قراءة في كتاب  العابرة المكسورة الجناح، شهرزاد ترحل إلى الغرب   *

قراءة في كتاب العابرة المكسورة الجناح، شهرزاد ترحل إلى الغرب *

حميد كشكولي
كثيرا ما نسأل: هل أن الغربيات حُرّات بشكل كامل؟ وهل أن الحريم خاص بالشرقيات، دون الغربيات؟ و هل أن المرأة في الغرب قد تحررت تماما من كل القيود التي تكبلها، و تعيش في مساواة تامة مع الرجل ولها حق الإختيار المطلق؟ وكثير من الأسئلة المعقدة الأخرى التي تكون الإجابة عليها ليست بالهينة.

و في هذا السبيل تتحول المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي إلى شهرزاد زماننا، وتسافر إلى الغرب بحثا عن سر هذا اللغز، مستمدة قوتها في الإقناع من الثقة بالذات، و متأكدة من أنها إنسانة تستثير الإعجاب، و ذات ذكاء مذهل.
“إن السفر فرصة رائعة لترويض النفس ولاكتساب حكمة فريدة من نوعها...”قالت الياسمين جدة الكاتبة فاطمة المرنيسي الأستاذة لعلم الإجتماع في جامعة محمد الخامس في الرباط. والياسمين امرأة لا تعرف القراءة والكتابة، أمضت حياتها في حريم. و قد كان الحريم سجناً بالنسبة للياسمين، مكاناً حيث تدفن النساء أحياء، و من هنا تمجيدها للسفر، و كان اجتياز الحدود يشكل امتيازا في رأيها، وطريقا ساميا للتخلص من العجز.
تقول الكاتبة إن حريم الغربيين مرتع لللهو حيث ينجح الرجال في تحقيق معجزة مستحيلة في الشرق: أي أن يتمتعوا في اطمئنان بحشود النساء الخياليات في الحريم الذي يحلمون به، دون خوف من ردود فعلهن، على عكس حريم الشرق الواقعي الذي يتوجس فيه الرجال من كيد النساء.
كتاب فاطمة المرنيسي، الذي يمكنني أن أسميه بكتاب عن أدب الرحلات ويأخذها في سردها تيار الوعي، ملئ بالمزاح و غني بالملاحظات والدقة، التذكير و التحذير، تقارن العلاقات بين الرجال والنساء في أوروبا مع تلك الموجودة في العالم المسلم. ففي كتابها”العابرة المكسورة الجناح_ شهرزاد ترحل إلى الغرب”تصف لنا فاطمة المرنيسي ثقافتين مختلفتين و حرمين مختلفين، و هي تدرس مشاهداتها التي تقدمها كسلسلة من الاكتشافات تصل اليها عبر لقاءاتها و احاديثها مع الأصدقاء، و بواسطة المطالعات و الأسفار، و تجاربها الشخصية في الحياة كامرأة مغربية متحررة تتبنى قضية المرأة و تعمل بروفيسورة لعلم الإجتماع في الجامعة المغربية.
سافرت المرنيسي في عام 1994 إلى عشر مدن غربية للترويج لكتابها الناجح والبيستسيلر: (أحلام الآثام: حكايات فتيات الحريم)، إذ لم يكن الحريم أكثر من سجن للياسمين جدة فاطمة الأمية، و أكثر من ملاذ مثالي لأسطورة غربية. فالتناقضات التي اكتشفتها فاطمة المرنيسي بين الشرق والغرب لم تكن بسيطة مثل ما يمكن أن يتصور أحد ما. في برلين، على سبيل المثال، تتصفح في كتب صور بورنوغرافية”لنساء الحريم"، ألّفت لرجال غربيين تواقين لمشاهدة الحريم، و الاطلاع عليه. وفي باريس يرافقها صديقها جاك في جولة في”اوداليسكاته”المفضلة عنده و الأوداليسك جاءت من التركية وتعني امرأة الغرفة أو الحجرة، تتجول شهرزاد (فاطمة المرنيسي) من أوداليسك الرسام الفرنسي أنجر إلى ماتيس، بينما يشرح لها كيف يجد رجل غير آمن ومتزعزع متعته في تلك الصور العارية الزيتية لنساء ساكتات. و بينما الخلفاء الوسيطيون كانوا يثمنون ذكاء نساء حريمهم، و سعة معرفتهن، إن الأدباء الغربيين يفضلون الجمال على كل القيم الأخرى؛ مثلما أكد كانط، إن”عقل امرأة مبرمج من أجل (الحساسية المفرطة)، ويجب عليها أن تتنازل عن ذكائها و تحجب عقلها إذا شاءت إغراء الرجل في رأي كانط. وإن المرأة - حسب كانط أيضا- التي تكتسب المعارف وتتحدث في الميكانيكا يجب أن تكون لها لحيــة.
