دم الملك فيصل الاول وذهبت الى المستشفى وكان مدير المختبر بريطاني يدعى (دكي) وهو استاذ محترم وليس من المشعوذين فنسبت ان يقوم هو بفحص الدم لمعرفة الملابسات وعند فحص الدم تبين وجود تزايد عظيم في كريات الدم البيضاء ولا اثر لوجود جراثيم الملاريا فرجعت بتقرير فحص الدم موقعاً من قبل الاستاذ (دكي) وكان حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر وهذا كان موعد قدوم الطبيبين البريطانيين فاقبلا وانا هناك فاندهشا حين شاهداني فطلبت منهما ان نذهب سوية لنقوم بفحص الملك فيصل مرة اخرى فلم يتمكنا من رفض طلبي هذا فذهبنا الى غرفة الملك فيصل الاول وعند فحصنا اياه كانت اعراض التهاب الزائدة الدودية واضحة بدرجة انهما لم يتمكنا من الاعتراض عليها فقدمت لهما تقرير فحص الدم فاقرا بصحة تشخيصي للمرض وقررنا معا اجراء عملية مستعجلة حالاً وقبل المساء. فذهبت مسرعا الى المستشفى وحملت معي طاولة العمليات وجميع ما تحتاج العمليات من الات واضمدة ووسائط التخدير قمنا باجراء العملية في مساء ذلك اليوم فقام الدكتور (سندرسن) باعطاء المخدر وقمنا انا والدكتور (ابراهام) باجراء العملية فظهر وجود التهاب شديد في الزائدة الدودية التي كانت متقيحة وعلى وشك الانفجار وكان المصل قد تسرب منها الى داخل البطن فسبب ركوده تقلص الامعاء ولم يكن في ذلك الحين وجود مضاد الحياة (انتي بايوتك) وبعد العملية قمت بغسل المعدة واعطائه ما يحتاج من المصل الاصطناعي وبعد ثلاثة ايام بدأت الامعاء بالعمل وزال القيء وزال الخطر عن حياةالملك فيصل الاول. الدكتو رامين معلوف منعني من دخول القصر الملكي وافترى علي امام الملك فيصل وفي اليوم الرابع ابلغت (رستم حيدر) بزوال الخطر ولكن قلت له ان الملك يحتاج الى ملاحظة ومراقبة طبية دقيقة لتنظيم طعامه وحركاته ولكن في اليوم الخامس عندما كنت متاهباً للذهاب وجدت الدكتور (امين معلوف) بانتظاري وفي باب القصر الملكي وهذا الطبيب من اصل فلسطيني تجنس بالجنسية البريطانية واتى مع الجيش البريطاني الى بغداد فعينوه مدير الامور الطبية للجيش العراقي وحال وصولي الى باب القصر واجهني هناك قائلاً: بما ان الخطر عن حياة الملك قد زال فلا لزوم الى مجيئك الى هنا بعد الان فدهشت لهذا الكلام لان الطبيب المذكور لم يقم باي عمل طبي اثناء مرض الملك فيصل فاجبته انني قمت بواجبي كطبيب وليس لي اي علاقة بالملوك والسياسة فاذا كان جزائي هو منعي من دخول القصر الملكي بعد ان قمت بانقاذ حياة الملك فسوف تكون انت المسؤول عن ذلك وارجو ان تتأكد اني سوف لن ادخل القصر الملكي ولا البلاط الملكي بصورة باتة بعد الان ولدي من الواجبات والعمل الطبي العلمي ما يعوض لي عن ذلك فتركت القصر الملكي متأثراً للغاية اذكر هذه النبذة لأبين للقراء الاعزاء وضع البلاط الملكي وحاشيته في ذلك الحين وبالفعل لم اذهب الى القصر الملكي ولا الى البلاط لمدة سنين عدة وبعد مرور ثلاثة او اربعة اعوام اتاني (ثابت عبد النور) وهو شاب وطني قومي يتردد على البلاط الملكي وله صلة بالوزراء والحكام في ذلك العهد وقال لي : ان الملك فيصل الاول يسأل عليك ويقول هو الذ ي انقذ حياتي ولكن غاب عني لهذه السنين العديدة ويريد ان يعرف سبب هذا الغياب فاجبته : ان ذهابي الى القصر الملكي وقيامي بواجبي الطبي هو ما كان يحتمه علي مسلكي كطبيب وبينت له ما قاله لي الدكتور (امين معلوف) وقلت له ان قول الدكتور المذكور تلقيته كانذار من قبل