كتاب   1913   ... كتاب يرفض أن يلعب لعبة الإدراك المؤخَّر

كتاب 1913 ... كتاب يرفض أن يلعب لعبة الإدراك المؤخَّر

ترجمة: عباس المفرجي
يبدأ تشارلز ايمرسون وصفه لعام 1913 بأكثر مما كنت تتوقع. الموقع هو المعرض العالمي في غنت، بلجيكا. زوّار من كل أمة في العالم إحتشدوا متعجبين من أصالة الإنسان الحديث. بطاقات عمل تُتبادَل، طلبات كتب تُملأ. المزاج منفتح وفضولي، مع محادثات يتم تناولها بسهولة في كل اللغات. ربما كانت الأحاديث تدور حول محامل كريات بريطانية، مخرّمات بلجيكية أو نبيذ برتغالي.

فيما بعد، على كوب قهوة أو قدح بيرة، قد يشير أحدهم الى الزفاف الملكي الحديث الذي حضره حشد كبير من أبناء العمومة الملكيين: جورج من بريطانيا، نيكولاس من روسيا، فيلهلم من ألمانيا. هنا، الكوزموبوليتانية عارضة للعالم وجهها الأكثر إشراقا: معتدل، براغماتي أو مقتنع على نحو مؤثر أنه يفعل أفضل ما في وسعه مع الجميع.
هذا هو فقط نوع المشهد الإفتتاحي الذي إعتدنا عليه في القصص التي تبدأ عام 1913 – نسخة أكثر تهذيبا عن حفلة حديقة صيفية، تلبس فيها الفتيات ثياباً بيضاء ويلعبن الكريكت على مرجة خضراء. نعرف انه بعد الضربة التالية تماما ستكفهرّ السماء، وتغدو الموسيقى اتونال [ لا تخضع لسلالم موسيقية معروفة ]، وتجفّ الألوان البرّاقة تدريجيا متحولة الى البني الداكن، إذ تنشط المدافع. لكن ايمرسون لا يقدّم الضربة التالية. لأنه لم يكن في نيته وصف كيف ولماذا بدأت الحرب العظمى. بدلا من ذلك، يريدنا أن نواصل التسكّع بين أكشاك معرض غنت، مجربين ما كان يبدو الأمر عليه ونحن نعيش تلك الفترة من عام 1913، غير واعين بما يخبئه لنا التاريخ.
كي يزيح الحرب عن المركز أكثر في قصته، يأخذنا في جولة تشمل أمكنة بعيدة بشكل واضح عن المجزرة الوشيكة الحدوث. ماذا كان يشبه، على سبيل المثال، بارون لحم بقر في بوينس آيرس، تاجر نبيذ في الجزائر أو صناعي مستبد في طوكيو؟ في الواقع، يثبت في النهاية أنه لم يكن ثمة فرق كبير بين موظف في لندن ومصرفي في برلين. في العالم المتحالف حديثا لعام 1913 ، معلومات وأحداث فنية وناس حول العالم مندفعون بسرعات مدوِّخة. خبر عن حصاد هزيل للقمح في كندا يعني في اليوم التالي هبوطاً في سوق الأسهم في لندن. إنتاج موديل تي من سيارات فورد يقدّم فائدة للاسترليني في مزارع البن في البرازيل ومزارع الخراف في نيوزيلندا. روسيا، البعيدة عن تحمل نتائج أعمالها، تنشر كتبا في 49 لغة.
ايمرسون قادر على إيراد حجته المقنعة حول العولمة بجداله عن أن 1913 كانت السنة التي تحوّل فيها العالم في النهاية الى حَضَريّ. من الصين الى البرازيل، رجال ونساء كانوا يتدفقون الى المدن المتوسّعة ليصنعوا حياتهم بشكل أفضل. مواطنون، جديدون من الريف، يلتقون وظائف جديدة، شرابا جديدا، رقصات جديدة، وحتى أنواعاً جديدة من الهيئات البشرية. في بكين، المواطنون المتوانون يقال لهم قفوا منتصبين وإمشوا بسرعة أكثر إن اردتم أن تنجحوا.
لم يكن الجميع سعيدا بان يكون عصريا. تذمّر السلبيون من أن العالم يتحوّل بسرعة كبيرة وقد يدور محوره قريبا. في بيرا، ضاحية في القسطنطينية، يمكنك شراء شال ’’ باريسي ‘‘ مصنوع في مانتشستر، نستلة مكثفة بالحليب من سويسرا وأحذية مطاطية من روسيا. بُنيت محطة طوكيو الجديدة على طراز محطة أمستردام المركزية، بينما محطة فكتوريا في بومباي تُظهِر شبها ملغزا من محطة سانت بانكراس في لندن. البيت التقليدي في شانغهاي، في هذه الأثناء، كان مبنيا على طراز تيودوربيثاني [ تصميم معماري للبيوت معاصر يحاكي الطراز التيودوري والاليزابيثي الانكليزي].
