رجل لا عقلاني ... لا الجريمة  كاملة ولا الفيلم

رجل لا عقلاني ... لا الجريمة كاملة ولا الفيلم

إبراهيم العريس
أمران يبدو أن وودي آلن يشعر بأسى دائم لأنه لم يحققهما في حياته: أولهما أن يكون كاتباً على غرار ومستوى دوستويفسكي، وثانيهما أن يجد نفسه بين ليلة وضحاها، فيلسوفاً من طينة باروخ سبينوزا. ليس هذا استنتاجاً من قبلنا، بل نجده، مزروعاً كأفكار وأمنيات ضمنية في ثنايا العديد من حوارات أفلامه، كما في بعض كتاباته نفسها، حيث لم يفته أن يعبر عن أمنيته المزدوجة هذه، أو على الأقل عن أمنيته الثانية، المتعلقة بفلسفة سبينوزا.

أما بالنسبة إلى دوستويفسكي، ففي وسعنا أن نراه في خلفية ما لا يقل عن فيلمين من بين أفلام وودي آلن «الأوروبية»: «ضربة المباراة"و «حلم كاسندرا». واللافت أن هذين الفيلمين صورهما وودي في لندن ليخوض بهما موضوع الجريمة ومبرراتها من منطلق سجالي لا شك في أنه يحمل الكثير من الالتباس، لا سيما في «ضربة المباراة"الذي يعتبر من أبرز أفلام وودي آلن الأخيرة، والذي كانت الإحالة فيه إلى دوستويفسكي واضحة، شكلاً ومضموناً، شكلاً من ناحية الاستعارة المباشرة في مجال النقاش الفلسفي والسيكولوجي حول مفهوم الجريمة وضرورتها أحياناً، حين لا يجد بطل الفيلم أمامه، كي ينقذ حياته وأسرته الصغيرة ونجاحه الاجتماعي، إلا أن يقتل عشيقته التي باتت تشكل إزعاجاً له، ثم في طريقه يقتل جارتها العجوز قتلاً يبدو مجانياً، لكنه يجد له مبرراته لاحقاً. أما في «حلم كاسندرا» فإن السجال حول الجريمة يبدو أقل وضوحاً، بحيث يلتقي في المضمون مع «ضرورة الجريمة» في «ضربة المباراة».

حكاية أستاذ الفلسفة
رأينا هنا أن لا مفر من إيراد هذه المقدمة بصدد الحديث عن آخر أفلام وودي آلن، «رجل لا عقلاني»، الذي عرض في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان"السينمائي، إنما، كعادة مشاركات وودي في هذا المهرجان، خارج المسابقة الرسمية. صحيح أن الفيلم شكل نوعاً من الخيبة لمنتظريه الذين رأوا أنه، على «خطورة» موضوعه، لا يرقى إلى مستوى «ضربة المباراة»، لكنه بالنسبة إلى صاحبه تمكن من أن يجمع الأمرين اللذين بهما افتتحنا هذا الكلام: جمع فيه المخرج- الكاتب، رغبتيه الفكريتين، فجاء من ناحية ذا لون فلسفي– إنما على الطريقة السينمائية التبسيطية- ومن ناحية ثانية ذا لون سيكولوجي/ أدبي يعيدنا إلى دوستويفسكي والنقاش الأبدي حول «الجريمة» و «ضرورتها».
بالنسبة إلى الفلسفة، لا تبدو حاضرة في عمق الفيلم، بل على سطحه، حيث اختار وودي لبطله هذه المرة أن يكون أستاذاً شهيراً للفلسفة معروفاً في الحياة الجامعية الأميركية، هو آب لوكاس (لعب الدور بغير كبير اقتناع كما يبدو خواكين فونيكس). ومنذ بداية الفيلم، نتعرف على هذا الأستاذ قبل حضوره من خلال تناقل أخبار نقله إلى «برايلن كولنج»، الجامعة، المتخيلة، الواقعة في بلدة جامعية أميركية صغيرة، يكاد كل أهلها يعرفون بعضهم بعضاً ويعيشون حول الجامعة وحياتها. فمن لقطة إلى أخرى هنا، وفيما نحن نتعرف على بعض الشخصيات التي سوف تلعب دوراً فرعياً، أو أساسياً في الفيلم، نتعرف كذلك على أستاذ الفلسفة: إنه شخص لامع وزير نساء اعتاد أن يقيم علاقات مع طالباته الشابات، تركته زوجته منذ حين لتلتحق بصديق له، وهو ساخر صريح، يكاد يكون فوضوياً في أفكاره وتعابيره.

