محاولات تنبؤية للكاتب الروسي بولغاكوف في مجموعة من أعماله المختارة

محاولات تنبؤية للكاتب الروسي بولغاكوف في مجموعة من أعماله المختارة

اوراق
الأدب رسالة  وهدف، فإن لم يكن كذلك فلا فائدة من وجوده، وهذا ما حرص عليه ميخائيل بولغاكوف الكاتب والأديب الروسي في جميع أعماله الأدبية التي قدمها، وخصوصاً في رواية"قلب كلب"والتي حاول من خلالها إيصال رسالة تنبؤية عن المجتمع الروسي بعد الحرب. لبولغاكوف"أعمال مختارة"صدرت عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون بطبعتها الأولى عام 2015

وتضمنت هذه المجموعة"رواية قلب كلب، ورواية بيوض الشؤم، ومجموعة قصص قصيرة"ترجمها الكاتب عبد الله حبه.
ذكر المترجم في مقدمة هذا الكتاب أنه بالرغم من قلة أعمال بولغاكوف إلا أنه استطاع أن يتصدر كتّاب الأدب الروسي في القرن العشرين، ذاكراً انه واصل تقاليد الأدب الكلاسيكي الروسي ذي النزعة الإنسانية والبعيد عن الايدولوجيات. وقد بدأ بولغاكوف بكتابة النصوص المسرحية والتي كانت تناسب مرحلته الثورية، وكان مصير بولغاكوف يتسم بمسحة دراماتيكية منذ توفي والده وعانت عائلته العوز ومشقة الحياة، لكن بذور موهبته تفوقت على ذلك فقد كان منذ طفولته محباً لأدب والفن والموسيقى والمسرح، وقد امتزج اسلوبه الأدبي المتسم بالشاعرية المتفتحة والطليقة بالكلام اليومي الذي يتردد في الشارع ما جعل قراءته مسيرة سهلة لدى القارئ المثقف والبسيط على حد سواء، وكان بولغاكوف يلتزم بالدقة في وصف الحدث وتحديد زمانه ومكانه بأسلوب ريبورتاج لحد ذكر التواريخ والأماكن في المدينة بدقة متناهية وهذا يرتبط أيضاً بعمله كصحفي وكاتب ريبورتاجات وطبيب ممارس يتوخى الدقة في كل شيء، وقد نشرت كتاباته بفضل جهود ارملته يلينا بولغاكوفا التي سلمت ارشيفه فيما بعد إلى مكتبة لينين بموسكو.
في رواية"قلب كلب"تدور الأحداث حول التجربة العلمية التي يقوم بها البروفسور بريوبرا جينسكي والذي يقوم بنقل الغدة النخامية لرجل قتل حديثاً إلى دماغ الكلب شاريك وبهذا يتحول الكلب إلى هيئة رجل دميم، لتجتمع صفات الكلب الذليل الجائع مع صفات الانسان المانح والمدمن على الكحول من أصحاب السوابق.
وهنا يصعب على البروفسور ترويض هذا الكائن وتعليمه السلوك الحسن، فبين مختلف الأنشطة المتاحة يختار الكائن الناتج عن هذه التجربة العلمية السيرك كهواية ثقافية رافضاً التوجه للمسرح، وتدخل في أحداث الرواية شخصيات تحاول جذب شاريكف لأن يكون ماركسياً اشتراكياً إلا أنهم يفشلون في ذلك.
وهنا يُجسد الكاتب شخصية شاريكف الذي يتميز بالتخلف العقلي والانحطاط الأدبي والأخلاقي إضافة إلى النزعة الطفيلية، وقد وجد الكاتب تطويراً لهذه الشخصية بفعل الشعار الثوري آنذاك"من كان لا شيء سيصبح كل شيء".
وهنا برزت قدرة الكاتب الابداعية وعبقريته حيث تنبأ بما سيحصل في روسيا من انتشار وسيطرة التافهين والعدائيين والسفهاء أمثال شاريكف، والذين انتشروا كالفطر بعد سقوط المطر وخنقوا كل شيء جميل وشريف وفاضل، وبين الكاتب ظهور هذا الكائن الجديد كوجه اجتماعي قريب جدا للسلطة، بذلك لم يكن عبثاً أن يجد مكانه بسهولة في هذه البلاد.
ثم يبين لنا بولغاكوف كيف يتم تطوير هذا المخلوق ليصبح أكثر عدائية ووقاحة وهنا يرغم القارئ  الذي يحصل على متعة الصور الساخرة والتعليقات الظريفة لأن يشعر بالخطر الذي سيحل في حالة استفحال وجود شخصيات مثل شاريكف .
ويتضمن الكتاب  ايضا راوية"بيوض الشؤم"والتي تتحدث عن شخصية البروفسور بيرسيكوف، في صراعاتها واضطراباتها بين حياته الشخصية والعلمية وكيف واجهته الصعوبات والتحديات من غياب العمل باعتبار انه كان عالما مختصا في الحيوانات. وتجسد هذه الرواية اثني عشر فصلاً تبحث في علاقات البروفسور المختلفة مع محيطه ومع الأحياء الأخرى وكيف انه يبحث عن أماكن بعيدة عن القلق والضجيج لإصدار أبحاثه ومؤلفاته لحين ما تقوم البلدية في امريكا بحل أزمة السكن من خلال بناء مساكن وهنا يوسع البروفسور غرفته ويرتب مسؤلياته وكتبه ويشهد صيفاً مليئا بإصدارات الكتب والبحوث.
وتضمن أيضاً الكتاب مجموعة قصصية تتألف من ثماني قصص من بينها المورفين والمنشفة المطرزة والعاصفة الثلجية وغيرها والتي تتحدث كل منها في موضوعات مختلفة  .