آلام فارتر .. رواية الحب والحزن والسعادة

آلام فارتر .. رواية الحب والحزن والسعادة

يُعد كتاب «آلام فارتر»، من روائع الكتب الأدبية للأديب الفيلسوف الألماني غوته (28 أغسطس 1749 - 22 مارس 1832)، فهو رواية تمثل وتصور قصة حب متكاملة من منظور فلسفي تراجيدي يعبر عن الروح العاشقة المحبة. إذ نشر غوته روايته للمرة الأولى في عام 1774 ثم نشر طبعة منقحة منها في 1787

وتعد الرواية ذات أهمية في حركة العاطفة والاندفاع في الأدب الألماني، وكان لها أيضا أعظم التأثير في الحركة الرومانسية في الأدب. وينظر النقاد إليها، على أنها مزيج حبكة أدبية قوامها: الجمال والسعادة والحزن والالم.
نقل الرواية إلى العربية جورج مطران، شقيق الشاعر الراحل خليل مطران، عام 1905. ثم ترجمها أحمد حسن الزيات عام 1920. وللرواية ترجمات أخرى بأقلام: أحمد رياض عام 1919، عمر عبد العزيز أمين، الدكتور نظمي لوقا (روايات الهلال)، 1977 وترجمة للأديب السوري نخلة ورد.
وممن كتبوا دراسات نقدية عن الرواية: العقاد في كتابه (تذكار جيتي) وصديق شيبوب في (جوته) والدكتور حسين مؤنس والدكتور حلمي مراد. وتعتمد مادة هذا المقال، على ترجمة الزيات، في الكتابة عن هذه الرواية.

بين الواقع والخيال
تشكل رواية (آلام فارتر)، ثمرة قصة حب عاشها غوته شخصيا، وموضوع الرواية هو الحب الذي لا يصل الى مبتغاه، وهي رواية رسائل، وهو نوع أدبي كان جان جاك روسو (1712 - 1778) ابتدعه، ووصل إلى ذروته في أدب دوستويفسكي ( 1821 - 1881 ).
ان الرسائل التي تتألف منها رواية غوته هي رسائل لم ترسل أبدا، في معنى أن صاحبة العلاقة لم تتلق فعليا أيا منها. وصاحبة العلاقة هنا هي شارلوت، حبيبة فارتر بطلة الرواية، وحبيبة غوته في الحياة.
وشارلوت بطلة الرواية اسم حقيقي في حياة فارتر، منتزع من اسم الفتاة الريفية شارلوت بيف التي كانت مخطوبة لشاب موظف في المحكمة‏. إذ وقع فارتر في حبها وعاش بسببها حياة مفعمة بالقلق والاكتئاب‏. فقرر ان يبقي في روايته علي اسمها الحقيقي،‏ بعد أن طغت على مداركه وسكنت جوارحه.
وعندما وصفها في روايته أشار الى أنها ذات وجه ساحر وقوام فارع وهيئة لم يقع بصره على أتم منها جلالا وروعة‏. وعندما رآها للمرة الأولى كانت ترتدي ثوبا ساذجا أبيض‏، تجمله عقد وردية على ردفيه ومنطقته. ويصفها فارتر ــ وهو يراقبها أثناء كلامها مع بعض صواحبها ــ بأنها ذات منطق اخاذ ووجه مشرق متوهج بالفتنة والذكاء،‏ يطفح بالبشر والرضا.
وأنها تحب منذ الصغر القصص التي تملأ بها أوقاتها التي ليس لها من الفراغ الا النزر اليسير‏. ‏ ولا تقبل من الكتب الا الذي يشعرها بقيمة وجودها، ويزيد من غبطتها وسعادتها، ‏ ويعمق من سمات الاخلاص والصداقة‏.‏

نزاع داخلي
ويصف فارتر تأثير جمال حديثها فيه :‏ بينما كانت تتكلم كنت أنعم بالنظر إلى عينيها الدعجاوين.‏ واشعر أن نفسي تترامى على شفتيها القرمزيتين،‏ وخدها الاسيل النضر‏.‏ واعجب الاشياء اني كنت ثملا بسلافة حديثها‏، معجبا بنبالة معانيها، ‏ من دون ان اسمع في الغالب الفاظها التي تؤديها.‏
وهي عندما ترقص ترقص بقلبها ونفسها.‏ وتترك جسمها يموج ويميد في انتظام وانسجام وتنساب في حركاتها حرة طليقة‏،‏ وفي لفتاتها سريعة رشيقة‏، لا تفكر الا في الرقص ولا تشعر الا به‏،‏ وأن كل شيء قد فنى في خاطرها وناظرها‏.‏
ويجيد غوته تصوير الحالة النفسية لبطلة روايته شارلوت وانتزاع ادق الملامح الذاتية التي تتألف منها حياتها المتداخلة المرتبكة، حيال رجلين يحومان حولها تحويم الفراش حول مشكاة مضيئة في غلس الظلام‏،‏ أحدهما ــ وهو زوجها ــ عرفت فيه الوفاء والحب.. ‏ وأضمرت له الإخلاص والود، ووجدت في اخلاقه المتينة الرضية ضمانا قويا لسعادة امرأة فاضلة‏. وثانيها ــ وهو فارتر ــ أصبح حبيبا وعليها عزيزا.. فوجدت أن نفسيهما تآلفتا منذ تعارفتا،‏ وأن عشرتهما المستمرة ومودتهما المتبادلة وعواطفهما المتجددة تركت في قلبيهما اثرا لا يمحيه الزمان ولا يبيد‏ه.‏
إنه الصراع العنيف في داخل شارلوت بين الواجب والعفة‏، يكتنفانها ازاء الرجل الذي ارتبطت به ارتباطا قدسيا لا سبيل إلى الفكاك منه‏،‏ أو الرجوع عنه‏،‏ والحب المستعر في جنباتها ازاء رجل نزل إلى حياتها نزول الوحي وسكن قلبها وفكرها سكنى الأعشاب والحشائش على ضفاف الينابيع والسواقي‏.‏

