كوبولا  وقلب الظلام في  الرؤيا الآن

كوبولا وقلب الظلام في الرؤيا الآن

فراس الشاروط
مثلما عدَّ فيلم (العراب) بجزئيه الأولين  للمخرج فرانسيس فورد كوبولا الفيلم الأمثل لسلسلة أفلام الجريمة نظراً لحبكة السيناريو ودقة الإخراج وروعة الأداء، فان فيلم كوبولا الآخر (الرؤيا الآن) هو أيضاً عد الفيلم الأمثل لأفلام الحرب، لاستخدامه المتميز لمساقط الضوء والظل، ولحرفية الإخراج وأداء ممثليه المبهر بما فيها الدقائق العشر الأخيرة التي يظهر فيها (مارلون براندو)،

وكذلك، لرحلة الجنون التي أخذ فيها كوبولا طاقمه الإنتاجي الى أحراش الفلبين، فكانت النتيجة آلاف الأمتار من المادة الخام تصل الى (6) ساعات.
كان كوبولا أمامها مشدوهاً وحائراً، لتلتبس الحيرة عليه أكثر أمام نهاية الفيلم التي غيرها مراراً حتى أوصلها الى النقطة الأخيرة التي شاهدناها ((أردت أن أقدم فيتنام نفسها)) هكذا صرح ((لقد صنعنا الفيلم بالطريقة نفسها التي صنعت بها أمريكا الحرب، كان هنالك الكثير من طاقم العمل، الكثير من النقود، الكثير من الأجهزة، الكثير من كل شيء، ورويداً رويداً احتوانا الجنون، كنت أعتقد انني أصنع فيلماً عن الحرب، وظهر لي ان الفيلم هو الذي يصنعني))، انه أحساس الهزيمة الذي يظهر عند النخب المثقفة عقب كل هزيمة انسانية، وبدلاً من الاعتراف بذلك فانه يحول الواقع الغارق في البؤس الى قانون بشري عام، لذلك لم نر في الفيلم منتصرا أو مهزوما رغم ان روح الهزيمة تغلف الجو العام، صورة حرب خاسرة يؤيدها جنود منهكون، بلا إيمان بالنصر، ولا بالعدالة التي يدافعون عنها، لذا لم يحلل كوبولا ولم يبحث عن جذور الخوف الذي تلبَّس المارينز ولا بالموت، بل ترك إحساس الذل الانساني كقدر يتسرب الى روح المتلقي.
فيلم"الرؤيا الآن"هو وقفة تأمل على أزمة الحضارة الامريكية أكثر مما هو شاهد على فترة تاريخية محددة، حكاية أخلاقية  فلسفية، خلفيتها فيتنام التي تحترق، مع ذلك فهو فيلم ملحمي مهم حين يقارن بأفلام الحروب التي أنتجت قبله وحتى التي أنتجت بعده – اذا استثنينا فيلمي ستانلي كوبريك"سترة مليئة بالطلقات"، وفيلم تيرنس مالك"خط رفيع احمر"– لذا كان موقف البنتاغون موقف الضد، عكس الأفلام التي يشرف عليها البنتاغون ويمولها مادياً ولوجستياً، ونستطيع ان نعرف ذلك من خلال تعليق البنتاغون نفسه على سيناريو كوبولا عندما تقدم به طالباً للمساعدة بدعمهم اللوجستي ((هنالك القليل من المنطق في تقديم المساعدة لفيلم فلسفته هجائية، ويتناول فكرة الجندي الامريكي المريض نفسياً، البنتاغون يرفض بشدة المهمة التي ارسل بها الكابتن ويلارد مع الأوامر الصادرة له بتصفية الكولونيل كيرتز لأنه أنشق عن القيادة الامريكية، وانه لو حدث لأحد الكولونيلات ما حدث لكيرتز فأن القيادة العسكرية ستحاول إعادته للمعالجة الطبية بدلاً من إعدامه، لذلك فان تقديم المساعدة تعني الموافقة على فكرة الفيلم وأحداثه))،"الرؤيا الآن"يكتسب أهميته من محتواه الانساني، فهو يترك المتلقي في دوامة التساؤلات مولداً هذه الشحنة العجيبة من المشاعر الانسانية.