السلطات العليا ومن الممكن من الملك وحاشيته فذهب (ثابت عبد النور) الى الملك فيصل الاول وبلغه بجوابي هذا فقال له الملك فيصل ان (امين معلوف) عندما ساله الملك عن غيابي عن الدوام لمعالجته زعم اني قلت له ان فيصل واخوانه الشرفاء رعاة أبل خانوا واصبحوا ملوكاً وطبعا تأثر الملك فيصل انني ليس من الاشخاص الذين يتفوهون بهذه العبارات فطلب من (ثابت عبد النور) ان يطلب مني الحضور الى البلاط الملكي وما كان بوسعي رفض هذا الطلب فذهبت حيث اعتذر الملك فيصل على ما حصل وانتهت المشكلة. اما عن ترشيح الامير فيصل الاول ملكاً على العراق يمضي الدكتور (صائب شوكت) في مذكراته قائلاً:. ان الملك فيصل الاول نال ولاء الضباط العراقيين العاملين في جيشه في سوريا واعتبروه شخصية قومية عربية لها دورها في الحركة العربية ومما لا ريب فيه ان لهؤلاء الضباط الفضل في اشاعة التاييد للامير فيصل الاول بين الوطنيين ولد الملك فيصل الاول في مدينة الطائف بالقرب من مكة المكرمة في ايار عام 1883 وتوفي في مدينة (بيرن) في سويسرا في 18 ايلول 1933 عندما بلغ السادسة من عمره ارسل الى قرية رحاب فمكث فيها بين ابناء عمومته واخواله ست سنوات يركب الخيل والابل ويكر ويفر حتى اذا اعتزم والده السفر الى استانبول اخذه واخوانه معه فتعلم العربية والتركية وبعض العلوم على اساتذة خصوصيين. نزلوا في استانبول بناء على اوامر السلطان عبد الحميد في قصر الوالي (فؤاد باشا) وقد خصصه السلطان لهم وعين والده في مجلس شورى الدولة عاش الامير فيصل في العاصمة العثمانية نحو عشر سنوات وفيها تزوج بابنة عمه (حزيمة) ابنة الشريف (ناصر بن علي) وفي عام 1908 غادر الاميرفيصل الاستانة الى مكة المكرمة حين عين والده شريفاً لها . عاد فيصل الى الحجاز وقد اكتملت رجولته فادناه والده منه وولاه قيادة الغزوات التي يقوم بها لاخضاع القبائل وتأديبها وفي سنة 1909 انتخب نائباً عن لواء (جدة) في مجلس النواب العثماني فكان يذهب كل سنة الى الاستانة ليشترك في اعمال البرلمان ويعود بعد انقضاء دورته فينظم الى والده ويساعده في ادارة منصبه الخطير وكثيراً ما كان يمر بالقاهرة في ذهابه وايابه ليجتمع بقادتها ومفكريها ولما ثار (محمد الادريسي) على الدولة العثمانية في نهاية عام 1911 مغتنماً فرصة اشتباكها في الحرب مع ايطاليا وهم الذين ساعدوه وامدوه بالاسلحة اضطرب موقف الدولة في اليمن فاستنجدت بالشريف حسين امير مكة طالبة المساعدة ضد الادريسي فلم يتردد في تلبية الطلب وجند حملة بقيادة نجليه عبد الله وفيصل سارت من مكة الى (ابها) عاصمة عسير فطردت الادريسي وكانوا يحاصرونها وحطمت شوكته واعيدت تلك البلاد الى السلطة العثمانية زار فيصل سوريا للمرة الاولى عام 1913فقد خاف ولاة الامور الترك ان يهاجم البدو المحمل الشامي في عودته من الحجاز الى الشام فرافقه على رأس قوة من الجند لحمايته فلم يحدث له حادث واقام مدة في دمشق فتعرف على رجالها ومفكريها ودعاة الوحدةالعربية من ابنائها مما سهل له العمل بعد ذلك وجاء سوريا ثانية في عام 1915 في طريقه الى الاستانة وقد اختار السفر بهذا الطريق دون البحر لان الحلفاء ضربوا الحصار على موانئ تركيا عند بداية الحرب العالمية الاولى عام 1914 ومنعوا دخول البواخر اليها وخروجها منها لما اظهرته من ميل الى الالمان وقد دخلت الحرب الى جانبهم بعد ذلك وبعد ان ختمت الدورة البرلمانية عاد فيصل ثانية الى دمشق واقام ضيفاً عند (ال