مئة عام على حصار الكوت 1916 ..الحصار العسكري الاطول في الحرب العالمية الاولى

مئة عام على حصار الكوت 1916 ..الحصار العسكري الاطول في الحرب العالمية الاولى

سعدون ثامر
بعد دخول القوات البريطانية البصرة،بدأت بالزحف نحو بغداد عن طريق مدينة الكوت التي احتلتها في 29/ايلول/1915،ثم واصلت تقدمها حتى منطقة (سلمان باك) لتحدث معركة بين القوات العثمانية والقوات البريطانية،حيث انهزم البريطانيون في تلك المعركة وخسروا اكثر من 30% من قواتهم،فما كان منهم الا التراجع الى الخلف فعادوا الى مدينة الكوت ليتحصنوا بها،

غير ان الجيش العثماني ضرب حصارا رهيبا على المدينة،عرف عنه انه اطول حصار حدث في الحرب العالمية الاولى حيث ان حصار الكوت لازال يدرّس في العديد من الاكاديميات العسكرية في العالم.
لقد اصبحت الكوت واحدة من اشهر مدن العالم في تلك الفترة بعدما شاع اسمها،واخذ يتردد ويتداول في وكالات الانباء العالمية،واتجهت الانظار اليها من جميع انحاء العالم باحثة عن مكان وجودها في الخرائط.
ويعتبر حصار الكوت اكبر فاجعة وقعت لاي حملة عسكرية بريطانية،وكتب لهذا الحصار ان يدون بصفته اكبر هزيمة لبريطانيا،بعد حصار دام (147) يوما اضطر فيها (13،000) عسكري بريطاني وهندي للاستسلام للقوات العثمانية،ولم يقف الامر عند هذا الحد فمن بين هؤلاء الـ(13000) اسير لقي (7000) منهم حتفه في طريق الاسر الى اسطنبول،فيما قتل حوالي 23،000 اخرون اثناء المحاولات البريطانية المستميتة لفك الحصار عن قواتها في الكوت والتي باءت جميعها بالفشل الذريع.

الجنرال غولدز
وكان الجنرال الالماني (فون در غولدز) قائد الجيش العثماني السادس،هو مهندس حصار الكوت،وكان يومذاك قد تجاوز عمره السبعين عاماً،ويعتبر من عظماء القواد العسكريين في اوربا،وله مؤلفات عديدة في التاريخ العسكري.
وكان (غولدز) قد وصل الى بغداد في كانون الاول 1915 وبصحبته ثلاثون ضابطاً المانياً،واستقبل استقبالاً حافلاً وخصصت له دار سكنية على ضفاف نهر دجلة،ووضعت تحت تصرفه سيارة خاصة،مع العلم ان تاريخ دخول اول سيارة للعراق كان يوم 5 تشرين الاول 1915،وكان عندما يسير بها في شوارع الكوت يتعجب العراقيون من هذه الماكنة التي لاتجرها الخيول.
وقد درس (غولدز) الموقف العسكري في الكوت،فالتقى هناك بالقائد التركي نور الدين بك،ووقع خلاف بينهما حول الخريطة العسكرية التي يجب تنفيذها،فالقائد التركي كان يفضل شن هجوم على القوات البريطانية وملاحقتها حتى يتم القضاء عليها،مادامت الفرصة سانحة والضعف يعتريها،في حين ان (غولدز) كان يرى محاصرة هذه القوات من جميع الجهات وتضييق الحصار عليها حتى تضطر الى الاستسلام تحت وطأة نفاذ الغذاء والذخيرة.
عاد (غولدز) الى بغداد فوجدها نور الدين بك فرصة سانحة فقام بمهاجمة القوات البريطانية المحاصرة، الا ان محاولته تلك كان نصيبها الفشل فتكبدت قواته خسائر كبيرة دون ان تحقق شيء يذكر.
وبعد عودة (غولدز) الى الكوت مرة ثانية ومشاهدته النتائج الفاشلة للهجوم،اشتد الخلاف بين القائد التركي والالماني،فقررت القيادة العليا في اسطنبول الاخذ برأي (غولدز) بشأن خطة الحصار المضروب على القوات البريطانية وامرت بنقل نور الدين بك الى جبهة اخرى في (القفقاس) بعد ان كرمته على ما قام به من اعمال حربية.
لقد دام حصار الكوت من اوائل كانون الاول 1915 الى اواخر نيسان 1916،أي حوالي خمسة اشهر،وقد عانى اهل الكوت وكذلك القوات البريطانية المحاصرة فيها اشد انواع الجوع والبرد والعذاب.وكان عدد سكان الكوت يقدر في تلك الفترة بحوالي (6000) شخص،وقد فكر قائد القوات الربطانية (طاوزند) باخراجهم من البلدة لكي يتخلص من مشكلة اعاشتهم وتوفير الغذاء لهم.الا انه وجد معارضة من بعض القادة والسياسيين البريطانيين حيث اشار اليه برسي كوكس بانهم سيهلكون وسط الصحراء ويموتون من البرد والجوع،وقد يتعرضون الى التسليب والقتل من قبل قطاع الطرق،ومن شأن هذا الامر احداث دعاية ضد البريطانيين فيتخذ حجة للتشهر ببريطانيا والتشكيك بنواياها لتخليص الشعب العراقي من الحكم العثماني،فوافق (طاوزند) على هذا الرأي.

