يقتل زوجته من أجل  فائض القيمة

يقتل زوجته من أجل فائض القيمة

علي حسين
الزمان: العام 1980
المكان: مجلة الثقافة
بعد النصيحة الثمينة التي قدمها لي الصديق قحطان جاسم، قررت ان أتوقف عن ملاحقة اعمال ماركس وانجلز وأضعها على الرف أشبه بالزينة، فمالي انا وهذه الألغاز التي لن يحلها الا"الراسخون في الفهم والثقافة"، لكن تشاء الصدف ان اعود الى كتابات صاحب اللحية الكثة، لكن هذه المرة ليست عن طريق قراءة كتبة الملغزة،

 وانما بطرق اخرى تعلمتها من المرحوم محمد سلمان حسن، ففي بداية الثمانينيات واثناء عملي بمجلة الثقافة مع استاذي صلاح خالص اتيحت لي الفرصة ان اتعرف على الكثير من رموز المعرفة والثقافة من الذين كانوا يرتبطون بالمجلة وصاحبها بروابط من الود والاحترام والثقة، وكان من بين هؤلاء عالم جليل هو المرحوم الدكتور محمد سلمان حسن، الذي ما ان طرق اسمه سمعي حتى تذكرت انني بدافع الفضول، لا بطلب المعرفة، اشتريت"بالتقسيط المريح"من مكتبة النهضة كتابه الشهير"الاقتصاد السياسي"الذي كتبة بالتعاون مع اشهر اقتصاديي القرن العشرين"اوسكار لانكة"، وبدافع الاستعراض الثقافي الذي كان يلازمني انذاك، قلت له بتردد انني اقرأ حاليا بكتابه الاقتصاد السياسي، فيما الواقع يقول انني وضعته على الرف الى جانب كتب ماركس وانجلز ولينين، ابتسم الراحل وسألني بكل طيبة:"اين وصلت فيه؟"كان السؤال محرجا، وانا الذي لم اقم سوى بتقليب صفحاته والاطلاع على الفهرست، انتبه الرجل لحيرتي، ولكي بيعد عني الحرج اضاف انه كتاب صعب وتخصصي، ثم اخذ يحدثنا انا والدكتور صلاح عن علاقته باوسكار لانكة صاحب المؤلفات الشهيرة بالنظرية الاقتصادية الاشتراكية والحاصل على نوبل في الاقتصاد، وكيف ارتبط معه بعلاقة عائلية حتى ان عائلة لانكة طلبت من محمد سلمان حسن ان يكمل الجزء الاخير من موسوعة الاقتصاد السياسي واخبروه بانها وصية لانكة قبل ان يرحل.. بعد هذا الحديث عن لانكة وكتابة عدت ثانية لاستعرض معلوماتي فقلت للراحل انني جربت ان أقرأ راس المال لكارل ماركس في ترجمة انطوان حمصي، لكنني عزفت عن المحاولة بعد عشر صفحات يتيمة، وحاولت ان اجد ضالتي في كتاب الفيلسوف البنيوي لوي ألتوسير""قراءة رأس المال"الذي ترجمه السوري ايضا تيسير شيخ الارض – الغريب ان سوريا التي انتجت هذه العقول الكبيرة والتي قدمت لنا هذه الترجمات لامهات الكتب يصل بها الحال اليوم ان تنتج عقولاً قبيحة مثل الجولاني وتنظيم جبهة النصرة"- وفيه يقول:"أن القراءة الحقيقية التي يمكنها أن تكشف عن رأس المال هي القراءة الفلسفية، فقد قرئ الكتاب من قبل علماء الاقتصاد والمؤرخين، ولكنه لم يقرأ من قبل فلاسفة، يكشفون عن جوهره الحقيقي"وبما انني لست من الفلاسفة فقد آمنت بكلمات التوسير وتركت ماركس جانبا، ضحك المرحوم محمد سلمان حسن وهو يستمع الى شاب يخلط بين الاسماء ويحاول استعراض معلوماته، ثم التفت الى الدكتور صلاح ليقول له:"تلميذك هذا يريدنا في ساعة واحدة ان نتحدث عن ماركس ولانكة والتوسير ونسي المسكين انجلز"ثم نهض والتفت الي وانا اسير خلفه ليقول: كتاب التوسير ممتع لكنه يحاول ان يلوي عنق المرحوم ماركس ولهذا ساحاول في المرة القادمة ان اجلب لك معي كتابا يبسط لك الافكار لا يعقدها"
**************************
كان محمد سلمان حسن الذي يجهل اسمه الان الكثير من مثقفينا للاسف، قامة كبيرة، رفض ثلاثة عروض لمنصب وزاري قدمته له ثلاث حكومات متتالية، لم يكن سهلا على طالب عراقي في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ينتمي إلى حركة اليسار يقف في وجه الحكومة،يصر ويعاند بالرغم من سحب جواز سفره وفصله من البعثة الدراسية في ان يكمل تحصيله العلمي لينال دكتوراه في الاقتصاد من اعرق جامعات العالم"اكسفورد"ويصبح بعدها واحدا من ابرز العقول الاقتصادية في العالم، ولتضعه الظروف مرة أخرى في مواجهة مهمة شاقة، وهي مكان بارز في الطاقم الذي سيهندس السياسة الاقتصادية للجمهورية العراقية الفتية عام 1958.