بنى كوبولا فيلمه على العديد من المصادر الأدبية والفنية وكأنه في رحلة دراسة بحثية عن عبثية الحرب والهزيمة والانسان الخاسر فيها دوماً، فجميع النقاد أدركوا منذ البداية أن فيلم (الرؤيا الآن) هو اقتباس لرواية جوزيف كونراد (قلب الظلام) جاعلاً منها الهيكل الأساسي للفيلم، لكن قبل الرواية ومع المدخل الافتتاحي للفيلم نسمع حشرجات (روجر ووترز) وفرقته
(the doors ) يصرخ بأغنيته العبثية  ( this is the end).
بالإضافة الى فرقة (the doors) ورواية كونراد، فهنالك صدى لقصيدتي ت. س. إليوت (الأرض اليباب) و (الرجال الجوف)، وبعض من سِفر (الرؤيا) آخر فصول الكتاب المقدس الذي كتبه القديس يوحنا، كما نتلمس بعضا من فصول كتابي الانثروبولوجيا (الغصن الذهبي) لجيمس فريزر و (من الطقس الى القصة الخيالية) لجس وستون.
أراد كوبولا أولاً أن يسبر غور روح جيل عصره المناهض للحرب والموت المجاني مع واحد من أهم الرموز الثقافية الامريكية (روجر ووترز) الذي واجه نفسه ذات صباح عبر المرآة، مستنشقاً جرعة زائدة من الكوكائيين، حالقاً لحيته، مبتسماً للقدر ومردداً آخر كلماته (الموت) قبل ان يترك نفسه للذة الماء في مغطس الحمام للموت الجميل، مخلفاً وراءه مجموعة من أغاني التمرد، كانت نهايته نهاية حقبة دراماتيكية تتساوق مع دراماتيكية الحرب ولعنتها، فكانت الأغنية بخلفيتها المفتتح ، وصوت ووترز يأتي من بعيد أشبه بقديس يرتل موعظته الاخيرة (إنها النهاية، يا صديقي الوحيد، انها النهاية)، كانت الخلفية وكانت المفتتح لطائرات ضخمة بدت كطيور عملاقة وهي تحرق غابات الفيتناميين، هذا المشهد الذي سيعلق عليه لاحقاً العقيد كيل جور وهو يستمع لموسيقى (فاغنر): (أحب رائحة النابالم في الصباح.)
مصدر كوبولا الآخر هو بنية الفيلم، فقد أراد ان يلبس أغنية روجر ووترز هيكلاً فكانت رواية (قلب الظلام) جاعلاً من الراوي (ماريو) الذي يسرد علينا مغامراته الكئيبة في سعيه لإيجاد كيرتز الغامض، الى الراوي (ويلارد) في مغامرته (الكافكوية) من أجل الوصول الى كيرتز الغامض الذي تمرد على السلطة وتخطى الحدود الحمر، لذا كان لابد من التخلص منه.
كانت رحلة (ويلارد) التي تتشابه مع رحلة (ماريو) الى قلب الجحيم (وهنا استعارة ثانية لرحلة (فيرجل) الى قلب الجحيم ذاته) تختلف معها بأهم عنصرين من عناصر البناء الدرامي (الزمكانية)، فبطل جوزيف كونراد لم يحدد تأريخه بدقة، لكننا نستطيع ان نتوجس ذلك إنها كانت أواخر القرن الثامن عشر في الفترة التي نهضت بها أوربا صناعياً عبر شركاتها لاستعمار العالم الناهض ونهب خيراته، اما المكان فكان أفريقيا، الانسان الاول الذي وجد نفسه تحت رحمة الرجل الأبيض وإلى أمد بعيد، أما كوبولا فقد حدد مكانه في أدغال فيتنام، وزمانه في القرن العشرين.
