الموسوعة الصحفية الكردية في العراق : تاريخها وتطورها

الموسوعة الصحفية الكردية في العراق : تاريخها وتطورها

ابراهيم حاج عبدي
يبذل  الباحث والصحافي العراقي المعروف الدكتور فائق بطي جهدا فائقا في سبيل  انجاز هذه الموسوعة التي تتكون من 900 صفحة، والتي تتحدث عن تاريخ الصحافة  الكردية في العراق وتطورها والمحطات التي مرت بها.


وأبرز رموزها وأقطابها، وأطلق على كتابه الضخم هذا عنوانا واضحا يختزل محتواه: الموسوعة الصحفية الكردية في العراق: تاريخها وتطورها، والصادر، أخيرا، عن دار المدى.  يمهد الباحث لكتابه بمقدمة نظرية يقول فيها : الصحافة الكردية تاريخ هام، ومكمل لتاريخ الصحافة في العراق، وسجل حافل فاعل، تفاعل بموضوعية وجرأة وصدقية مع مجمل الأحداث التي مرت بالعراق الحديث حيث لعبت، ولعب صحفيوها الرواد، دورا بارزا في تعميق أواصر الأخوة العربية الكردية، وعبّر بشفافية عن تطلعات شعب العراق عموما والشعب الكردي على وجه الخصوص.
وهي، لكونها صحافة فكر ورأي، عمّقت، بدورها، مفاهيم الوطنية، وحددت الهوية القومية لشعب كردستان العراق طيلة سنوات النضال التحرري ضد التواجد الاجنبي وضد الحكومات الرجعية المتعاقبة على سدة الحكم. وناضلت من أجل حرية وسيادة الوطن وبناء الدولة على أسس راسخة من الديمقراطية والعدالة والاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي”.
بهذا الفهم  العميق لدور الصحافة ووظيفتها، يمضي فائق بطي في انجاز هذه الدراسة التي  تؤرشف للصحافة الكردية في العراق خلال اكثر من سبعة عقود، بكل انتصاراتها  وخيباتها، بنجاحاتها واخفاقاتها، فالصحافة، عموما، تزدهر في أجواء الانفتاح  والديمقراطية والرخاء والعدالة الاجتماعية، وهي تتراجع في ظروف القهر  والقمع والاضطهاد.
 ولا يخفى على المتابع ان الصحافة الكردية عانت كثيرا من المصاعب والعراقيل وتضييق الحريات، وهي ناضلت في أحلك وأقسى الظروف السياسية في سبيل إظهار عدالة القضية الكردية. إن مثل هذه الصعوبات والتحديات لم تغب عن بال الباحث، لدى اشتغاله على هذا الكتاب، فآثر ان يهديه إلى شهداء الصحافة الكردية الذين دفعوا حياتهم ثمنا للكلمة الصادقة، إذ يكتب في نص الاهداء: “تحية اعتزاز ووفاء إلى كل شهداء الصحافة الكردية الذين امتزجت كلماتهم الشريفة بدماء الشعب الزكية من أجل الحرية...والى كل من ساهم في سجل هذا السفر الطويل فوق أرض كردستان العراق».
    ويفرد الباحث قسما في نهاية الكتاب لإحياء ذكرى بعض هؤلاء الشهداء الذين قضوا نتيجة تمسكهم بقلمهم الحر، وضميرهم الحي، ومنهم معروف البرزنجي الذي أعدم بعد انقلاب شباط الدموي 1963، وأنور المائي الذي استشهد في حزيران 1963 اثر قصف نظام البعث لقريته في كردستان العراق، ونافع يونس الذي توفي إثر تعذيب وحشي تعرض له في سجون البعث سنة 1963، وصالح اليوسفي الذي غدر به نظام صدام حسين حين ارسل له في 25 حزيران 1981 طردا بريدا يحتوي على متفجرات أودت بحياته، ودارا توفيق الذي اعتقل عام 1980 وتبين لاحقا انه قضى تحت التعذيب... فهؤلاء، وغيرهم من شهداء الكلمة، أصبحوا علامات مضيئة في السفر الطويل لتاريخ الصحافة الكردية.
