باريس الأخرى.. عبق الجذور وجماليات الماضي

باريس الأخرى.. عبق الجذور وجماليات الماضي

يطلقون على باريس، العاصمة الفرنسية، أنها «مدينة النور». وهي من أكثر مدن العالم استقبالاً للزائرين الذين يقصدونها بالملايين كل عام. إنها مدينة متحف اللوفر وبرج ايفل وقوس النصر والعشرات من الصروح ذات الشهرة العالمية.

ويتردد القول حولها انها مدينة الأطعمة المتميّزة ودور الأزياء الأكثر رقيّا في العالم ومدينة الفن والفنانين وملتقى الشعراء والكتّاب والمبدعين في جميع الميادين وأشياء أخرى كثيرة.

لكن هناك «باريس الأخرى"التي يكرّس لها تحت هذا العنوان «لوك سينت»، الكاتب الأميركي من أصل بلجيكي، والذي كان قد خصّ بالعديد من أعماله مدينة نيويورك، عمله الأخير.. و«باريس الأخرى"التي يتحدث عنها هي تلك التي كانت في الماضي غير البعيد جداً «مدينة الفقراء والمهمّشين والهائمين ــ اختياراً ــ خارج منازلهم بدون هدف والجانحين الذين يقومون بنشاطاتهم الخارجة على القانون في وضح النهار والمتسكّعين وكثير من النماذج الأخرى. كل هؤلاء كان لهم وجودهم في باريس الأخرى».
وعلى مدى صفحات هذا الكتاب التي تزيد عن ثلاثمئة صفحة يعيد «لوك سينت» للذاكرة باريس القديمة، «الأخرى»، كما يشير في العنوان، التي «اختفت تقريبا» ولكن التي عاشت حتى القرن التاسع عشر وبقيت آثارها «محفورة على بيوت القرميد وعلى حجارة المدينة المعاصرة». ويشير المؤلف أن بعض تلك الآثار تجد ما يدلّ عليها في «ثقافة فرنسا ذاتها» حتى اليوم.
وإذا كان المؤلف يؤكّد على "اختفاء" باريس «الأخرى»، القديمة، بدرجة كبيرة من الواقع العمراني اليوم، فإنه يؤكّد على أنها «باقية في النصوص والأغاني والصور والذكريات». وكذلك في بعض «المخابز القديمة» وفي العديد من المهن «التقليدية». ومن السمات التي يؤكّد عليها المؤلف بالنسبة لباريس هي أنها «لم تتغيّر كثيرا من حيث العمران منذ العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر»، وبالتحديد حتى حقبة حكم نابليون بونابرت.
ويركّز المؤلف في تحليلاته على العلاقة الوثيقة بين الواقع العمراني للمدن وبين نمط الحياة الاجتماعية فيها. من هنا يعود إلى عملية تهديم آلاف المنازل بباريس في القرن التاسع عشر، بأوامر من نابليون وبتنفيذ «البارون هوسمان»، وإعادة بنائها بالطريقة الرائعة معماريا التي نشهدها في شوارع باريس اليوم.
ويرى المؤلف أن ذلك المشروع الرامي حسب التبريرات المقدّمة له إلى «تحسين منظر المدينة» كانت له أيضا أهدافه في مجال «الرقابة الاجتماعية». ويتم في هذا السياق وعلى مدى العديد من الصفحات تقديم مقارنة بين قاموس العمران في المدن وبين «الوظيفة الاجتماعية"للمشاريع العمرانية.
هكذا يشير المؤلف أن «الشارع العريض"اقترب من وظيفة «الحاجز»، بل ويشرح أن «الأصل اللغوي للكلمتين» واحد في اللغة اللاتينية. وفي نفس النهج من التفكير والتحليل يشير أن قسماً كبيراً من الشرائح الشعبية في باريس أطلقوا على «هوسمان"عندما هدم البيوت القديمة لقب «اتيلا»، القائد «البربري» الذي غزا أوروبا.
ومن الأفكار التي يطرحها المؤلف بأشكال و«صور"متعددة ومتنوّعة أن باريس «تشبه بقية مدن العالم، لكنها بالوقت نفسه تختلف عنها». هذا الجانب «المختلف» هو الذي يثير اهتمامه، وهو الذي يريد الكشف عن خباياه. هكذا يصف المدينة بالقول انها «مترّاصة ومنكمشة على نفسها، إنها دهليز».
وكما هو الأمر بالنسبة للدهاليز يشير المؤلف أن «ماضيها يبقى حاضرا». من هنا بالتحديد ايضا يولي أهميّة كبيرة للخوض في تاريخ باريس للتعرّف على هويتها الحقيقية. ويرى أن الطريقة الأفضل والأمثل لفعل ذلك هي «التجوّل المرفق بالانتباه الكبير"لرصد مختلف التفاصيل، وعلى أن يتمّ ذلك انطلاقا من المحيط وليس من المركز. هكذا يجد القارئ في هذا العمل الكثير من التوصيفات والتفاصيل لأشياء تمتد من «مقبض باب قديم» إلى «أجواء صالات الاحتفالات الكبرى».
وعبر «باريس الأخرى"يستعرض مؤلف هذا الكتاب الكثير من ملامح الحياة الثقافية والفنية والاجتماعية التي كانت تعجّ بها باريس «عاصمة القرن التاسع عشر». هكذا يجد القارئ نفسه في أحيان كثيرة برفقة هونوريه دو بلزاك وفكتور هوغو وشارل بودلير وكُثر غيرهم. ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب عميق المعرفة بالأدب الفرنسي عموما وبأدب القرن التاسع عشر بشكل خاص.
ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب أراد أن يكون في موقع «الدليل السياحي في مسالك ماضي باريس». ولا ينسى أن يلتقط «الصور» التي تدلّ على ذلك الماضي حيث يوجد منها الكثير لترافق توصيفات العمل. إنه يرصد كل ما يراه في شوارع الأحياء القديمة وأزقّتها، لكنه يقوم أيضا بـ«التنقيب»، على غرار علماء الآثار، في أقبيتها ودهاليزها.
ومن الواضح أيضا أن مؤلف هذا الكتاب يريد أن يرسم صورة للواقع الذي كانت تعيشه باريس في القرن التاسع عشر مهما بدا متناقضا مع «الأفكار المأخوذة عنها»، وعن «الأحياء الراقية الجميلة» التي تجذب إعجاب من يراها اليوم. ويركز بشكل أساسي على إبراز سمة «التفرّد»، بل و«التمرّد، التي اكتسبتها خلال تاريخها.
ذلك بالمعنى المنقول عن الكاتب والفيلسوف ومؤرّخ الفن والناقد الشهير"والتر بنجامان"ومفاده"باريس هي حالة معترضة في المنظومة الاجتماعية بمقدار ما هو بركان فيزوف في منظومة الطبيعة". ويضيف ما يعني أنه كما أن"حمم فيزوف"تتحوّل إلى أرض خصبة للزراعة"عندما تبرد"فإن باريس تغدو بعد فورانها"أرضاً خصبة للفن والأزياء".
كتاب عن باريس التي قال عنها ذات يوم الفنان الناقد"غي ديبوس"ان"الكثيرين يفضلون العيش فيها فقراء من أن يعيشوا في أماكن أخرى أثرياء". ويقود المؤلف قارئه إلى"أحياء باريس القديمة"حيث لا تزال آثار المسارح الشعبية وصالات الاحتفالات.

عن البيان