قراءة في مجموعة ( بستان الليل ) لكاظم مزهر

قراءة في مجموعة ( بستان الليل ) لكاظم مزهر

زيد الشهيد
(( الشعرُ صياغةٌ وضربٌ من التصوير )) يقولُ عبد القاهر الجرجاني . وهو بهذه الجملةِ المكثَّفةِ يعمّقُ مهمّةَ الشاعرِ الخلاّقِ ويجعلهُ متميزاً عن غيرهِ ممن لا يُحسنون الصياغةَ ولا يجيدونَ فنَّ التصويرِ .. والصياغةُ في مجملِها تقتضي التعاملَ باللغةِ وتوظيفَها على افضلِ توظيفٍ بحيثُ تنتج هذه اللغة قصيدةً أخرى موازيةً للقصيدةِ التي كوَّنتها ؛

فـ(( في كلِّ قصيدةٍ عربيةٍ عظيمةٍ قصيدةٌ ثانيةٌ هي اللغة )) على حدِّ قولِ أدونيس ؛ أمّا التصويرُ فتتولى الموهبةُ مهمتَها في تقديمِه للقارئ . والمواهبُ مختلفةٌ في قدرتِها وتفجُّرِها وتأثيرِها واختلافَ حجمِها في الذاتِ المبدعةِ ، فهي " أي المواهبُ " كالنجومِ في السماءِ ساعةَ السحرِ فيها المتوهجُ بألقٍ وفيها الذاويُّ بخفوتٍ .. واللغةُ " الصياغةُ " والتصويرُ " فعلُ الموهبةِ " هما ما يوظَّفان باهميةٍ بالغةٍ في الادبِ أكثرَ من حقلٍ معرفيٍّ آخر .
الادبُ بستانٌ .. الشعرُ ثِمارٌ
لابدَّ ونحنُ ندخلُ ميدانَ الادبِ ، كبستانٍ تثقُل اغصانَ اشجارهِ ثمارُه ، من حثِّ العينِ لتنتقيَ وتحفيزِ الروحِ لتشبعَ من شَهدِ هذه الثمار .. شهدٌ يتقاطرُ خارجَ سيطرتِها ، متحوِّلاً الى شيفرة ٍ تُغري الناظرَ في التقرُّب ِمنها " الثمار" ولعق حلاوتِها ؛ إنْ لم نقُل قطفَها وامتلاكَها .
وفي الشعرِ لابدَّ ونحنُ نقرأُ كلماتِه وقد رتَّبها وصفَّفها صانعٌ ماهرٌ بتصويرٍ مميّزٍ ركِضت به الموهبةُ في دروبِ المتعةِ والتطلُّعِ المنفتحِ على الجمالِ ، كطفلٍ يجدَ نفسَه في كرنفالٍ مُبهرٍ أنْ نتماهى مع الحالةِ لنخرجَ بحصيلةٍ كما خرجَ هو بها ، وأنْ نعيشَ طفولتَهُ كما عاشَها هو .. وكاظم مزهر هو ذلك َالطفلُ المسحوبُ بموهبةٍ تقضُّ عليه هدوءَه لتأخذَ به الى عوالمَ وعوالم ، بستانٍ وبساتين ، رؤى وأفكار ؛ مسحوراً بفيضِ ما يرى ، ومذهولاً بعظمِ ما يتحسَّس ؛ حتى أنّه يهتفُ من قِمّةِ رابيةٍ هتافَ البوحِ :
ما نظرتُ في شجرةٍ وارفةٍ ، إلا تفيّأ الأملُ / ولا فسيلٍ مشرئبٍ ، إلا تمثَّلَ الغدُ / ولا نهرٍ يسعى ، إلا أسعدتني البراعم / ولا طائرٍ يحملُ عوداً ، إلا باغتني بالدفء /، ولا غيمةٍ مسافرة ، إلا قدستُ الانتظار . ( من مجموعته : ما لا ينطق تحكيه الكلمات ).