يقر الباحث بطي بان ثمة دراسات كثيرة تناولت جوانب مختلفة من تاريخ الصحافة الكردية في العراق، وهو يدرج بعض عناوين تلك الدراسات في كتابه، غير ان تلك الدراسات شابتها نواقص كثيرة، وافتقرت الى منهجية بحثية متكاملة، إذ يشير بطي إلى «غياب دراسة توثيقية موسوعية لكل مراحل تطور الصحافة الكردية، وفي كل جوانبها، كتاريح ملازم لهذا الكم الهام من الإصدارات، منذ ميلادها في 1898 بصدور جريدة (كردستان) على يد مقداد مدحت بدرخان، حتى يومنا هذا، المستقلة منها والحزبية والمتخصصة، ومجلات المنظمات والمؤسسات، إضافة الى صحافة المنافي والمهجر الغنية بمادتها، والصريحة في طروحاتها الفكرية والسياسية». وإزاء هذا النقص، فإنه يمكن القول، ومن دون أدنى مجازفة، بان كتاب بطي يعد الأول في مجاله من حيث شموليته وتكامله وتغطيته لكل عناصر ومفردات الصحافة الكردية في العراق، ورصده، بصورة توثيقية ممنهجة، للمسارات الشائكة التي سلكتها سواء تلك التي صدرت علنا او تلك المطبوعات التي كانت تصدر سرا، خشية من رد فعل الحكومات العراقية القمعية. يقتفي بطي أثر كل كلمة صحفية مطبوعة شكلت رافدا صغيرا في بحر الصحافة الكردية الشاسع، وتضم الموسوعة صوراً أرشيفية نادرة لأحداث صحافية وصحف كردية صدرت عبر حقبات مختلفة، وثمة مصاعب كثيرة واجهت الباحث لعل أهمها تمثل في أن الكثير من الارشيف الصحفي الكردي تعرض للتلف والضياع نتيجة ظروف القمع والحروب والثورات الكردية المتعاقبة التي خاضها الكرد ضد الظلم والطغيان.
يرى الباحث ان صحيفة «كردستان» التي صدرت في 22 نيسان عام 1898 في القاهرة، وهي اول جريدة كردية، شكلت «البشير الذي ايقظ مشاعر المثقفين داخل بلدات كردستان العراق، للاعلان بجرأة وشجاعة عن قولة الحق في ضرورة اعلاء وتثبيت الهوية القومية للشعب الكردي التي مزقته الحروب والسياسات الى دول اربع توزع فيها ما يقرب، آنذاك، من 30 مليون كردي، ولتبدأ مسيرة الصحافة في طورها البدائي»، وتأتي هذه الموسوعة لتغطي مسيرة مهنية ممتدة لأكثر من سبعين سنة من العمل الصحافي الكردي العلني والسري.
 يقسم المؤلف تاريخ الصحافة الكردية إلى عدة مراحل ابتداء من مرحلة الولادة في القاهرة، والمرحلة الثانية «التي كان طابعها صحافة رأي حاولت إلى جانب الاحتفاظ بالهوية القومية، نشر الدعاية لشعارات وطنية فرضتها وقائع الكفاح المشترك للشعبين العربي والكردي في العراق ضد الاستعمار البريطاني والأنظمة الإقطاعية والرجعية المتعاقبة على حكم العراق، حتى مطلع الخمسينات، ونجحت في إلهاب مشاعر الشعب الكردي وباتت تعرف بكونها صحافة داعية لمبادئ وحقوق هذا الشعب».  ويشير الباحث إلى نشوء صحافة الجبل خلال فترة الستينات، ثم إبان فترة الكفاح المسلح 1977 - 1991 «والتي كانت تلعب دور المنظم بين قوى الثورة المسلحة والمواطنين في قرى ومدن كورستان من جهة، ومواقع وفصائل البيشمركه وقياداتها الموزعة في الجبال وفي خارج العراق من جهة أخرى».
    أما العصر الذهبي للصحافة الكردية في العراق، فبدأت مع انتفاضة عام 1991، فقد صدرت خلال السنة الأولى بعد الانتفاضة، ما يقرب من 22 جريدة ومجلة. وتشير إحصائية صدرت عن نقابة الصحافيين إلى أنه خلال الفترة من 1992 إلى 2010 صدرت 400 جريدة ومجلة في كردستان جرى قيد اعتمادها في نقابة صحافيي كردستان. ولم تشهد الصحافة العراقية عموما خلال عشرات السنين منذ ولادتها، هذا الكم الهائل من مطبوعات منوعة كتلك التي صدرت في كردستان العراق.  معلومات وتواريخ ووقائع كثيرة تزدحم على صفحات هذا الكتاب الموسوعي، من صحيفة روز كرد (يوم الكرد) الصادرة في 19 يونيو (حزيران) 1913، و»بانكي كرد» (نداء الكرد) مجلة نصف شهرية صدرت في بغداد في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1913، ثم جريدة «بيشكه وتن» (التقدم) في 2 أبريل 1920، وصولا الى منتصف الأربعينات من القرن الماضي، لتبدأ مرحلة جديدة تبدأ من 1948 إلى 1991 معتبرا إياها مرحلة تطور الصحافة الكردية، ويدرج المئات من الصحف والمجلات التي صدرت في تلك الفترة، والتي تعد مرحلة تطور الحركة الصحافية في عموم أرجاء كردستان، وكذلك الصحف الصادرة في بغداد بتلك الفترة. ويخصص الباحث الفصل الثالث من موسوعته للحديث عن صحافة المنظمات والجمعيات والمؤسسات معتبرا هذه الصحافة جزءا مكملا لمسيرة الصحافة الكردية، ويذكر بطي عددا كبيرا من الصحف النسوية والطلابية والعمالية والفلاحية وغيرها التي كانت تصدرها المنظمات الحكومية ومؤسساتها.