وفي قطعة نثرية تشرح المرنيسي للجمهور الغربي السياسة الجنسية للإسلام، وتحدد الأمور اللامنطقية والتضادات في التقاليد الغربية. تلاحظ المرنيسي أن كلمة”الحريم”عند الرجل الغربي تثير خيالات و فنطازيا جنسية عند الذكور الذين يتصورون نساء الحريم، نساء سعيدات ومستعدات لإشباع حاجاتهم الجنسية. وهذا واضح في رسومهم وفنهم عن الشرق والحمامات، وأدب الشرقيين.
على العكس مما في الثقافة الإسلامية، فالحريم مركز أخطار، و ميدان صراع جنسي تقاوم النساء القويات هيمنة الرجال. فشهرزاد الأسطورة التي حكت الف حكاية و حكاية في الف ليلة وليلة، تمثل القوة النسائية المنتصرة، حسب المرنيسي. فشهرزاد تمارس الإغواء العقلي بدلا من الفيزيائي، في رواية حكاياتها لشهريار الملك، مستخدمة النطق السليم و قابلياتها في اختراق عقل الرجل باستخدام مفردات مناسبة و صحيحة. هذه القوة النسائية في تلك الحكايات كانت كبيرة جدا بحيث ظهرت بالعربية بعد قرن من ظهورها بالفرنسية، وظلت هدفا للرقابة في العالم المسلم. تستفيد المرنيسي من المصادر الاسلامية بشكل واسع من لغوية و فنية و شريعية و ثقافية، وتدرس بشكل واسع ثقافة الغربيين، لتخرج بتحليلات ممتازة للقوة الجنسية للمرأة المسلمة.
وفي سبرها للتجليات الغربية لشهرزاد في الباليه، وأفلام الهوليوود والرسوم، تفضح فاطمة المرنيسي ميول الغرب للتفسير السيء والمشوَّه للحريم.
وفجأ ة يتضح لها سر لغز الحريم الغربي خلال دخولها إلى محل تجاري كبير لبيع الملابس في نيويورك، حيث تخبرها البائعة بأنها لا تملك تنّورة في مقاسها لأنّها عريضة الردفين. إنها لا تجد في ذلك المحل الذي يوازي مائة مرة بازار اسطنبول، تنورة واحدة في مقاسها! فتدرك شهرزاد أثناء النقاش عن السبب في ذلك بأنها تقف أمام هوّة ثقافية حقيقية. إن ّ امتلاء الردفين في المغرب (موطن الكاتبة فاطمة المرنيسي) يعد جمالا وليس مظهر نقص أو دمامة.
ومما جلب انتباهي كلام البائعة بأن بلاد الكاتبة تبدو جنة بالنسبة للنساء المرهقات. وهي تتقصد بكلامها عدم خضوع المرأة هناك لمقاسات و أشكال يفرضها عليها الذكور.
وتقول الكاتبة في كتابها إن الأسلحة التي يستخدمها الرجال الغربيون لخداع النساء لا مرئية. وإن العنف الذي يمثله الحريم الغربي غير ظاهر بوضوح، لأنه مغلف بالإختيار الجمالي، شأنه في ذلك شأن أقدام النساء الصينيات، إذ الرجال قرروا أن أجمل النساء هن من يتوفرن على أقدام صغيرة كأقدام الأطفال. و الرجل الغربي يملي على المرأة القواعد التي تتحكم في مظهرها الخارجي، مثلما الذكر المسلم يفرض على المرأة الشرقية الحجاب.

اسم الكتاب:
العابرة المكسورة الجناح - شهرزاد ترحل إلى الغرب
ترجمة: فاطمة الزهراء أزرويل
الطبعة العربية
الأولى، 2002
صدر عن كل من المركز الثقافي العربي في بيروت و نشر الفنك في الدار البيضاء - المملكة المغربية