رانة نزال:  هموم نائية الليل

رانة نزال: هموم نائية الليل

حسب الله يحيى
الهموم اليومية التي تثقل كاهل المرء؟ من شانها ان تقوده الى الاحباط والانكفاء والعزلة التامة عن الاخرين، مثلما تملك التأثير الاخر المقترن بتوظيف هذه الهموم اليومية والتوجه الى الشروع في اتخاذ مسارات اخر، ومنطلقات تختلف عن سابقاتها.

والشاعرة الاردنية رانة نزال في مجموعتها الشعرية"نائية الليل"الصادرة عن دار ازمنة / عمان 2012 تمثل المنطلق الثاني القائم على التأني ومراجعة الهموم التي تشغل بالها، بهدف اتخاذها سبيلا يلي التجارب المرة، والعقبات الصعبة التي واجهتها في مسيرة حياتها.. وهو سبيل ابقى وانفع واكثر جدوى واعمق حرصا ونباهة.
"وعلق على مشجب الرمل صورتها الوارفة / غط عفافها / وشواهدها فتلك نائية الليل الاشد../ جموعا ونحيبا.
هذا الواقع المر، هو الذي جعل الشاعرة تنشد في قصائد لاحقة:"فيا عين عيني / ياسليل الحكايا الهنية/ يا ابن اكثر من شجر في / علمني / حكمة الاصطبار.. وعفة الصفرة التي تربي علاك في".
هكذا يصبو الوعي الى مواجهة الهموم، والتوجه الى منطلقات لافتة ومعطيات بديلة، تخرج من ثقل اعباء الحياة منتقلة الى عوالم جديدة تفتح امامها الافاق تقول:
"طيرني / لعلي اتأمل/ كيف يؤجج العسل نحلاته / وتجري انهاره في بغزلانها الشاردة / قوافل قوافل / تسير لوجهة قناديلها مطفأة في عيوننا / ومضاءة في الخطى التي لا تضيع حدسها / في وجوه الحرائر المجهدات / طير ريشي / فجناحاي مثقلان بما لا يليق بهذا الفضاء من ذنوب وجراح".
ان الشاعرة هنا، تخرج من الاعباء الثقيلة المحيطة بها، برؤى متفائلة، واحلام متفتحة، هو التوجه السليم الذي يجعل الحياة حية.. ولها القدرة على استثمار ذاك الواقع المر، ليكون مفتاحا يؤدي الى فضاءات متفائلة جديدة يطمح اليها كل انسان..
وهذا هو شأن المثقف العضوي كما اراده غرامشي ان يكون فاعلا في المجتمع، غير منكفىء ولا يعيش في عزلة بعيدا عن هموم ومشاغل الناس.
نعم.. قد تكون هموم رانة نزال ذاتية الى حد كبير، الا ان غنى الوعي الذي تحمله يجعلها في منأى عن ضغوط هذه الهموم التي تكبل عليها الروح والذاكرة لتتجاوزها منطلقة نحو رحاب متسعة خارج المصدات التي تعمل على تحجيم دورها وممارسة الضغوط النفسية على مسار حياتها تقول:
"لتحرسني عين عينه/ ولاجلبن هدوئي سليل سيوفي الدامية / واين قلبي المفجوع / وحفيد دمي الفائح / لاعلمنك حكمة السواد / وحيرة البصيرة".
صحيح ان رانة نزال تكرر بعض صورها الشعرية مثل"عين عيني"في اكثر من قصيدة مثلما تكرر النداء الاثير والمرتجى، الا ان هذا لا يحول دون التأكيد على عطائها الشعري الدافق، واتساع رؤيتها نقرأها لها:
"يا ابن اكثر من شجر يا ابن السقام الذي هد ريشي / والمقام الذي / غاص بي في المرارات / يا ابن اكثر من شجر في / ومن فضل منسي في تجاعيد الورق / هدلت باسمك / فاعشوشب الحرف".
من هذا المنطلق بدأت الشاعرة عالمها الشعري الفائق، ومنظورها الاجمل في تحقيق رؤيتها نحو العوالم المستقبلية، من دون ان يكون لتلك الهموم وطأة تأخذ بها الى جفاف الحياة وصحراوية الروح.
انها على العكس من ذلك تقول:"اربي الصبر ومثل هذه التربية، لا تعجل بقلب الصفحات ولا التجاوز عليها، ولا اهمالها سلبيا بمعنى اللامبالاة، بل هي تعمل على تربية الصبر نفسه وتوظيفه وتجنيده ليكون في صالحها.. صالح الاتي من صفحات حياتها اللاحقة.. ذلك ان الحب عندها اسئلة..
"هو الحب / اسئلة شوك / ماء المعنى".
وكل حب يمتلك اسئلته / معني بان يحذو حذو المعاني التي ترسم له سعادته الاتية، الا ان يكون هذا الحب مجرد جواب جاهز لما كان الحلم يشكله من رجاء.
من هنا نتبين ان هذه الشاعرة تتخذ من العقبات والهموم المحيطة بعوالمها. سبيلا يتيح لها الفرص لكي ترى الاشياء بمنظور جديد، لا يرى في الهموم حالة ظلامية ميئوس منها ومفروغ من اوضاعها المحبطة، وانما هي روافد حياتية، قد تجف احيانا وتبدو ظمأى لا رجاء من وجودها، وقد ترى فيها طريقا شق لنفسه الحضور الذي يمكن ان تتدفق فيه الحياة لاحقا، ومثل هذا الرجاء والتعلق باهداب الامل، هو الذي يجعل الشعر حضوره وبهاؤه في حياتنا اليومية.
انه العزاء والامنية المرتجاة، التي يجعل من الواقع على كل سلبياته ممكنا للعيش ممكنا لتدبير لا على وفق الاستسلام له، وانما على مستوى النظر اللاحق الذي يمكننا من مواجهة الحياة تحمل معها الاشراق والعطاء والبهاء.
رانة نزال وهي"نائية الليل"لا تجعل من حلكة العتمة الليلية التي تمارس الضغوط عليها.. محبطة وعاجزة عن اداء دورها بوصفها انسانة رقيقة وشاعرة مرهفة وانما تحولها هذه الهموم الى كائن يحتمي بالوجع حد تربيته وصهره ليكون في متناول هذه الصبوات الحية والنامية والمعطرة في حياة هذه الشاعرة البهية.. المتفائلة بالزمن الاتي.. والعالم الرحب الذي تصبو اليه.