بينما بدأت الكهرباء بإضاءة الشوارع الرئيسية في طهران والجزائر، فهي أدّت فقط الى جعل الأرصفة تبدو أكثر ظلاما من قبل، وتحوّلت 1913 الى سنة من الظلال المرعبة. في فيينا، أعتقِل موظف يهودي بتهمة إختلاق جريمة قتل طقوسية. في روسيا، الهمس بكلمة ’’ دستور ‘‘ في الهواء المجمَّد كان كافيا لإحضار شرطي على بابك. في أجزاء أخرى من العالم، ينظّم المعارضون مسيرات ويلوّحون باليافطات. محامي بريطاني تحت التمرين يدعى مهندس كارامشاند غاندي حشّد المشتغلين بالتعدين في ناتال ضد القوانين الهادفة الى حصرهم في غيتوات. كانت الأخبار تنتقل بسرعة بحيث إنضمَّ الهنود في شبه القارة الى معارضة الهجوم على حقهم المصان في التنقّل بحرية في أرجاء الامبراطورية البريطانية. في فلسطين، يُنشر في الصحف عن تصاعد التوتر العرقي الى حد خطير بحيث أن مجرد حادثة سرقة بعض العنب تؤدي الى قتال في الشارع بين العرب واليهود.
المدهش بشكل خاص هي المصادر الأدبية التي إستخدمها ايمرسون لإحياء عالم ما قبل 100 سنة ( ولنتذكّر أن كل هذا هو حديث العهد: هناك 13 ألف شخص في بريطانيا اليوم شهدوا سنة 1913 ). أكثر من الأدب الراقي، يؤثر هو على الأغلب النصوص الشعبية، الصحافة والروايات المبتذلة، ليحصل على الشعور بالصدوع والصدمات التي وسمت الفكر الخاص والعام. لذا بدلا من ذلك، لدينا أعمال ذكية إنما غير معترف بها من ستيفان زفايغ وازراييل زانغفيل. الفصل الذي يدور حول مكسيكو سيتي إستفاد بشكل كبير من أثر تكّسبي [ أثر أدبي أو فني يُنتج لمجرد كسب المال ] يدعى " فيليب درو " كتبه مستشار الرئيس الامريكي وودرو ويلسون ادوارد، ادوارد أم هاوز من تكساس، التي إندمجت فيها مكسيكو، نقلة بدت في ذلك الحين ملائمة تماما. لفهم كيف كان رأي سكان ديترويت بمنازلهم، يستخدم ايمرسون كاتالوغ سيرز [ كتيب بيوت جاهزة تباع عن طرق البريد أشتهِر في امريكا وكندا في النصف الأول من القرن الماضي ]، بينما خيالات لوس انجلس عن ماضيها الخاص بها مرتبطة بفيلم لماري بيكفورد.
خلال وصفه الطموح والدقيق، يحاول ايمرسون جاهدا أن لا يلعب لعبة الإدراك المؤخَّر. مع هذا، هو أمين الى حد كافٍ بالإعتراف بالمتعة الرخيصة التي تأتي من معرفة ماذا يحدث تاليا. لأنه مَنْ لا يسرّ أن يعرف أنه في عام 1913 كان القيصر فيلهلم منادى به كونه مصلحاً مجيداً، بسنواته الخمس وعشرين من دون حروب؟ أو حتى في زمن ليس بعيدا عن ذلك كان الشاب موسوليني يدير مجموعة اشتراكية في تريسته بينما كان تروتسكي لا يزال صحفيا يدور في مقاهي فيينا؟ ثم هناك تلك اللحظات الطنّانة مثل إعلان اليزابيث كندال، الفلانوز العالمية: (( الصين تستيقظ، والرضا الذاتي المغرور للعرق الأبيض تلقى الصدمة )).
ما كل النبوءات التي ظهرت في 1913 كانت دقيقة تماما مثل نبوءة كندال، مع ذلك، الهند، حسب مقالة في الايفننغ ستاندارد، ربما ما كانت تتمنى أن تكون مستقلة عن بريطانيا. نفق بحر المانش لم يتم الاعلان عنه الا بعد بضعة سنوات فقط. الأغرب من الكل، كان الإقتراح الذي طُرِح حوالي عام 1913، بنقل المدينة العاصمة للامبراطورية البريطانية الى مكان آخر بجانب الحدود الكندية الامريكية. ضربات خاطئة جامحة مثل هذه تستحق أن تُصان كتذكار بأن المستقبل لم يكن ببساطة أبدا هو الحاضر المزيّن بتسريحة مضحكة. بعد مئة سنة من الآن سنفعل – أو على الأقل الشباب الصغار منّا – أو نفكّر بالأشياء التي هي غير قابلة للتخمين تماما الآن. وفي الواقع، الفكرة من ذلك هي حقا مبهجة.

عن الغارديان