اشتداد الحصار على الاهالي
وتختلف المصادر في شدة المجاعة التي تعرض لها اهل الكوت ويمكن القول ان المجاعة الحقيقية لم تستفحل الا في المراحل الاخيرة من الحصار،لانهم قبل ذلك كانوا يدّخرون الحبوب والدبس والتمر والزيت وبعض الاطعمة الاخرى في بيوتهم.
وقد كانت السلطات البريطانية تقوم بتفتيش دوري عن الطحين والحبوب في البيوت،فان وجدوا كيسين صادروا احدهما والاخر يبقى،وان عثروا على كمية كبيرة صادروها،وقد اعلنت السلطات البريطانية عن مكافأة لكل من يرشدها الى مخازن ومخابئ الحبوب عند الاهالي.
ويبدو من هذه الاجراءات ان الاطعمة والاغذية والحبوب بدأت بالنفاذ من مخازن ومعسكرات الانكليز،فمن الواضح انهم لم يعتقدوا او يتصوروا ان هذا الحصار سيطول كل هذه الفترة.
وقد سرب بعض الاهالي معلومات تفيد بوجود مخازن كبيرة للحبوب في بعض البيوت تكفي لمعونة معسكر كامل،وفعلا تم العثور على الحنطة المخزونة في الدور السكنية.
وقد عانى اهل الكوت مشقة كبيرة في الحصول على ماء الشرب من النهر،فهم قد اعتادوا كغيرهم من اهل العراق ان يجلبوا الماء من النهر حيث تذهب النساء ليملأن اوعيتهن وقربهن وجرارهن بالماء في النهر.
هذا الامر اصبح شديد الخطورة ايام الحصار،لان الاتراك في الجانب الاخر من النهر يطلقون النار على كل من يقترب من الماء،وقد قتل من جراء ذلك العديد من نساء الكوت.
كذلك عانى اهل الكوت من شحة مواد الوقود من الحطب وخشب الاشجار،فلم يترك الجنود البريطانيون شيئاً فقد نهبوا كل الاخشاب التي وجدوها بما في ذلك شبابيك بعض البيوت وابوابها،كما انتزعوا سقوف السوق الخشبية.
ولهذا كان الشتاء الذي مر على اهل الكوت في تلك السنة قاسياً جداً،فكان من اصعب الامور عليهم اعداد الخبز او طبخ الطعام علاوة على التدفئة،كما عانى الناس من قصف القنابل التي تنهال عليهم يوميا،وكان اليوم الاول من شهر آذار عصيباً على اهل الكوت فقد سلط الاتراك على البلدة واحداً وعشرين مدفعاً ترميهم بالقنابل كما حلقت فوقها ثلاث طائرات اسقطت عشرات القنابل فمات تحت انقاض البيوت المهدمة ستة عشر شخصاً وجُرح آخرون.
ومنذ منتصف نيسان بدأ صبر الاهالي ينفذ فشرعوا بمحاولة الخروج من البلدة بأية وسيلة تقع تحت ايديهم.
وقد ارسل اليهم (طاوزند) قائد القوات البريطانية يحذرهم بانه لامانع لديه من خروجهم من البلدة،بشرط ان لايعودوا اليها مرة ثانية خشية ان يندس اليها الجواسيس عند العودة.
اما الاتراك فلم يريدوا خروج اهالي الكوت من المدينة كي لايخفف ذلك الاعاشة على قوات (طاوزند) فيبقى لفترة اطول مقاوماً للحصار،كذلك استخدم الاتراك وسائل الترهيب فقد قطعوا لسان احد الاشخاص وقذفوا به الى المدينة مع ورقة مكتوب عليها (هذا جزاء كل من يخرج من الكوت).
رغم ذلك الا فان عدداً من النساء والاطفال كانوا يخرجون كل ليلة لعبور النهر على الاطواف التي صنعوها بأيديهم،وهنا يلعب الحظ دوره فمنهم من ينجو ومنهم من يموت برصاص الاتراك او يقع في قبضتهم فيقتلونه.