البكري) وقيل ان الترك ارادوا من اقامته في دمشق ان يكون الى جانب (احمد جمال باشا) القائد العام في سوريا يومئذ فساعده في حملته على مصر وقيل انهم ارادوا ان يكون رهينة لديهم لكي يامنوا انتفاضة والده. اقبل رجال الشام ومفكروها واعيانها على فيصل يدعونه الى اقناع والده باعلان الثورة على الاتحاديين وخلع طاعتهم وانشاء دولة عربية لما ظهر من سوء نية هؤلاء وتعمدهم اذلال العرب باعدام مفكريهم وادبائهم والصفوة المختارة من رجالهم وبنفي اسرهم الى اقاصي الاناضول تردد فيصل في قبول القيام بهذه المهمة ونصح رجال الجمعيات والاحزاب والمفكرين الذين حادثوه بالتأني والتروي خوف وقوع الكارثة وخوف تمكن الاجانب من احتلال البلاد كما سعى من جهة اخرى عند (جمال باشا) المعروف بـ(جمال السفاح) لاقناعه بالعدول عن سياسة الشدة والارهاب والبطش واتباع خطة اللين والمسالمة وعدم شنق المفكرين الاحرار ونفي الاسرى فلم يزده ذلك الا اندفاعاً في خطته الدموية غادر فيصل دمشق في النصف الاول من شهر مايس 1916 قاصداً مكة المكرمة بطريق المدينة المنورة للاجتماع بوالده واطلاعه على رأي السوريين ووصف حالتهم وابلاغه ما يلاقونه من عنت وارهاب وما كان بغافل عما يجري بل كانت المكاتبات والرسائل مستمرة بينهما وكان الترك يرجون ان يعود بسرعة على رأس جيش من عرب الحجاز ليشترك في الحملة الثانية وكانوا يعدونها للزحف على قناة السويس ومعنى ذلك انه كان يرمي الى غرضين متناقضين من رحلته : غرض رسمي ظاهر وهو العودة بجند للاشتراك في الحملة التركية وغرض خفي مضمر وهو وصف حالة سوريا لوالده وابلاغه دعوة السورين الموجهة اليه لاعلان الثورة وانقاذهم. واجتمع فيصل في المدينة المنورة بشقيقيه (علي وعبد الله) وقضوا ثلاثة ايام يبحثون الحالة ثم سافروا الى مكة المكرمة اعلنت الثورة العربية بعد سفرهم في 9 شعبان 1334 هـ وقد عهد الى الامير فيصل قيادة القوة العربية في المدينة وكانت محصنة يتولاها (فخري باشا) وفيها من العدد والتجهيزات ما لا قبل على العرب على اقتحامها وجهز الحسين بعد اعلان الثورة جيشاً سيره الى شمال الحجاز وعهد بقيادته الى ابنه فيصل الذي احتل (ينبع) وتوجه الى الشمال فاجتاز الوجه ثم نزل العقبة وتقدم نحو (معان) وحاصرها وقاتل الاتراك قتالاً شديداً في الحمراء الشام واجتعاز وادي حوران حتى ابواب دمشق فدخلها فاتحاً منصوراً يوم 30 ايلول 1918 دبر فيصل الامر واتفق مع الحلفاء على تجنيد جيش من اسرى العرب الذين كانوا في صفوف الترك بقودهم ضباط مدربون فتم تأليف هذا الجيش وسافر نحو الشام واصدر امراً بتعيين (علي رضا الركابي) حاكما ادراياً للمنطقة السورية فلم يحظ هذا التعين برضى الفرنسيين ولا الانجليز ولا الاهلين وفي يوم 22 تشرين الثاني 1918 سافر فيصل بحرا من بيروت الى باريس لحضور مؤتمر الصلح دون ان يحصل على موافقة السلطات الفرنسية في سوريا فتنكر له الفرنسيون وعرقلوا مساعيه وبناء على وساطة (لويد جورج) فقد قبل في المؤتمر وادى رسالته طالبا الاعتراف لسوريا بالاستقلال التام ثم عاد الى بيروت وحاول ان يوحد صفوف السوريين ويحصل على تأييدهم فلم يلق غير الجفاء وعدم الاكتراث . سافر الى لندن بعد ان تطورت السياسة الانجليزية الفرنسية في البلدان العربية وفي يوم 8 اذار عام 1919 نادى به المؤتمر السوري ملكا على سوريا فلما عاد فيصل الى بيروت اتهم بممالئه الفرنسيين كما ان هؤلاء اخذوا يتربصون به الدوائر حتى زحف الجيش