سهير القلماوى..  مسيرة عطاء

سهير القلماوى.. مسيرة عطاء

محمد عبده العباسى
مئة عام مرت على ميلادها لأب عمل طبيبياً جراحاً، رجل مستنير، مثقف واعٍ، والأم من أصول شركسة والدها كان برتبة الأميرالاى وتخصص فى الهندسة..
حين رزقت الأسرة بالبنت أطلقوا عليها اسم سهير وسمحوا لها فقط بتعلم الرسم وعزف الموسيقى وفق تقاليد زمانها، واستجابت الأم بعد فترة لضغوط الأب

 فقد أصر على دخولها كلية البنات الأمريكية ليس من أجل نيل شهادة دراسية بقدر ماتتأهل لتصبح"ست بيت ممتازة"..
وراحت الصغيرة تنهل من معين العلم والأب على الجانب الآخر يدعمها بتشجيعه ويحمسها ويدفعها للأمام، وتابعت الأم عن كثب النجاحات التى أورثت البنت عناداً وتمرداً فراحت ترهقها بأعمال البيت لكى تثنيها على اجتهادها وتضع أمامها العراقيل فالسهر ممنوع من أجل امراجعة الدرس، ولكن العزيمة والإصرار جعلا من البفتاة التى نضجت تحتل المركز الأول فى امتحان البكالوريا..
تمنت الفتاة أن تطبق المثل العربى القائل"كل فتاة بأبيها معجية"وتصبح مثله طبيبة وتقدمت إلى كلية العلوم وظلت بها مدة عام دراسى يؤهلها لدخول كلية الطب ولكن العميد رفض قبولها بدعوى أن شهادة البكالوريا الخاصة بها ليست مصرية..
وكانت الصدمة ولكن الله أرسل لها من مد لها يد العون، أمعلمها الأول د. طه حسين اوجد لمأزقها مخرجاً، قسم اللغة العربية يسمح بدخول حاملى البكالوريا المصرية أو مايعادلها..
ودخلت الفتاة قسم اللغة العربية التى لا تجيدها مثلما تجيد الفرنسية أو الإنجليزية وهى كارهة، ووجدتها الأم من جديد فرصة سانحة لتعيدها إلى مقعدها بالبيت، لكن الأب المستنير وقف فى خندقها، وخفف عنها الصعاب وعضد من مركزها فاستقدم لها معلماً يدرس لها القرآن الكريم وآخر لتعليم الخط العربى وثالث يشرح لها ماغمض عليها فى ديوان العربية ووجدت الفتاة مكتبتها الصغيرة تعج بأمهات الكتب ومؤلفات عباس العقاد وطه حسين وأحمد لطفى السيد..
ولم تألوا جهداً فى تقديم كل الجهد والسعى بدأب ومثابرة، ومرت المرحلة الجامعية التى حفلت بالكثير من المتاعب بداية من العام 1929..
كانت سهير القلماوى ضمن الفوج الأول من فتيات شببن عن الطوق هن فاطمة فهمى وفاطمة سالم ونعيمة الأيوبى وزهيرة عبد العزيز، وفى نفس العام تم قيد أربع أخريات فصار العدد تسع طالبات..
وحصلت سهير القلماوي على درجة الليسانس وجاء ترتيبها فى المركز الأول وتم تعيينها معيدة بالجامعة، وجاءت الرياح بما لا تشتهى السفن ومات الأب الدرع الواقى للفتاة التى لقيت معارضة جديدة من الأم بسبب اختيارها اشغل الوظيفة..
وبمنتهى الهدوء أكدت سهير القلماوى لأمها بأنها لم تهمل أمراً من أمور البيت وحصلت على درجة الليسانس عام 1937 وموضوعها عن"أدب الخوارج"وسافرت بعد ها فى بعثة لفرنسا للتحضير لرسالة الدكتوراه عن"ألف ليلة وليلة"مع دراسة نقدية، وبالفعل حصلت على الدكتوراه عام 1941م فى أول رسالة علمية تناولت ألف ليلة وليلة من خلال دراستها وتقديمها من حكايات شعبية إلى عمل أدبى هام فكانت ميلاداً جديداً لها ولتصبح أول فتاة مصرية تحصل عليها وصاحبة الرقم 3 فى ترتيب الحاصلين عليها وكانت قد نجحت فى انتخابات اتحاد الكلية وحين قامت ثورة 1935شاركت فيها بصفنها عضواًفى اللجنة العليا التى كونها الطلاب وساهمت ينصيب كبير فى الثةرة التى سقط فيها عبد الحكيم الجراحى وعبد الحميد مرسى شهيدين
وبمرورالأيام أصبحت الدكتورة شهير القلماوى ضبيعة فى لغتها الأم وتابعت كالعادة آداب اللغتين الفرنسية والإنجليزية، لما لا وهى بمثابة الإبنة الروحية لعميد الأدب العربى د. طه حسين..
وراحت نخط بيراعها للصحف وتدبج المقالات فى الصحف والمجلات وتلقى الأحاديث على أثير الرادبو..
واختيرت سكرتيرة يحرير مجلة الجامعة المصرية التى ترأسها طه حسين وكتبت القصة والشعر وتواصلت مع مجلات بقامة الرسالة والثقافة وأبوللو وكوكب الشرق التى كانت تقدم عبر صفحاتها صفحة عن المرأة ولم تتلق أى أجر عن عملها.. وبعدها تزوجت من الدكتور بحيى الخشاب..
كانت د. سهير القلماوى صاحبة أول فكرة لإقمة معرض القاهرة الدولى للكتاب فى مصر وكانت قد ترأست الهيئة المصرية العامة للكتاب..
ومن أشهر من تخرجوا عليها يديها د. عبد المحسن طه بدر / د. جابر عصفور / د. عبد المنعم تليمة / الشاعر صلاح عبد الصبور والأديب فاروق خورشيد.
اهتمت سهير القلماوى فى خلال رحلتها الإبداعية بثقافة الطفل العربى ةالمصرى وحمل كتابها الأول (حكايات جدتى) ومن مؤلفاتها الأخرى أدب الخوارج ـ المحاكاة فى الأدب ــ فن الأدب وفن النقد الأدبى ـ ثم غربت الشمس ـ العالم بين دفتى كتاب ـ مع الكتب.
وقامت بترجمة العديد من الكتب (أفلاطون والعالم ـ)وكانت الدكتورة سهير القلماوى ترى مدى تألقها الفكرى فى الصباح فتجلس للكتابة التى شكلت رافدين هامين هما الكتابة الأكاديمية والكتابة الإبداعية.
ونالت العديد من الأوسمة فى خلال رحلة حياتها (جائزة مجمع اللغة العربية 1941ـ جائزة الدولة التقديرة 1977) وكانت أول رئيس لمؤتمر الفنون الشعبية عام 1967ـ ورئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1967 ـ ورئاسة اللجنة العليا للرقابة على المصنفات الفنية 1982 ـ).
وكانت عضواً بمجلس الأمة عام 1959ـ والإتحاد الإشتراكى العربى عام 19863 ـ وعضوا بمجلس الشورى عام 1979 واهتمت سهير القلماوى بقضايا المرأة فقامت بتأسيس جمعية خريجات الجامعة عام 1953 وكان هدفها الأساسى هو تقوية أواصر الصداقة والتعاون مع الإتحاد الدولى للجامعات لرفع مستوى المرأة المصرية فى النواحى السياسية والثقافية.
وبعد حياة حافلة بالعطاء والجهد والتضحية والإيثار رحلت فى ايار  1997م بعد أن ضربت أروع أمثلة النجاح..ـ

عن موقع البوابة