الطابع السردي والتكاثر الدلالي في شعر قاسم حداد

الطابع السردي والتكاثر الدلالي في شعر قاسم حداد

صابر الحباشة
إنّ السرديّ في الشعر الحديث مبحث شديد الأهمية تناولته ألسن النقاد وأقلام الباحثين، ولا يجد الناظر في نصوص الشعر الحديث مناصاً من اعتماد هذا المدخل في مقاربة القصائد التي تجتمع فيها مظاهر الغنائية وسمات السردية على صعيد واحد.

ولعلّ نص «صدأ السيوف في الغمد المألوف»1 لقاسم حداد من النصوص التي تسهل قراءتها من منطلق ازدواج حضور الغنائية والسردية فيها حضور يعلن الانشقاق عن وحدة الصف الشعري، والانخراط في مملكة الكتابة، دون انضباط بضوابط القصيدة التقليدية.
ينطلق النص من كثافة الأفعال الماضية المسندة إلى ضمير المتكلم المفرد (تجاسرتُ/ ألغيتُ/ لذتُ/ دخلتُ/ صرختُ..) والملاحظ أنها أفعال تتسم بالحركة السردية القائمة على شحنة قوية من العنف تعلن عنه ألفاظ من قبيل (قتلي/ قسرا/ سيوف/ الضغينة..)
يتخذ الشاعر فضاء القبيلة إطاراً استعارياً تتجمع فيه الكثافة الرمزية للمجتمع التقليدي، بمكوناته المعهودة: فذكر القبيلة واستدعاؤها يقتضي الحمى وعلاقات التضامن الآلي والثأر و..
غير أنّ الشاعر لا يذيع سراً عندما يعلن خروجه عن هذا الانتماء القبلي، تلميحاً في أول كلمة في النص (تجاسرتُ) وتصريحاً في قوله:
(فتحتُ كتاب الصعاليك عند المساء.)2 فالصورة التي يرسمها الشاعر عن نفسه لم ولن تكون صورة شاعر القبيلة، لسان حالها والناطق بأحلامها وهمومها، بل هو لسان حال نفسه، لأنه ارتضى لنفسه طراز الصعلوك. ولكي تتم عملية المطابقة بين الأصل (الصعاليك الشعراء في الجاهلية) والصورة/ النسخة (الشاعر، المتكلم في نص القصيدة) أورد كلمة دالة على عصرنا الحالي: (الجريدة)، يقول:
(فتحتُ كتاب الصعاليك عند المساء
كتبتُ حروفي الشريدة
وعند انحسار النعاس عن المقلتين،
قرأتُ مواعيد قتلي بصدر الجريدة). 3
فالشاعر يروي قصة صعلكة جديدة على غرار الصعاليك القدامى، ولكنها صعلكة حديثة، وإن تقمصت اسم الصعلوك الجاهلي، وأوحت بأنّ الذي شق الشاعر عصا طاعته ليس رئيس القبيلة، بل هو الخليفة، ومعلوم أن هذا اللفظ مصطلح يطلق على الزعيم في الدولة الإسلامية. ومن ثمة، نلاحظ اختلاطاً في المفاهيم، ورغبة في التعمية واتخاذ التاريخ (تاريخ الألفاظ) مطية للدلجة وكتم الأمر بطريقة فنية لافتة.