الفرنسي على دمشق يوم 24 تموز 1920 يقوده الجنرال (غورو) فقوض اركان الحكومة الفيصلية فاضطر فيصل للسفر الى (درعا) ولكن السلطات الفرنسية انذرته بمغادرتها فغادرها الى حيفا ثم الى بورسعيد ثم الى ميلانو في ايطاليا فمكث فيها الى ان رشح لعرش العراق وفي يوم 23 اب 1921 نودي به ملكا دستوريا على العراق. واطلقت المدافع في بغداد معلنة اعتلاءه العرش. كان الملك فيصل الاول يطبق سياسة مرنة تعتمد على المساومة مع بريطانيا وهي سياسة (خذ وطالب) وكان يعتقد بان في امكان هذه السياسة ان تؤدي في نهاية المطاف الى استقلال العراق استقلالاً تاما لقد برهن بعد بضع سنوات من اعتلائه العرش انه ذو شخصية محترمة وخبرة سياسية وانه يمتلك موهبة في البقاء السياسي بالرغم من الظروف الحرجة وبعد عام 1930 تناقص عدد العراقيين الذين كانوا يشككون في اخلاص الملك فيصل الاول لخدمة بلاده وبعد حكم قارب الاثني عشر عاما وجه ملك انجلترا الدعوة اليه لزيارة لندن فقبلها ولما حدث التمرد الاثوري عاد الى بغداد للعمل على وضع حد للمشكلة ولكنه وجد ان كل شيء قد انتهى وان الامر خرج من يده فاصابه الاضطراب الذي ادى الى فقدانه النوم وخانته شهيته فراح يتطلع الى الراحة عن طريق الافراط في التدخين وتناول القهوة المرة لذا فانه غادر البلاد لمواصلة العلاج وصل العاصمة السويسرية وشعر الملك فيصل بألم شديد ولما حضر الطبيب الخاص اشار على الممرضة بزرقه ابرة تحت الجلد فاستراح الملك واذن لحاشيته بالانصراف . وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء ذلك اليوم استدعى الملك ممرضته وطلب اليها ابلاغ الحاشية بالحضور حالاً فصعد اليه الملك على شقيقه الاكبر ونوري السعيد ورستم حيدر وتحسين قدري فوجدوه يلفظ انفاسه الاخيرة نقل جثمان الملك فيصل الاول من محطة (بيرن) الى (برنديزي) في ايطاليا ومنها نقلته دراعة ايطالية مجللة بالسواد وسلمته الى الدراعة البريطانية. وصلت الدراعة حيفا ونقل الجثمان منها الى البر حيث نقلته طائرة خاصة الى بغداد بحراسة ثلاث طائرات من القوة الجوية البريطانية في فلسطين ومن الرطبة استقبلت الجثمان (9) طائرات من القوة الجوية العراقية حتى مطار بغداد يوم 15 ايلول ومنه نقل الى البلاط المكلي حيث وضع على عربة مدفع وسار الموكب نحو المقبرة الملكية التي اعدت في الاعظمية ووري التراب وفي اليوم نفسه 15 ايلول 1933 صدر عن الملك غازي الاول البيان الاتي (الى الشعب العراقي الكريم ان عواطف الاخلاص والمحبة التي انبعثت عن قلوب ابناء امتي على اثر الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد بوفاة قائدها وباني كيانها جلالة والدي المعظم تغمده الله برحمته كان لها اعظم اثر في نفسي، وفي هذه الساعة التي يجيش قلبي فيها بآلم الفراق وبشكر الامة على عواطفها الصادقة المواسية يحق لي ان انتظر من ابناء شعبي ان يؤازروني بكل قواهم كما آزروا والدي في جهاده وان يساعدوني على النهوض بالمسؤولية العظمى التي القتها العناية الالهية على عاتقي وان يعملوا واياي على تمجيد ذكرى فقيد الامة وسليل البيت الهاشمي وتطيب روحه وذلك ببذل كل ما في وسعنا في سبيل تحقيق امانيه السامية). وبمناسبة مرور اربعين يوما على وفاة الملك فيصل الاول اقيم في بغداد احتفال كبير شاركت فيه وفود من جميع انحاء العراق ومن مختلف البلدان وتحول العزاء الىتظاهرة قومية عبر فيها الجميع عما يكنونه للملك الراحل من محبة واعتزاز وتقدير.