وفي مجموعتهِ قيد القراءةِ ( بستان الليل ) الشعرية الصادرة هذا العام 2015 يقدِّم لنا 15 نصاً مقروناً بتوطئةٍ واهداءٍ لأبٍ رحلَ في صبحٍ هادئ " كان الليلُ بمثابة الارض والفضاء اللذين يجمعان النصوص لعرضها امامَ ذائقة المتلقي ، أو الدلالةِ المشتركة التي تسعى للوصولِ الى مدلولاتٍ يخرجُ بها القارئ ... ومفردةُ الليلٍ تعني لدى الانسان العادي الهدوءَ والطمأنينةَ والتوجّهَ إلى محفّاتِ الاسترخاءِ والرحيلِ بقطارِ الكرى بعيداً عن نقيضهِ النهار المشحون بالحركةِ والفوضى والعملِ وديناميكيةِ المخلوقاتِ والاشياءِ المُصنَّعةِ المقرونةِ بالهديرِ ( هديرُ المكائنَ والآلاتِ والعتلاتِ المجنونةِ ) والدخانِ ( دخانُ ابراجِ المداخنَ وعوادمَ العرباتِ ) ؛ أمَّا عند الشاعرِ فكينونةٌ تتأنسنُ ويدخلُ معها في حوارٍ يعجُّ بالهتاف :
يا ليلُ ...
أيها السوادُ الرمادي
المتكرر في الزوايا
كأسمائِنا التي تلاحقُنا
أيها الجبارُ الذي يعتمرُ الوقارَ ص33
لماذا تنكسَّر في لُجَّةِ مائِك
ألواحُ وسائدِنا
فنغرقُ ومعنا تغرقُ الاسئلةُ ؟ ص32
لليلٍ عند الشاعرِ وجوهٌ متعددةٌ مثلما هو مدٌّ فسيحٌ تلتقي على قارعتِه النوافذُ والابوابُ والاشجارُ والوجوهُ والوسائدُ والمِعطَفُ الرمادي والجحيمُ المرعبٌ .. تُشاهَدُ في شوارعهِ : النجمةُ المُبكِّرةُ ؛ الملهى الليليُّ ؛ ساعةُ الهدوءِ ؛ النجومُ تموتُ ؛ رائحةُ الكلماتِ ؛ اجراسُ الغيابِ ؛ الحقيبةُ الفارغةُ .
الليلُ عندَ الشاعرِ : طائرةٌ ورحيل ؛ قطاراتٌ ومحطات ؛ موتٌ وولادة ؛ امرأةٌ لم تأتِ ؛ كتبٌ يُرطِّبُ بها ( هذا الشاعرُ ) تجاعيدَ ليلهِ ؛ وجودٌ لا طعمَ له (( لا طعمَ لليلِ (...) وأشجاره بلا فاكهة حمراء )) يُردِّدُ .
في الليل :
مسافرونَ / لا تأتي بهم القطاراتُ / كم هي مزدحمة ، محطاتُ الليل ؟ ص30
الليلُ بتصويرهِ جاءَ من رؤيا تشكَّلت عن وعيٍ (بما في هذا المدُّ الزمنيُّ المترجرجُ بين نصفِ يومٍ وتذبذبٍ يطولُ او يقصرُ طِبقاً لفصلي العام الطويلين واقصدُ : الشتاء والصيف ) ورؤياه تجاه الليلِ لم تأتِ اعتباطاً انما (( عن همٍّ مركزيٍّ يشغلُ الشاعرَ ويستقطبُ طاقتَه الروحيةَ ونشاطَه الحسّي )) كما يشير علي جواد العلاق في كتابه "في حداثة النص الشعري" . فمجموعةُ الشاعر التي حملت عنوان (( بستان الليل )) انما جاءت لتعبَّرَ عن رؤيا الشاعرِ لهذا الفعلِ الزمني بإطارهِ المُعتمِ وفحواه الراهصة .. واودُّ الاشارةَ هنا الى أنَّ غلافَ المجموعةِ شكَّل قصيدةً طويلةً بحدِّ ذاتِها ، لكأن الغلافَ هذا هو المجموعةُ الشعريةَ برمتها ؛ لكأنَ الحِلكةَ السائدةَ في الغلافِ ، والشابَ الجالسَ على كرسيٍّ وقد اعطى للمشاهدِ ظهرهَ ، والشجرةَ الخاليةَ من كثافةِ الاوراقِ وقد احكمَ الشابُ قبضتَهُ على اغصانِها ؛ كلُّ ذلك يشي برؤيا الشاعر . هذه الرؤيا التي ستتغلغلُ وتتفاعلُ مع مكنوناتهِ الحسّية وهو يكتبُ النصَّ تلو النصِّ في حضرةِ الليلِ فتتجمَّع رؤىً متهافتةً وليست رؤيا واحدة :
الليلُ
مرآةٌ كما شئتَ تُدار
إيّاكَ أنْ تُبدي انشطارَكَ
فالرؤى عصفٌ
وهل يلتمُّ في العصفِ انشطارُ ؟ ص7

الليلُ فيزيائياً .. البستانُ لوحةً لنصفِ يومٍ زمني
في نهايةِ المجموعةِ يعرِّف الشاعرُ الليلَ فيزيائياً .. لكأنه يؤكد حقيقةَ اننا كمخلوقاتٍ مُسيّرةٍ في هذا الكونِ لابدَّ من الخضوعِ لقانونِ الطبيعةِ ، لا مناصَ من تقبّلِ الليلِ كما هو بكيانِهِ وجبروتهِ وهيمنتِه .. لا مناص من الاعترافِ بهيمنةِ الزمن علينا نحن البشر ؛ الزمنُ الذي نصفُ يومِه ليلٌ . يدورُ فندورُ معَه . لا عودةَ إلى الماضي لا قفزَ إلى المستقبل .. حركةٌ ديناميكيةٌ نظلُّ محكومينَ لعتلتها التي لا تقف ابداً .. نعتلي احدى عرباتِ الزمنِ فيأخذُ بنا لمشوارٍ ثم يرمينا إلى هوّةٍ العدمِ لينقلَ آخرين ويرميهم كما رمانا ؛ وهكذا يعيشُ البشريُّ بين حضورٍ ثم غيابٍ .. غيابٌ وحضور :
ما الليلُ إلا غروبُ شمسٍ
الغروبُ ليس إلا غياب الضوء
كلُّ ذلك لأنَّ الأرضَ تدور
الليلُ ظلٌّ كثيفٌ لنصفِ الارضِ
الليلُ لا يغادر ولا يعود في الاماكنَ
الليلُ غيابُ شيء
النهارُ حضورُ شيء
إذن : الزمنُ غيابٌ وحضور . ص77
وإذن هي الرؤيا التي تتفاعل مع القصيدةِ لدى كاظم مزهر وتتماهى في الذاتِ الشاعرةِ لترسينا عندَ مرفأِ شاعرٍ احسنَ الصياغةَ وابدعَ في فنِّ التصويرِ .
كاظم مزهر شاعرٌ بصري ندهت عليه بساتينُ البصرة فتوجّه اليها كالمسحورِ واغراهُ الليلُ بالقدومِ ليعيشَ لحظاتِ الهمسِ والسحرِ لكنَّه خرجَ برؤيةٍ فلسفيةٍ تجمعُ المترادِفات والمتضادات ؛ وتقول : الليلُ انطباعٌ لذواتِنا ولوحةٌ تحملُ صفات النصّ المفتوح الذي لا حدَّ لدلالاتِه و، لا انتهاءَ لمدلولاتِه .. نصُّ الزمنِ المهيمنِ .
وإذا كنتُ قد قرأتُ ؛ فأني أُقرُّ أنني استمتعتُ .
والنصُ الناجحُ هو النصُّ الممتعُ الذي يوارب بابَ القراءةِ تلو القراءةِ ؛ ويصنعُ المتعةَ التي تولِّد متعةً فيُطلقُ المتلقيُّ القارىءُّ هتافَ الدهشةِ : يااااااااااه .. ما أعذبكَ ايُّها الشاعر! ما اجملكَ ايها النصُّ !