صعلكة، أو عنترية محدثة تلك التي تشف عنها لهجة التمرد والعصيان:
(تجاسرتُ، حاصرتُ سيفَ الخليفة في غمده).4
وينقلب الفعل على الفاعل فيصبح مفعولا به:
(حاصرتني الخيول)5
وينبجس صوت المتنبي خافتاً لاهثاً يشق غبار السنين لينجد الشاعر المحاصر، في شكل كلمات مقتطعة من بين أبي الطيب الشهير:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فلا يبقى من هذه الروح سوى صدى أو حلم، كما يقول قاسم حداد:
(كانت الخيل والسيف والليل حلما).6
غير أنّ اللافت هو التشبث بالغرور حتى في لحظة الضعف، وكأنّ الفخر لا يستقيم إلا بهجاء الآخر المتسلط على الذات:
(وباض الخليفة في جنده
حاصرتني الخيول).7
المحاصرة إذ تتكرر في النص إنما توحي بتحولها إلى لازمة إيقاعية تعكس حال الشاعر الواقعية والنفسية. أما صورة الخليفة فقد أمعن المتكلم في تشويهها، إذ حولها عبر استعارة مكنية إلى عالم الطيور، ولعله بذلك يلمّح إلى فقدان الإنسانية والخلوّ من الكرامة البشرية، فضلاً عمّا توحي به التسوية الكامنة بين الخليفة والدجاجة، من سخرية واستهزاء.
وتلوح النبرة الرومنسية متصاعدة تتجاوز مجرد الاعتماد على أنا الشاعر يتصاعد إيقاع صوته في لجة الغضب، إلى بيان المفارقة المذهلة القائمة على انقلاب القتل نكتة:
(تلكـّأ جرحي المثار بباب المدائن،
ليشحذ سيف الجياع،
ليسرد نـُكتته الباقية
ولكن غمد الخليفة في اللحظة التالية
يكبـِّل جرحي).8
تصبح العلاقة بين الحقيقة والمجاز غير قابلة للرصد، فالمعنى يتلوى ويتلون بأشكال تندّ عن التقييد البلاغيّ المعهود والمتعارف. فكل لفظة تهبك أن تحملها على الحقيقة أو على المجاز على حد سواء. فكأنّ الشاعر يضطلع بدور محو التحديد المسبق للمعنى، بل القول الشعري هو الذي يولّد معناه منعزلاً عن ذاكرته المسطرة في المعاجم أو في الاستعمالات السابقة. وهذه مهمة المستحيل: أن يرتقي الشاعر صهوة الكلام، عارياً من كلّ محددات معنوية أو مؤشرات دلالية ماثلة مسبقاً، بل يرخي للقول العنان، فيمضي به حيث شاء.. تتعاور الحقيقة والمجاز على صعيد الجملة الواحدة، بل على مستوى اللفظة الواحدة، فتكون محضن دلالات متعددة، في ضرب من التدالّ (تعدد المعنى بالنسبة على اللفظة الواحدة)9 الثريّ. فالقول الشعري مدعاة للتساؤل:
ما سيف الجياع؟
كيف يتلكـّأ الجرح؟
كيف يسرد سيف الجياع نكتته؟
كيف يكبِّل غمد الخليفة جرح المتكلِّم؟
هذه أسئلة وغيرها يمكن أن يطرحها محلِّل النص، ولن يجد الأجوبة إلا افتراضات أو تأويلات.. وقد ينتهي به الأمر إلى الركون إلى معنى إجماليّ مبهم يستعصي أمر تفصيله، لا للُكنة في لسان الشاعر أو لعجز في أداة الناقد، ولكن الكلام يستعصي على أن يرتميَ في أحضان القارئ، طوعاً بل هو يُكرهه على أن يكدَّ الرويَّة في سبيل استحصال مشابه المعنى أو مضارب الدلالة، من دون أن يقع على «الحق» و«الصدق».. فهذه تسميات لمسميات يعسر أن يقرّنا الشاعر - في سياق نصه - على أنها معايير صالحة للنص أو للواقع.
المهمّ أنك تقف على غضب وعلى عدم رضا وعلى ثورة، تتكاتف الألفاظ والمعاني لتسكّ لها لمحة دالّة، من دون أن توهم نفسك بغبطة لا يشعر بها إلا من يفكّ شفرة النصّ ويلج مغالقه في تحدّ يكسر تحدّي القائل.
