يوميات رجل يائس.. حياتي في هذا الجحيم ستدخل قريبا عامها الخامس

يوميات رجل يائس.. حياتي في هذا الجحيم ستدخل قريبا عامها الخامس

ترجمة: عباس المفرجي
هذا واحد من أكثر الكتب التي ستقرأها يوما تفردا. هو يوميات مناسبية، كُتِبت بإهتياج بين مايس 1936 وتشرين الأول 1944، للروائي الذي دعا نفسه فريدريش ريك- ماليشيفن (كان اسمه ريك، لكنه أضاف اسم عزبته، التي ابتاعها بعائدات رواياته المعروفة). تبدأ اليوميات ببعض الحكايات المسلية عن المؤرخ والفيلسوف اوزفالد شبنغلر، مثل حكاية أكله،

في زمن الإقتصاد في الطعام نحو نهاية الحرب العالمية الأولى، وزّة كاملة دون أن يقدّم لرفيقه على العشاء قطعة صغيرة. ((أكثر الرجال افتقادا لحسّ الدعابة الذين عرفتهم يوما،)) يقول ريك، ولا يفوقه في هذا سوى ((هير هتلر)).
ومنذئذ فصاعدا سيكون الكتاب تقريبا يوميات عن هتلر – أو بالأحرى، عن الحياة اليومية في ظل النظام النازي. ((حياتي في هذا الجحيم ستدخل قريبا عامها الخامس،)) يكتب في آب 1936. ((لأكثر من اثنين وأربعين شهرا، كنت أفكّر بالكره، كنت أستلقي على فراشي وقلبي مفعم بالكره، كنت أحلم بالكره وأستيقظ على الكره. أختنق بإدراك أنني سجين قبيلة من قِرَدة وحشية، وأرهق ذهني باللغز السرمدي عن كيف يمكن لنفس هؤلاء الناس الذين حرصوا بغيرة شديدة على حقوقهم قبل بضع سنوات أن يستغرقوا الآن في هذا الخدَر...))
الحافز على الكراهية يعاوده المرة تلو الأخرى. هو يطفح به، بنفس الطريقة التي يطفح بها بعض الناس بالحب؛ وكانت هذه الكراهية هي التي أجبرته على كتابة هذه اليوميات، ومن ثم، حين أنهاها ذات مساء، أخذها في علبة صغيرة وخرج ليخبئها في الغابة على أرضه، لأن اكتشافها، كما يمكنك أن تتخيّل، سينتج عنه الحكم بالموت (في النهاية، يُعتقل هو بجريمة، كانت عندذاك تعتبر خطيرة الى أبعد الحدود، ((إهانة التوسع الألماني))، بعد أن تشكّى في رسالة الى ناشره من أن التضخم المالي يدمّر تدريجيا تقدّم البلد. بعد ذلك تمّ نقله الى معسكر داشاو، حيث مات في عام 1945.
أخذ الكثير من الناس بالتفكير، خصوصا بعد نشر كتاب دانييل غولدهاغن"جلادو هتلر الطوعيون"، بالأكثرية الواسعة من سكان ألمانيا بكونهم مشتركين في اسوأ جرائم النازية؛ وجهة نظر سوداوية ومثيرة للجدل، وتعرّضت للهجوم منذ ذلك الحين. لكن إن رميت طينا، فإن بعضا منه يلصق، وغولدهاغن لن يكون مرفوضا بسهولة. كتاب ريك الذي منح في النهاية شهرة بعد وفاته، هو كتاب تصحيحي ذو قيمة.
لاعبا دور مالك الأرض المحافظ،، يوبخ بحقد عقول ’’ الجماهير ‘‘ الذين ليست لديهم إرادة فردية أكثر من تلك التي للنمل الأبيض، والمرددين بحماسة مثل الببغاء الشعارات الغبية للهتلرية. لكن هناك صوت الفطرة السليمة في العقل البافاري، يؤكد ريك لنا، خاصة وسط الطبقة العاملة (هو شكاك بعمق بالطبقة الوسطى التي اندفعت أفواجا الى راية هتلر)، ويعطي انطباعا بأن جزءا كبيرا هاما من الألمان الجنوبيين هم في الواقع راغبون بانتصار الحلفاء، لأن انقاذ ألمانيا يكمن فقط في تدميرها.
يمكن لريك احيانا أن يكون نفّاجا، لكن نثره جيد جدا، وأحكامه ذكية جدا – حين يتحزّر بالمستقبل فهو في الغالب على حق – بحيث أن موقفه يكون منطقيا. أفكاره عن المسيحية هي أيضا تستحق الإنتباه، سواء أكنت متدينا أو لم تكن. ومن المبهج أيضا ملاحظة أنه لم يكن هناك أثر فيه من معاداة السامية، وأنه تنبأ بأن المواقف النازية من اليهود ستقود البلاد ذات يوم الى قدرها المشؤوم.
في هذه الأثناء، يخترع هو أسماءً لهتلر – ’’ مسيح الطبقة الوسطى الدجال ‘‘ أو ’’ مكيافيلي خادمات غرف الفنادق ‘‘ – ويشجب بألفاظ جارحة الذهنية البروسية التي سمحت لرجل مثل هذا بالإزدهار. هو أيضا ينتقد بقسوة الضباط الذين كانوا وراء محاولة الإغتيال في تموز 1944 – برغم أنه كان يتمنى نجاحها – لأنهم خانوا الجمهورية والملكية معا. هذا الكتاب هو واحد من أكثر الوثائق الشخصية اهمية التي ظهرت عن الحرب.
عن الغارديان