 ويخصص الباحث جزءا من الكتاب للحديث عن صحافة الأحزاب السياسية في كردستان مثل صحافة الحزبين الرئيسين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ثم الحزب الشيوعي العراقي، ويعدد صحف بقية الأحزاب والمنظمات السياسية الكردية التي بدأت منذ أربعينات القرن الماضي إلى التاريخ الحديث للصحافة الكردية بظهور صحف يومية في إقليم كردستان. أما الفصل الخامس من الموسوعة الصحافية الكردية، فقد تناول فيه المؤلف الصحافة الكردية الصادرة في المنافي للفترة من 1975 - 2005 ويتحدث عن الصحف الصادرة في الخارج ومعظمها صدرت، حسب الباحث، في بريطانيا والسويد، فيما توزعت بقية الصحف والمجلات على عواصم العالم المختلفة التي وجدت فيها الجاليات الكردية.  وبعدما يتحدث عن الصحافة الكردية في ظل الانتفاضة للفترة 1991 - 2003 يفرد الباحث الفصل السابع من موسوعته للحديث عن الصحافة الكردية بعد سقوط الديكتاتورية، وهي الفترة التي شهدت فيها الصحافة الكردية أوج ازدهارها بفضل الحريات الإعلامية المتاحة في الإقليم وصدور المئات من الصحف والمجلات الأهلية والمستقلة.
    وقبل ان ينهي كتابه يخصص الباحث جزءا للحديث عن المثقفين الوطنيين الكرد الأوائل الذين كرسوا جانبا من تجربتهم للارتقاء بالصحافة الكردية ومنهم، مثلا، توفيق اغا (بيره ميرد)، حسين موكرياني، مصطفى باشا ياملكي، حسين ناظم، صالح زكي صاحيبقران، علي كمال بابير، رفيق حلمي، خلف شوقي الداودي، كيوى موكرياني، عبد الله كوران، علاء الدين سجادي، ابراهيم احمد، شاكر فتاح، محمد سعيد الجاف، ويذكر كذلك بعض الصحفيين الرواد في تاريخ الصحافة الكردية ومنهم: فاتح الملا عبد الكريم المدرس، وجرجيس فتح الله، وشيركو بيكه س، وعز الدين مصطفى رسول، وأحمد السيد علي البرزنجي، ومحمد نوري توفيق، ومحمد ملا كريم، ومحمد توفيق وردي، وفلك الدين كاكائي.
كتاب، بهذا المعنى، هو مرجع توثيقي هام لا غنى عنه، وهو يعد اضافة نوعية الى المكتبة العربية، ولا بد من ترجمته الى مختلف اللغات حتى يعرف القارئ تفاصيل تلك الرحلة السيزيفية التي خاضها رجال الصحافة الكرد، ولا يزالون يفعلون، في سبيل إظهار الحقوق المشروعة للشعب الكردي، وإظهار ملامح ثقافته وفكره وفلكلوره وأدبه وفنونه التي بقيت نضرة، حية، متألقة في الوجدان والضمائر، مثلما عكستها الصحافة الكردية، رغم كل محاولات الإلغاء والاقصاء والانكار، فمن مآثر الصحافة الكثيرة هي أنها تحتفظ بثقافة الشعوب ورموزها ومقدساتها غافية بين السطور، ولا بد من القيام بجهد مؤسساتي ضخم يحفظ ما تبقى من أرشيف الصحافة الكردية في متحف يكون شاهدا على تراجيديا هذا الشعب وانتصاراته، وسجلا مشرقا لمن سطر بالقلم امجادا عظيمة، مثلما سطر الثوار بالبندقية ملحمة هذا الشعب الكردي الذي بقي متشبثا بهوبته رغم الظروف العاصفة.  أخيرا نشير الى ان مؤلف الموسوعة فائق روفائيل بطي ولد في بغداد العام 1935، وحصل على شهادة البكالوريوس في الصحافة من الجامعة الاميركية في القاهرة، وعاد الى العراق عام 1963 ليترأس تحرير جريدة «البلاد» آنذاك. ويعد بطي من مؤسسي نقابة الصحافيين العراقيين، وحصل على الدكتوراه في الصحافة من موسكو. غادر العراق في نهاية سبعينات القرن الماضي الى أوروبا وتنقل بين الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى. أصدر أكثر من 15 مؤلفاً منها «صحافة الأحزاب «الصحافة اليسارية»، «ذاكرة عراقية»، «الوجدان»، «ذاكرة وطن»، «الصحافة العراقية في المنفى»، إضافة الى كتاب حول سيرة والده روفائيل بطي المهنية وغيرها.
 عن جريدة الحياة اللندنية