الفنان أحمد محمود في كتاب البصرة.. شعر الفوتوغرافيا وبلاغة اليومي

الفنان أحمد محمود في كتاب البصرة.. شعر الفوتوغرافيا وبلاغة اليومي

ناجح المعموري
صيد الصورة للشعر وفير وغزير،هذا ماعرفته القراءة ،لكن الصيد من الماء مجهول ،وغير معروف،لقد واجهنا الصيد وحلم الانتظار بتحقق ما يريده الاثنان وهما يمارسان هواية المطاردة الى الكامن في خفايا الماء .التضاد واضح بين الشخصين، لكن المشترك بينهما متعدد، ومتنوع. الطاقة الشعرية في الصورة راشحة من اللحظة التي سرقت انتباههما العدسة.

وهما يراقبان اربعة سنانير،خلقت تناظرا في الجزئيات الجسدية. الحياة حاضرة، ممتلئة ، وهما صامتان بترقب لا أحد يعرف قسوته الا التأمل وانحناءة الرأس وهو يطارد سطح الماء.التضاد طاقة كامنة في كل الفوتوغرافيا ومنحت كتاب البصرة أسرار الماضي وحقائق الحاضر وسرديات الآتي.
هذا فعل الصورة التي غادرت فضاء الفوتوغرافيا واختارت مجال الحديث الممسك به،عبر عين امتلكت حساسية عالية ودقة مثيرة للإدهاش.صيادان للسمك أو الأحلام،
هواية المجانين للإفلات من دوران الزمن،كي يسجلا الاستمرار بصداقة الماء منذ الطفولة وحتى لحظتهما المشتركة . واختارا معا مجاورة لكتف معبر حديدي .طافيان ، محمولان فوق سطح الماء يرنوان لارتجافة الماء المعطلة. الملاحقة بمجهول ، ربما تتوفر عليه حساسية الهواية والخبرة الموروثة من شعرية العلاقة الطويلة والعميقة مع الماء. فالماء كتاب البصرة وسيرورته قائمة ومستمرة منذ الخليقة.
تعرّف المتلقي على شفرات في صورة الغلاف ، وظلت عقده ماثلة أيضا، قادته نحو مدونات فوتوغرافيا الماء، فما زال التعامل والرضا بالغرق وسط أحلامه مرويات كانت وما زالت وستظل زاحفة وممتدة وموروثة ،تومئ لزمن كان قاسيا وطعم مرارته حريق وتحول حاضرا،الصورة تمسك بزمنها ، ولاتغادر حاضرها. صورة الغلاف واحدة ،لكنها كتاب من الفوتوغرافيا والأناشيد المائية ويوميات البصرة التي بقيت وعنادها له رسائل حاضرة في مرويات الحرب الباقية والتي سكنت ذاكرة المدينة ومنحتها حياة ليست مثل حياة المدن البعيدة عن رماد الموت .
حافة الشظيّة هي المرويات المتحركة، المتداولة، المستدعية للجزء بوصفه كلا، ويصدمنا الجزء الذي في الصورة، انه غياب وحضور، ثنائية الكينونة وانطولوجيتها . الجزء يختزل الغائب بقصدية الغياب،يلتقط صورته وينتقي منها ما نريد . تجربة ابتدأت تتسع كثيرا في الفوتوغرافيا العراقية ،هي تجربة كردية منقولة من الخارج ولعب عليها الشاعر صفاء ذياب وأعلنها قوية ،ذات ايقاع مثير للإدهاش،كرسالة حيّة ، ترفض الخرس أو الموت .لتقول لنا بأن حساسية عين الفنان تشحن الجزء بما يومئ لحياة الغائب من الجسد .وما يختاره الفنان كاف تماما كي يتماهى مع الشعر النصي المجاور. والتوظيف المتبادل مجال فني جديد،للصورة دور جوهري في وفرة المعنى الذي يتوصل اليه المتلقي بمعنى تحولت الفوتوغرافيا الى عامل مساعد في تشكل الرؤية النقدية.مثلما يلعب النص الشعري حركة البحث في متجوهرات الصورة ،يوفر ويتضاعف حضور الشعر، من النص أولا والصورة ثانيا . ويزداد حضور الشعر في الحياة ، ويتحقق تآلف وتآزر بين الانسان والشعر،يأتي اليه من أشياء يومية /معروفة ،مألوفة ،فقط،هي بحاجة لما يذكر بأنها حاضنة للشعر .
ومعانيه سريعة ،ستساعدنا للتوصل الى وجود موقف انطولوجي ،كاشف عن علاقة الأنا/ الذات /الفنان مع الآخر. مجاورة الصورة مع النص الشعري،حيازة للكامن فيه من انزياحات فنية وتتعامل معه باعتباره روحا للصورة ،على الرغم من ان النصوص مكتوبة قبل التقاط الصورة،لكن ذكاء أحمد محمود في التعرف على النص ،والوصول اليه ،عامل مساعد وبقوة لأيجاد كينونة خاصة ،
وجديدة للصورة ،بمعنى التوجه نحو زمن آخر،غير زمن النص،أو زمن الصورة .وملاحقة الزمن في الفوتوغرافيا اضاءة للواقع،ولما كان قبلا،ودائما الفوتوغرافيا كامنة في الماضي. وتخلخل الفوتوغرافيا التكتم حول اليومي،الذي تذهب نحوه الصورة بقوة وبسرعة ،لأن هذا الفن يسعى دائما للكشف عن النقاب ،وكل ما تمسك به الكاميرا هو كشف.
هذه الملاحظات احتفائية سريعة للتبشير بحضورفنان مهم في مجال الفوتوغرافيا وحاز رؤية خاصة به وان جاور تجارب بصرية مهمة .ان احمد محمود مالك رؤية للتعامل مع الفعل المعقد. والعودة الثانية له ليست بعيدة .لنحتفل بهذا الفنان .انه أحمد محمود وكتاب البصرة.