كما يسخّر الوعي من الجسد.. لمحات سيرية للكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ

كما يسخّر الوعي من الجسد.. لمحات سيرية للكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ

بغداد/ أوراق
تعد واحدة من أكثر الكتّاب شهرة واعجاباً في المجتمع الأميركي، فهي بالأضافة الى كونها روائية كانت معلقاً رئيساً على الثقافة المعاصرة حتى وفاتها في كانون الأول 2004. انها سوزان سونتاغ في كتاب يضم لمحات من سيرتها ما بين الأعوام 1964 ـ 80 اعده ابنها ديفيد ريف تحت عنوان (كما يسخر الوعي من الجسد) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة عباس المفرجي.

مبيناً ان والدته في عام 75 كانت في غمرة خضوعها لنظام قاس من العلاج الكيمياوي الذي يأمل الاطباء فيه تسكين مرضها، لكنهم لم يتوقعوا ان يوقف انتشار سرطان الثدي لديها بعد ان تم تشخيصه في مرحلته الرابعة. وكان ذلك في العهد الذي يعرف فيه افراد العائلة عن المرض اكثر من المريض نفسه. وحالما أصبحت قادرة على الكتابة ثانية اختارت كتابة سلسلة من المقالات لمجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، والتي نشرت فيما بعد على شكل كتاب عنوانه (حول الفوتوغراف). وكانت في ذلك العمل من الناحية السيريذاتية غائبة تماماً، وهي نادراً ما تلعب دوراً حتى في كتابها (المرض مجازاً) وهو كتاب ما كانت ستكتبه لو لم تمر بتجربة الوصم التي جاءت مع السرطان في تلك الايام. ويقول: يمكنني تذكر أربع مناسبات فقط كانت فيها كاتبة سيرة ذاتية على نحو مباشر. الأولى في قصتها القصيرة (مشروع رحلة الى الصين) والمنشورة عام 73، فهي عبارة عن تأمل في طفولتها وابيهارجل الاعمال الذي قضى معظم حياته القصيرة والحزينة في الصين، وتوفي هناك عندما كانت والدتي في الرابعة من العمر ولم ترافق والديها أبدأ. والثانية في قصتها القصيرة (جولة بلا مرشد) المنشورة في النيويوركر 77. والثالثة في (رحلة حج) وهي ذكريات عن رحلتها التي قامت بها خلال مراهقتها عام 47 الى لوس انجلس لزيارة توماس مان، ثم العيش في عزلة. كما يشير الى مقاطع سيريذاتية في نهاية روايتها الثالثة (عاشق البركان) المنشورة عام 92 وهي تتحدث بشكل مباشر وبطريقة لم تفعلها في اعمالها السابقة وحتى في حواراتها. وهناك بعض لمحات من ذكرياتها في روايتها الأخيرة (في اميركا) المنشورة عام الفين.. وفي روايتها (عاشق البركان) احسست انها عادت الى هويتها كروائية، وكان هذا طموحها فنجاح الرواية منحها ثقة بالنفس. بعدها انشغلت ببوسنيا وسراييفو المحاصرة، إذ استحوذت عليها تدريجياً بالكامل، ثم ركزت على الأدب القصصي من دون اشارة الى المذكرات. يشير ديفيد ريف الى ان كتابه هذا عن سيرة أمه يعد الثاني بعد (ولادة ثانية) منوهاً الى وجود جزء ثالث اخير. ويقول: عنوانه (كما يسخر الوعي من الجسد) جملة اقتطفتها من اليوميات التي تدور حول فترة مضطربة من حياتها كامرأة ناضجة وناجحة. يروق لي التفكير بان هذا الجزء يمكن ان يسمى ايضاً بلدونغزرومان سياسية، بمعنى تعليم شخص بلوغه سن النضج، وفي بدايته تكون والدتي غاضبة ومصعوقة في الآن نفسه بسبب حماقات الحرب الأميركية في فيتنام التي غدت ضدها ناشطة بارزة. والدتي لم ترتد ابداً عن معارضتها للحرب لكنها بلغت الندم وبخلاف الكثير من اقرانها. منوهاً الى انه هنا سيكون متحفظاً. ويواصل: ابدت علنا أسفها على الايمان بالامكانيات التحررية للشيوعية، لا فقط في تجسيداتها السوفييتية والصينية او الكوبية لكن ايضاً كنظام لا يمكنني القول مؤكداً ان هذا التغيير الذي حدث لها في قلبها وعقلها كان له صلة بعلاقتها العميقة مع جوزيف برودسكي، ربما هي علاقتها العاطفية الوحيدة بين ندين طيلة حياتها. اهمية برودسكي لها برغم النفور اثناء الفترة الاخيرة من حياتها لا يمكن ان يكون مبالغاً بها سواء على نحو جمالي وسياسي او انساني. على سرير موتها في مستشفى ميموريال بنيويورك في اليوم قبل الاخير من حياتها، وهي تشتاق الى الهواء والحياة، وكانت العناوين الرئيسة للصحف ملأى بالتسوناميات الآسيوية، تحدثت الى اثنين من الناس فقط أمها وجوزيف برودسكي الذي قبلها كثيراً وكان محطماً.