في المشاهد الأولى نتابع ويلارد، في حجرته الضيقة الخانقة في فندق بـ (سايغون)، يمارس تمارين رياضية، قاتلاً بها الوحدة التي يعيشها، قبل ان يرتمي فوق سريره مخموراً،متحطماً نفسياً وجسمانياً، والمروحة بريشاتها تطرد الحرارة التي تبعث بالمكان وكأنها مروحية تحصد رؤوس الفيتناميين، ويلارد كوبولا هنا هو التجسيم لكلمات مارلو كونراد: (كان هنالك شيء ينذر بالسوء، كأني سأقوم بعمل خارج عن الصواب)، يقتحم حجرته في الفندق اثنان من أفراد الجيش الامريكي ويقودانه الى مكتب يبدو أكثر غموضاً من حجرته الفندقية، فيها جنرالات من الجيش، يكلف بمهمة، سرية، خاصة، السير الى مقر المتمرد الكولونيل كيرتز، الذي كون جيشه الخاص متحدياً العسكرتاريا الامريكية، فارضاً سلطته على سكان المنطقة، لذلك يجب قطع دابر التمرد، ومثلما يقوم مارلو برحلته الى قلب الظلام، يستقل ويلارد قارباً مع رجاله لتنفيذ المهمة في قلب الجحيم.
لم يصور كوبولا هزيمة أمريكا بقدر ما صور لنا هزيمة الانسان - فمثلما كانت الصناعة استعباد في القرن الثامن عشر كانت الصناعة نفسها اداة للموت في القرن العشرين-  ورغم انه أعلن أن فيلمه هو (فيتنام نفسها)، ومثلما أصاب الجنون الجيش الامريكي، وأخذ بالقتل والحرق، كانت الحرب نوعا آخر من الجنون بلا أسباب واضحة أو حتى مخفية، لذا كان جنون كيرتز بلا مغزى أو مبرر، وهي عكس رحلة (مارلو) الواضحة المعالم والقصدية.
قصائد (إليوت) من جهة أخرى منبع آخر يعطي لأفكار كوبولا وفيلمه غنى أكثر، وبعداً فلسفياً أكبر، وتأثيراً صورياً أشد، (الأرض اليباب) التي كتبها إليوت بعد الحرب الكونية الاولى، والتي راح ضحيتها شباب أوربا لم تغيير كثيرا من وجه أنظمة الحكم، فكانت النتيجة حرب مستعرة أخرى لم تكن بعيدة بسنواتها عن الأولى، إليوت هنا يرثي جيل أوربا، شبابها الخاسر، يرثي الحاضر البائس مثلما يرثي الماضي المجيد، والمستقبل المظلم.
تبدأ قصيدة إليوت من حاضره الحزين الى ماضيه الموحش بأساطيره ورموزه، ليعود مرة أخرى للحاضر المدني، الشوارع الخلفية، الجوع، الفقر، القذارة، الجموع التي تسير على غير هدى، وكأنها تقاد حتى في سلامها نحو حتفها، رؤية إليوت هذه  نحو المستقبل لا تبدو على ملامحها أي تغيير نحو الأفضل، وكأنها قدر محتوم كتب على الانسان.
(كوبولا) وجد في رؤية (إليوت) الفلسفية للنهاية البشرية طريقاً لمناقشة الحرب وويلاتها، وكأنها لعنة وقدر، فلم يلجأ لتقديم نتائج مستخلصة عنها، فكانت صور إليوت الشعرية التي نستشعر بفوتوغرافيتها عندما نقرأها، كانت حيوية ومتحركة بتكوينات حرفية عند كوبولا، خصوصاً في مشهد النهاية، لحظة وصول ويلارد الى الموقع الذي يتمركز فيه كيرتز وجنوده، في الخلفية نسمع أصوات انفجارات، وفي مقدمة الكادر نغرق في الضباب الذي تنكشف من خلاله وجوه ملطخة بالطين والذل، جموع تنظر الى العدم، نحو الفراغ، عراة، قسوة ورعب، وكأننا في مجتمع بدائي، ولنقرأ هذا المقطع من إاليوت:
مدينة زائفة
في الضباب البني لفجر شتائي،
تدفق حشد على جسر لندن، حشد غفير،
ما خطر لي أن الموت قد أباد مثل هذه الكثرة،
صعدت تأوهات قصيرة ومتقطعة،
وسمَّر كل أمرئ عينيه أمام قدميه،
وتدفقوا صعوداً فوق التلة.
ألم يقل في مقطع آخر من القصيدة:
أورشليم وأثينا والاسكندرية
فيينا ولندن
كلها خيالات وأوهام