كان من جيل الحب والعطاء لا جيل القسوة والفظاظة والطمع. كان الكتاب عالمه ودنياه. أي كتاب يمكن العثور عليه، ولم يعلم محمد سلمان نفسه العربية فحسب بل الإنكليزية والفرنسية والألمانية أيضاً. وكان يقتصد في شراء اي شيء ألا الكتب..ومضى يدرب نفسه كيف يصبح شيئا عظيما ينهض من ركام الفقر وأزقة اليأس.. فكان النجاح حليفه وكانت الوظيفة والمنصب تسعى إليه لا يسعى إليها، يعود إلى الجامعة التي شهدته طالبا فقير الهيئة غني الفكر فيصبح احد أعمدتها، لا أحد مثله عرف معنى الكفاح ولا أحد مثله عرف معنى الأمل. وظلت في كتاباته -، برغم صعوبة موضوعاتها، تحمل طراوة المعنى وحلاوة اللغة، ودقة المعلومة.
ترك الدكتور محمد سلمان حسن عشرات الدراسات والبحوث والمقالات، إضافة الى ترجماته وكتبه، ومحاضراته في المحافل الوطنية والدولية وكتاباته حول جوانب مختلفة من الاقتصاد العراقي.
كتب عالم الاقتصاد الراحل اوسكار لانكة في مديح محمد سلمان حسن:
"انني أقرأ كتاباته منذ سنوات بمتعة علمية، واستدل من خلالها استدل على القضايا الإنسانية والفكرية في عالم مزدحم بالافكار والصراعات".
************
الزمان: العام 1980
المكان: مستشفى سانت-آن النفسي في باريس
قبل اسابيع جيء الى المصحة، برجل اثار الجدل كثيرا في المحاكم، فقد صحا ذات يوم ليجد نفسه يخنق زوجته حتى الموت، لم يكن هناك شهود على الواقعة، لكنه ذهب بنفسه الى اقرب مركز للشرطة ليعترف بالواقعة، قال لهم انه لا يعرف لماذا قام بهذا الفعل، لكنه اكتشف ان حياتهما لايمكن ان تستمر فهي مثل"فائض القيمة"الذي تحدث عنه ماركس، ضابط الشرطة وهو يستمع اليه، ايقن ان الرجل مجنون حتما، فهو يهذي بمصطلحات غير مفهومة، و لهذا طالب بعرضه على لجنة طبية قررت ان تودعه مصحة نفسية، كان الاطباء ينظرون اليه باعتباره عبقري بعد ان تعرفوا على سيرته الذاتية، فيما المرضى يسخرون من ترديده لكلمات مثل البنيوية والماركسية والتحليل النفس كان هذا المريض هو لوي التوسير صاحب اشهر قراءة حديثة لكتاب ماركس راس المال.
في العام 1950 يسال الطالب ميشيل فوكو استاذه لوي التوسير عن كتاب راس المال، وهل يرى انه لايزال يصلح لهذا العصر، بعد ان خرجت البشرية من حرب مدمرة؟ هذا السؤال ظل يدور بذهن الاستاذ لخمسة عشر عاما كاملة، تفرع خلالها لمراجعة كتاب راس المال ودراسته دراسة دقيقة ليصدر عام 1965 مؤلفا يحدث ضجة كبيرة"قراءة راس المال"اتهم من خلاله بانه يريد تحريف افكار ماركس وتصدى له غارودي الذي قال ان التوسير يريد ان يحصل على الشهرة من خلال مشاكسة ماركس، فيما كتب سارتر في الازمنة الحديثة، من ان صاحب هذه القراءة يريد ان يغازل البنيوية على حساب افكار ماركس الاساسية ويضيف سارتر ان التوسير يخلط بين التحليل النفسي والتحليل الثقافي للظواهر، لم يرد التوسير على الحملة ولا على قرار طرده من الحزب الشيوعي، فهو كان مهتما بالدرجة الاولى بتخليص ماركس من الاشتراكسيين الذين لا يرون فيه سوى وجه المنظر السياسي، منبها الى ان السير في هذا الطريق سيؤدي الى ضياع ماركس الحقيقي.. ولهذا يكتب في قراءة راس المال:"ان العودة الى ماركس فيلسوف التقنية والاقتصاد والاجتماع، أمراً في غاية الإنصاف، لانه يعيد الاعتبار الحقيقي لهذا المفكر الانساني الكبير"
*****************
الزمان: 1984
المكان: مستشفى الشماعية في بغداد
الاطباء والمرضى يسخرون من رجل يتحدث الانكليزية والألمانية والإيطالية بطلاقة، لكنه مصر على ان يشتم النظام ويسخر من رجاله، هناك تعمد جلادوه تجهيز المجانين بالهراوات للقضاء عليه، وحين أفرج عنه كان قد أنهك، فمات بعد فترة قصيرة في أوائل عام 1989..كانت هذه نهاية محمد سلمان حسن اهم عقل اقتصادي عربي .