ارتباك المعسكر البريطاني
اما حال الجنود البريطانيين،فقد اخذوا يأكلون لحم القنافذ كذلك الكلاب والققط التي شح وجودها في المدينة.
وحينما جاء الجراد فقد ابتهج به البريطانيون كثيرا،وصار الهنود يبحثون عن انواع خاصة من الحشائش والنباتات البرية ليطبخوا منه طعاما.وقد شاع هذا الطعام بين جميع افراد وقادة الجيش البريطاني.
وقد واجه (طاوزند) مشكلة كبيرة عندما قرر ذبح الخيول فقد رفض تناولها الكثير من جنوده وكان اغلبهم من الهندوس واستخدم (طاوزند) من جانبه سياسة التشجيع لمن يأكل لحم الخيل من جنوده الهنود فأمر بترفيعهم،بينما امر بتنزيل رتبة الرافضين،فأسفر ذلك عن نتائج جيدة.
وكانت الايام الاخيرة صعبة جداً خصوصاً على المتشددين في اكل اللحوم،فأخذوا يموتون يومياً،كذلك فأن بعض الجنود بدأوا بالفرار الى جانب العثمانيين،وفي تلك الاثناء فأن بعض الطائرات البريطانية اخذت ترمي بأكياس الطحين مواد غذائية اخرى الى المحاصرين، الا ان معظمها كان يسقط على الاراضي المقاربة للقوات العثمانية،او تسقط في النهر،وكان مجموع ما حصلت عليه القوات البريطانية من رمي الطحين كان 7 اطنان فقط.
وقد استغل الاتراك حالة الارباك التي سادت المعسكر البريطاني فقاموا بتوزيع منشورات موجهة الى الهنود المسلمين وغير المسلمين،فالمنشورات التي تخص المسلمين من الهنود كانت تحثهم على الامتناع من مقاتلة (اخوانهم في الدين) اما المنشورات التي تخص الهنود من الديانات الاخرى فكانت تضرب على وتر وطني حيث تذكرهم بما فعله الانكليز من ظلم بحق الهنود وكيف ان الاتراك والالمان كانوا يريدون لهم الخير.
وقد اخذت هذه المنشورات تسبب تأثيراً واضحاً خاصة لدى المسلمين.
وكان القائد العسكري البريطاني (طاوزند) قد اختار اثناء حصار الكوت داراً في وسط البلدة لتكون مسكناً له ومقراً لقيادته،وكانت من احسن دور البلدة،وامر (طاوزند) بوضع بالات الصوف على سطح الدار،كما امر بتغليف سياجات السطح بصفائح من حديد،وقاية لها من خطرالقنابل.
ويقول (طاوزند) في مذكراته (كان العدو طول مدة الحصار يرمي مقري بالقنابل رمياً دقيقاً بلا انقطاع).
وقد بذل البريطانيون جهوداً كبيرة في ارسال باخرة محملة بالمؤن والاطعمة الى الكوت وكانت الباخرة (جلنار) وهي اسرع باخرة للنقل في العراق،راسية في العمارة وقد عمل لها البريطانيون صفائح من الحديد واكياس من الرمل لوقايتها من الرصاص ثم شحنوها بـ(270) طناً من المواد الغذائية وتطوع عدد من البحارة ليكونوا على متنها عند مسيرتها الى الكوت،وتحركت الباخرة عند السابعة مساءاً من 24/نيسان وكان الاتراك قد وضعوا بمعونة الخبراء الالمان سلكاً معدنياً عبر النهر وحينما وصلت الباخرة الى السلك،بدأت تنحرف في سيرها تبعاً لميل السلك حتى توقفت في الضفة اليمنى من النهر فهجم عليها الاتراك واستولوا على ما فيها من مواد غذائية كما اسروا الاحياء من بحارتها.