ألبير
اما الشخصية الرئيسة الثانية في الرواية فهي شخصية ألبير زوج شارلوت. ووصفه غوته في روايته بأوصاف تجمع على خلقه الرفيع، وحبه وتفانيه لزوجته ووظيفته. ورجاحة عقله وتفكيره‏‏ وسلامة منطقه كيفما حدث او ناقش أو حاور،‏ وصفاء سريرته وطويته إزاء الاخرين..‏ ونبل حياته وشعوره الذي يحمله لخطيبته وافراد اسرته الصغار والكبار من غير تمييز أو تفرقه‏.‏ ولكن كان لابد من الصدام بين الرجلين‏:‏ فارتر والبير في نهاية الأمر.

بطل الرواية
أما فارتر بطل الرواية فصاغه غوته نموذجا للبطل الرومانسي‏ الذي جسد أهم ملامح هذا المذهب في الادب الأوروبي. فهو شاب طاهر القلب‏ رهيف الاحساس متقد الشعور الى درجة الغلو والتطرف‏، مخلص ونظيف السريرة‏، سريع الانفعال والتجاوب مع مظاهر الطبيعة.. والإنسانية الباحثة عن واحة استقرار وسكينة‏ في هذا العالم الجشع والمتشح بالمبادئ والشعارات الخاوية البراقة‏،‏ الماثلة في حياة الناس بأشكال وأساليب مختلفة، يجمعها الرياء الاجتماعي المتصنع والتزيي بأزياء العصر‏، بكل ما يخالطها من سذاجة وانقياد أعمى واعتناق سطحي لتقاليد واهنة بالية‏.‏
فجاء، كما وصفه (صديق شيبوب) في كتابه عن غوته‏:‏ مثل غوته في فارتر شابا خيالي النزعة،‏ ثائرا على أحكام القدر‏..‏ عطشا للملذات المرهفة الأنيقة‏..‏ فخورا بإحساسه حتى لا يكبح له جماح‏،‏ ضعيفا يعجز عن التغلب على أهوائه.

أثر اللقاء
شاء غوته في روايته، أن يرقى بالحب حالا على حال..‏ وكؤوسا مترعة بالوجد والتفاني الكلي بين فارتر وشارلوت منذ التقيا للمرة الأولى في حفل راقص.‏ وعاد فارتر وهو يقود مركبته، من دون أن يعرف وقعا لزمن أو إحساسا بمسافة‏،‏ لأن عينيه تصطليان بعيني شارلوت الساهرتين‏.‏ ويقول فارتر عن تلك الليلة في ختام رسالة لصديقه‏:‏
أقسم إني ـ منذ ذلك الحين ـ أرى الشمس تشرق وتغرب،‏ والقمر يبزغ ويأفل‏،‏ والكواكب تطلع وتغيب، بلا أن أعرف لها تقلباً ولا مدارا‏ً..‏ ولا أعلم الوقت إن كان ليلاً أو نهارا‏ً.‏ فالعالم بأسره زال وانمحى من حولي.‏ فلا أجد له عيناً ولا أثرا‏ً.‏
في السينما أنتجت السينما العالمية، مجموعة من الأفلام المقتبسة عن الرواية، ومن بين أبرزها:

2010
فيلم (غوته) - ألمانيا- سيناريو وإخراج فيليب ستولزل. ومن انتاج كريستوف مولر. وتمثيل: ألكسندر فيهليينغ وميريام ستين موليتز بلبييبيترو. ويحكي الفيلم عن حياة غوته، من خلال تجسيد مضمون الرواية، والتي تحكي سيرة حقيقية لكاتبها.
أعمال مسرحية كثيرة جسّدت رواية (آلام فارتر)، وكان من بين أبرزها وأولها:

1893
قدمت مسرحية (غوته)، للمرة الاولى في فرنسا، على خشبة مسرح ليريكو في باريس، وأدت فيها ماري ديلين دور شارلوت.
تناولت مجموعة كبيرة من الأعمال التشكيلية قصة حياة وابداع غوته، مستقية الكثير من روايته (آلام فارتر)، وعلى رأسها:
1829 رسم لهيرمان ودوروثيا.

بطاقة
يوهان فولفغانغ فون غوته (1749 - 1832). أحد أشهر أدباء ألمانيا. ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً. وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية.
وتنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر. كما اهتم بالثقافة والأدب الشرقي. واطلع على كتب عديدة. فكان واسع الأفق مقبلاً على العلم، متعمقاً في دراساته. ونظراً لمكانته أطلق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في العالم: معهد غوته والذي يعد المركز الثقافي الوحيد لجمهورية ألمانيا الاتحادية.