ومعاني الثورة تبرز في اتخاذ فعل (تجاسرت) لازمة تتكرر في غضون القصيدة. وحضور الموت بأشكال شتى، حتى أصبحت معاشرته للشاعر لا تمكّنه، على غرار أبي الطيب، من أن تتعجب الآفات من انعدام هيبة الموت لدى الشاعر:
تمرّستُ بالآفات حتى تركتُها
تقول أماتَ الموتُ أم ذعر الذعرُ
بل إنّ الشاعر يتجه نحو الموت مختاراً:
(تجاسرتُ، واخترتُ صيغةَ موتي).10
فلم يعد للموت من هيبة في الشاعر نفسه، وإن كان أقلّ افتخاراً من المتنبي الذي جعل الآفات تتعجب: هل مات الموت، وكأنّ الشاعر في حصن من الموت وفي منجاة من هذا القدر المحتوم.
وحداد يستسلم للموت من دون أن يكون تجاسره نقضا للموت - كما زعم المتنبي - بل اختياراً لـ «صيغة»، وكأنّ واقعية قاسم حداد جعلته لا يزعم التخلـّص من الموت، بل يلتفّ حوله، ويختار ميتته.
غير أنّ العبارة الشعرية لا ترتضي هذا الحدّ الأدنى من التحدي، إذ يصرخ حداد:
(تجاسرتُ، صرتُ احتضاراً لهم
عانقتني جراح الرياح).11
فالشاعر - وإن ذكر في موضع سابق اختياره لصيغة موته - يبيّن أنه هو نفسه أصبح «احتضاراً» لهؤلاء الذين صمموا له موتاً. فموته احتضار لقاتليه، وهذا انقلاب في الصورة يجعل القفلة الرائعة للقصيدة تتويجاً لهذا النفـَس البطولي:
(تجاسرتُ واخترت ساعة موتي
ولكنهم عاجلوني بسيف الخليفة
(كان الصدأ
يأكل السيف في غمده)
لم تكن جثتي
كان سيفا قتيلاً).12
هذا السرد المجمل يبرز المفارقة التي مسخت أداة تنفيذ القتل (السيف) جثةً. فليس الشاعر هو القتيل، بل السيف (الصدئ) هو الميت. وكأنّ الحياة التي يطلبها الشاعر ليست حياة جسدية، بل حياة الحرية التي تتجاوز صدأ المادة.
ولفظة (قتيل) في هذا المقطع يمكن أن تُقرأ أكثر من قراءة:
السيف قتيل: ليس له اختيار (في حين أن الشاعر مختار «اسم فاعل»)
السيف قتيل: أي إنّ الصدأ الذي علاه جعله معطَّلاً عن تنفيذ مهمة القتل، وعندما تتعطل الأداة فإنها تصبح عاجزة، فتُلقى في المهملات.
السيف قتيل: الصدأ الذي علاه، أفقده القدرة على التنفيذ؛ لأنّ من يستعمله يفتقر إلى الحق والمشروعية.
ولعلّ هذا السرد الذي يخرج حدث الموت من مأساة الإعدام إلى انتصار على الجلاد، يعبّر عن طاقة تخييلية ساعدت على قلب الوقائع، نحو تأويل يخدم الرؤية الشعرية التي تنهض على الثورة والرفض والإباء.
هوامش
1 قاسم حداد، خروج رأس الحسين من المدن الخائنة، بيروت، دار العودة، .1972
2 نفسه، ص .8
3 نفسه، ص .8
4 نفسه، ص .8
5 نفسه، ص .8
6 نفسه، ص .8
7 نفسه، ص .8
8 نفسه، ص .9
9 روبير مارتان، في سبيل منطق للمعنى، ترجمة الطيب البكوش وصالح الماجري، المنظمة العربية للترجمة، .2006
10 قاسم حداد، خروج رأس الحسين من المدن الخائنة، ص .8
11 نفسه، ص .10
12 نفسه، ص - ص 10-.11