استسلام (طاوزند)
ويبدو ان هذه الباخرة كانت الامل الاخير لطاوزند وحينما يئس من وصولها بعث في صباح 26 نيسان 1916 برسالة الى علي نجيب باشا قائد القوات التركية التي تحاصر الكوت يخبره انه مخول من قبل القائد العام بالمفاوضات ويطلب هدنة لمدة ستة ايام،وبعد ساعة ارسل (طاوزند) رسالة اخرى بنفس المعنى الى القائد التركي العام خليل باشا،وفي المساء وصل الكوت ضابط تركي يحمل الجواب من خليل باشا،يقول فيه ان طاوزند وجنوده سوف يلقون في تركيا استقبالاً جيداً لما ابدوه من بسالة للدفاع عن الكوت طيلة الاشهر الماضية،وفي 29 نيسان امر (طاوزند) تدمير مدافعهم الموجودة في الكوت وكان عددها اربعين مدفعاً كذلك اخذ الجنود البريطانيون يدمرون رشاشاتهم كي لاينتفع منها العدو.
وبعد الظهر من ذلك اليوم ارتفعت الاعلام البيض على خطوط الانكليز في الكوت دلالة على الاستسلام،فأقبل من المعسكر التركي ضابط برتبة عقيد اسمه (نظام بك) وهو راكب على فرسه وخلفه رتل طويل من الجنود الاتراك تتقدمهم الطبول.
وقد خاطب خليل باشا طاوزند انه سيرسله الى اسطنبول حيث (يحل ضيفاً عزيزاً) على الامة التركية،اما قواته فسوف ترسل الى اماكن في الاناضول معتدلة المناخ،اما الجنرال الالماني (غولدز) صاحب فكرة حصار الكوت فقد توفي نتيجة مرض اصيب به قبل ان يرى مشهد الانتصار على القوات البريطانية.
وكانت قد جرت معارك ضارية لتخليص القوات البريطانية من الحصار،وكان الفريق (آيملر) قائداً لفيلق دجلة المكلف بانقاذ قوات طاوزند،الا انه لم يفلح في ست معارك دارت رحاها على اعتاب مدينة الكوت.
كانت آخرها معركة (سابس) التي تكبد فيها البريطانيون حوالي 21,000 بين قتيل وجريح.