هكذا رأيت الزهاوي

هكذا رأيت الزهاوي

احمد حسن الزيات
من حق الزهاوي على (الرسالة) وهي ديوان العرب وسجل الأدب أن تقف على ذكراه العظيمة الأليمة وقفة الذاكر بالجميل تحيي بنثير الورد خلود مجده، وتحي بنثير الدمع مصاب فقده: فلقد ساعد على إنهاض العرب بوثوب فكره. وعلى إحياء الأدب بوميض روحه، وعلى إنعاش (الرسالة) بعيون شعره. ومن حق الزهاوي على صاحب الرسالة أن يقوم في هذه المناسبة

 فيفرغ في سمع الزمان الواعي هذا الحديث الذي يتسم على ما اضن بخبرة الصديق وثقة المطلع ونزاهة المؤرخ؛ فإني ما ذكرت العراق ألا ذكرت في أول أشيائه فندق (كارلتون)، وفي أول أشخاصه شخص الزهاوي؛ ذلك أن أول مكان لقيت فيه العراق هو هذا الفندق، وأول إنسان سمعت منه العراق هو هذا الرجل!
كنت جالساً في بهو هذا الفندق صباح اليوم الثاني لقدومي بغداد، أروض قلبي على روعة الفراق، وأذني على لهجة العراق، وعيني على غرابة الصور، وإذا بأحد الندل يلقي إلي بطاقة كتب عليها (جميل صدقي الزهاوي)، ولم تكد تلوح في مخيلتي صورة الشاعر التي صورها السماع والقراءة، حتى رأيت على باب البهو شيخاً في حدود الثمانين قد انخرع متنه وثقلت رجله ورعشت يده فلا يحمل بعضه بعضاً إلا بجهد
اقبل علي يتخلج على ذراع غلامه وقد انبسطت أسارير جبينه العريض وانفرجت شفتاه الذابلتان عن ابتسامه نضرة عذبة، ثم سلم علي تسليم البشاشة بيد مرتجفة، ورحب بي ترحيب الكرم بصوت متهدج، ثم انطلق يشكو جحود الأمة وإغفال الدولة وكيد الخصوم وإلحاح المرض، وتطرق إلى خصومته عامئذ مع الأستاذ العقاد فذكر - والأسف المر يكسبه لهجة المظلوم وهيئة الشهيد - كيف استغلها من سدد خطاه في الشعر، وارجف بها من تولاه بالرعاية؛ وحمد الله على أني جئت بدله فقد كان وجوده كما كان يظن تأليباً متصلاً على فضله، وإزعاجاً مستمراً لسكنته
لم يدع لي الزائر الكريم فرجة بين كلامه الدافق ادخل عليه منها بالتخفيف والتسرية، فان الزهاوي - كما علمت بعد - ديدنه أن يتكلم، كالبلبل خاصته أن يغرد، والزهر طبيعته أن يفوح؛ فهو في مجلس الصداقة شاك أو شاكر. وفي مجلس الأدب محاضر أو شاعر، وف مجلس الأنس مفاكه أو محدث.
كان الشيخ يتكلم أو ينشد ونبراته المؤثرة، وقسماته المعبرة، ولحيته الخفيفة المرسلة، ووجهه المسنون الأعجف، وشاربه النائم على فمه الأهرت، وعينيه البراقة ترأرئ من خلف المنظار، وشعره اشمط يتهدل على نتوء الصدغ، تخيل إلي أن طيفاً من أطياف الجدود، أو نبياً من أنبياء اليهود، قد انشق عنه حجاب الزمن فجأة في هذا المكان الصامت والنور القاتم والجو الغريب؛ ولكن الحيوية التي تنبض في حركاته، والشبيبة التي تفيض في كلماته، والعزيمة التي تضطرم في نظراته، كانت تطرد هذا الخيال وتجعلني وجهاً لوجه أمام (كتلة) من الأعصاب القوية المشدودة تتكلم وتتألم، وتثور وتهدأ، وتسخط وترضى، وموضوع مقالها وانفعالها لا يخرج أبداً (الأنا) إذا صح هذا التعبير
دأبت (عربانة) الشيخ بعد ذلك على أن تقف أمام منزلي صباح يوم الجمعة من كل أسبوع. فكنت استقبله استقبال العابد المتحنث للكاهن الملهم، ثم نقضي ضحوة النهار معاً يحدثني فاعجب أو ينشدني فاطرب؛ وقد تكون أذني إلى فمه وليس معنا ثالث ولكنه يجاهر بالإلقاء، ويصور المعنى بالصوت والإيماء، حتى يدهش المنزل وينصت الشارع. وهو بين الفترة والفترة يعود إلى شكاته وشكواه، وأظل أنا أمام هذا الجيشان الروحي ساهماً حالماً أفكر في الذهن الذي لا يكل. واللسان الذي لا يفتر. والزهو الذي لا يتطامن، والطموح الذي لا يتقاصر، والقلق الذي لا يسكن، والتمرد الذي لا يهن، والشباب الذي يلبس رداء الشيخوخة. والحياة التي تتخذ هيئة الموت
كنت ألقاه في خلال الأسبوع مع الناس في منتداه بشارع الرشيد. أو على ضفة دجلة جالسا على الدكة الخشبية ينشد الأبيات الرائعة، أو يرسل النكتة البارعة، أو يروي الخبر الطريف، في بشاشة جذابة، وقهقهة ساذجة، ويده المرتعشة لا تنفك تعبث بمسبحته الصغيرة، أو تصعد وتهبط بسيكارته العراقية، أو تمتد (بالآنة) إلى نادل القهوة كلما طلب الشاي إلى صديق وكنت أزوره في مثواه (بالصابونجية) فأراه في مباذله قاعداً يشكو الوسط لأنه قضى الليل ساهداً يقرأ، أو ذاهلاً ينظم، فالقصص والمجلات منتثرة على سريره وعلى مقعده، والمسودات مدسوسة تحت مخدته أو في ثيابه، فلا يتمالك حين يراني ان يصيح: انظر كيف أذيب عمري في شعري والأمة تقذفني بالبهتان، والحكومة تخرجني من مجلس الأعيان، والملك يستكثر على أن أكون شاعر البلاط! (إني سأذهب، وستبقى أشعاري معبرة عن شعوري وناطقة بآلامي، فهي دموع ذرفتها على الطرس، وهي خليقة أن تبعث من عيون قارئها دمعة هي كل جزائي من نظمها) .

 من مخطوطة ( من ذكريات بغداد ) التي نشرت بعض حلقاتها في مجلة الرسالة سنة 1939