انسداد غير متوقع
إثر هذا يصل لوكاس إلى المكان... وسنكتشف بسرعة أن الشائعات التي سرت في حقه قبل وصوله، لم تكن بعيدة جداً عن الحقيقة، لكنها كانت تحمل شيئاً من المبالغة، وعلى الأقل في ما يتعلق بكونه زير نساء. فهو، بالفعل قد يكون كذلك، لكن الأحداث الأخيرة في حياته أحدثت لديه، كما سوف نكتشف بعد قليل، نوعاً من الانسداد العاطفي والجنسي. طبعاً تصرفاته أول الأمر لن تشي بها، لن تكشفه. سوف نكتشفه بعد حين بأنفسنا، حين يحدث للوكاس، ما إن يستقر في المكان، أن يجابه بعلاقتين متاحتين له، حيث «تندفع» نحوه من ناحية زميلته المدرسة ريتا، التي تماثله سناً وتأزماً في الحياة الشخصية وانسداداً في الحياة الزوجية والعاطفية مع زوج لا يعيرها اهتماماً، ولم تعد هي تبالي به. ومن هنا نراها تلتصق بآب لوكاس آملة أن تجد لديه تعويضاً.
ومن ناحية ثانية هناك الطالبة الحسناء جيل (ايما ستون في أداء أخاذ يؤكد ما يقال من أنها صارت الآن بعد فيلمين مع وودي آلن ملهمته الجديدة، إذ كانت مثلت معه بطولة فيلمه السابق «سحر تحت ضوء القمر»). جيل ليست مندفعة مثل ريتا، لكنها مليئة بالفضول، وفضولها هذا – الذي نتبينه من خلال مناقشات طريفة تجريها مع صديقها الشاب الذي يحذرها من الوقوع في براثن الأستاذ - يجعلها تقبل التحدي لتقيم صداقة حوار فكرية أول الأمر ثم عاطفية بعد ذلك مع لوكاس. ولكن، حين يقيض لتلك العلاقة أن تتحول علاقة جنسية، يجد الأستاذ نفسه أمام الانسداد نفسه الذي شعر به، مع المرأة الأخرى، ريتا.

الجريمة... الجريمة
ليس من السهل طبعاً على أستاذ للفلسفة يملأ حواراته اليومية بعبارات مستقاة من هيغل وكانت، ويتحدث عن سارتر وكيركغارد وكأنهما جاراه في البيت، ويسخر من كل فكر ثابت ومن كل يقين جاهز، ليس من السهل عليه أن يقبل بذلك الفشل الذي يكاد يدمره، ويدمر إمكانية إقامته أية علاقة مع امرأة... فما العمل؟
حين يكون آب جالساً في مطعم ذات يوم دون أن تخطر الجريمة الكاملة في باله، يأتيه الحل من حيث لا يدري، وبالتحديد من خلال الجريمة الكاملة. صحيح أنها ليست جريمة مجانية كقتل بطل «ضربة المباراة"عشيقته وجارتها، ولا جريمة «اقتصادية"كتلك التي يطلب من بطل «حلم كاسندرا» اقترافها، لكنها جريمة تنطلق من عدم وجود الدافع المبرر لها، بالنسبة إلى لوكاس نفسه على الأقل، وإن كان الظرف يوفر له المبرر الأخلاقي الذي كان لا بد منه، والسبب الفلسفي الذي يختبئ وراءه. فخلال تلك الجلسة في المطعم، يرى آب، قاضياً جالساً يتناول عشاءه بهدوء ودعة، لكنه يسمع امرأة تجلس إلى جانبه، تشكو من أن هذا القاضي سيحرمها حضانة طفلها من زوجها الذي يطلقها، لمصلحة هذا الزوج. ها هو عمل غير أخلاقي إذاً، ينوي القاضي اقترافه. فماذا لو يعاقبه بالقتل؟ لن يستغرق أستاذ الفلسفة طويلاً قبل أن يتخذ قراره إثر سجال في داخله. ثم يرسم خطته الدقيقة المحكمة التي لا يمكن لاكتشاف الجريمة أن يقود إليه. ويقتل القاضي بالفعل.
هذا الفعل، يمحو على الفور ذلك الانسداد لدى آب لوكاس، فيقبل على علاقته مع ريتا، على الأقل، بقوة وحماسة، من دون أن يكتشف أحد سره أول الأمر. وتكاد الأمور تنتهي بالنسبة إليه على أفضل ما يرام، كما حدث من قبله لبطل «ضربة المباراة»، غير أن هذه النهاية كان يمكن أن تبدو هنا غير أخلاقية وغير فلسفية. غير أننا سنوقف حديثنا هذا عن الفيلم، لأننا نعرف أن كثراً من قرائنا قد يرغبون في مشاهدة هذا الفيلم، ولن يكون من المنصف في حقهم، كما في حق الفيلم، أن نكشف عن نهايته التي تختلف كلياً عن نهاية «ضربة المباراة»، ولكن كذلك عن نهاية «حلم كاسندرا»، وهما الفيلمان اللذان تعود الذاكرة اليهما بالتأكيد عند مشاهدة «رجل لا عقلاني». غير أن هذا التكتم لن يمنعنا من الإشارة إلى أن الفيلم في نهاية الأمر، لم يأت مقنعاً، لا في بناء شخصياته، ولا في تتابع أحداثه، وإن كان من الإنصاف أن نقول أنه نجح في كونه فيلماً مسلياً، ذكياً، وذا حوارات مميزة، لا سيما تلك التي أطلقها وودي آلن على لسان بطله خلال إلقائه دروسه الفلسفية في الصف الجامعي، حيث بدت الحوارات أشبه بتصفية حساب بديعة قام بها وودي آلن مع الفلسفة التي لم تمكن من أن يتحكم بها، أو ببعدها التقني على الأقل. أما بالنسبة إلى إدارة الممثلين، فواضح أن وودي آلن، الذي كان يعرف مسبقاً أنه إنما يستعين هنا بمؤدين مميزين، أدرك أن في إمكانه أن يعتمد عليهم، فتركهم يغردون كما يريدون، لكن النتيجة أتت أقل ارتباطاً به وبأسلوبه مما كان يتوقع، باستثناء ايما ستون التي بدت الأكثر تطبيقاً لأسلوب آلن، إذ عملت معه هنا للمرة الثانية، ويبدو أنها استوعبت دروسه تماماً إلى درجة تؤهلها بالتأكيد للعودة إلى العمل معه في فيلم مقبل.

عن الحياة اللندنية