كتبوا عني... وكتبن

كتبوا عني... وكتبن

د. عبدالحسين صالح الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا
صدر عن دار الحكمة بلندن في آذار 2016 كتاب (كتبوا عني... وكتبن) بطبعته الأولى للدكتور حسن البياتي، يمثل هذا الكتاب حلقة في سلسلة خماسية تتناول الكثير من الأمور الحياتية والاجتماعية والثقافية التي عاش أحداثها الشاعر.

نادراً ما نجد مبدعاً يؤرشف بشكلٍ دقيق وموثق ما كتبوا وكتبن عن أغلب نتاجه الابداعي منذُ بداياته الأولى، بطريقة مشوقة أشبه بشريط سينمائي، رُتبت أحداثه وفق التسلسل الزمني لظهور المادة الابداعية على صفحات وسائل الاعلام.
الشاعر الأكاديمي د. حسن البياتي أحد هؤلاء المبدعين الذي استثمر موهبته الشعرية بكتابة مجموعة من القصائد لامست اعماق النفس الانسانية، بمواضيعها المتنوعة الممتعة بكل أبعادها. بدأ نشاطه الثقافي الابداعي شاعراً قبل أن يباشر حياته الجامعية في دارالمعلمين العالية (كلية التربية) في بغداد. وخلال الشهر الأخير من الدراسة التي امتدت ما بين 1951 - 1955، تمكن من تدوين قصائده بمخطوطة تداولها العديد من زملائه الطلبة بمختلف اقسام الكلية، وكانت لهم تعليقات اخوانية مُعبرة بصدقها، ممزوجة بمشاعر نبيلة تحمل ذكريات أيام الدراسة، احتفظ بها شاعرنا في أرشيف مكتبته في الوطن، وبصعوبة بالغة استرجعها وتمكن من توثيقها في هذا الاصدار.
لقد نُشرت معظم قصائد المخطوطة في الصحف والمجلات وفي اصداراته الشعرية: (من شفاه الحياة) بغداد 1956، و(جنود الاحتلال) بغداد 1959، و(من سِفْر الحياة) بغداد 2008، و(في ملكوت الظلام) بيروت 2008، و(جراح الغضا) بغداد 2010، و(سفر الحالات) بيروت 2011.
هذه التشكيلة من العمل الابداعي، جمع فيها شاعرنا جمال العبارة والابتكار والموسيقى، في لغة جميلة ممزوجة بفيض من العواطف والمشاعر الصادقة جسّدت الكثير من الأحداث والمناسبات الوطنية السياسية التي شهدها العراق. قصائد عالجت قضايا اجتماعية ذات مضامين انسانية راقية لا تخلو من نزعة التأمل، غطت مرحلة طويلة ضمت ستة عقود كاملة، تمكن من خلالها بناء جسور من التواصل مع أجيال مختلفة وأقلام شتى عراقية وعربية.
احتفظ شاعرنا بمساجلات أدبية وفكرية كثيرة تعكس طبيعة الرقي الثقافي المتداول في تلك المرحلة بين الأدباء الذين عاصرهم أو كان لهم أثر في حياته من أمثال الشعراء نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي والاساتذة د. مهدي المخزومي ود. علي جواد الطاهر، ود. جلال الخياط، ود. عناد غزوان وغيرهم. هذا التراث الثقافي من الكتابات المتبادلة يحمل قيماً أدبية وفنية استهلها، بهذا الاصدار، بالمادة الأولى التي نُشرت على صفحات مجلة الآداب البيروتية في ايلول 1954 للأديب المصري الناقد يوسف الشاروني الذي أبدى اعجابه بالشعر العراقي الحر، وعلق على قصيدة (جنود الاحتلال) مؤكداً على أن هذا اللون من الشعر أكثر اتفاقاً والحركة القصصية في سياق القصيدة، وبنفس الوقت لم يخفِ نقده لبعض الجوانب الفنية وبعض مفردات القصيدة، مما حفز شاعر القصيدة بالرد الأدبي المتعارف عليه دفاعاً وتوضيحاً لكل الملابسات.
وقد برزت بعد الحرب العالمية الثانية ظواهر جديدة في مجال الحركة الأدبية، كانت حركة الشعر الحر من أكثر الأمور جدلاً، باعتبارها شكلاً جديداً مختلفاً عن الشعر القديم. وفي ظل تصاعد هذه الحركة وتفاعل شعراء التفعيلة بين رافض ومؤيد، وجهت الشاعرة نازك الملائكة نقداً أدبياً متسرعاً لشاعرنا على صفحات مجلة الاداب اللبنانية في شباط 1958، في مجال تنويع عدد التفعيلات في قصيدة (رسالة إلى صديقة في الجنوب). وضمن أجواء الحوار الراقي أوضح لها شاعرنا الخطأ الذي وقعت فيه بمقالة نُشرت على صفحات ذات المجلة، مما جعلها ترد عليه بمقالة أخرى تعتذرعن هفوتها وتقر فيها بأن البيت الشعري كان سالماً تمام السلامة.
ولشاعرنا البياتي أربع قصائد مميزة عن الثورة الجزائرية التي اعتبرها حلقة في سلسلة الثورات البشرية من أجل مصير أفضل للإنسان. قصائد تحمل أبعاد تحريضية ضد قوى الاستعمار، وتتغنى ببطولات الشعب الجزائري ورموزه.
أثرى البياتي الحياة الأدبية بترجمة مجموعة من الروايات التي تنسجم احداثها وتتناغم مع أوضاع مجتمعاتنا، بلغة رصينة ناصعة وبفن كتابي مبدع كأديب أتقن فن الترجمة من خلال اتقانه لكل من اللغتين العربية والروسية. كتب عنه د. علي جواد الطاهر عدة مقالات أثنى فيها على شاعرنا البياتي باعتباره من الأوائل الذين نقلوا روائع الأدب والفكر عن الروسية بشكلٍ مباشر بلغةٍ عربيةٍ بليغة. وقد وِفق بإختياره ترجمة الكثير من الروايات السوفيتية مثل: (زبد الحديد) و(طيور الشمس) وغيرها من الدراسات والبحوث العلمية والاعمال الأدبية الشعرية والتراثية والفلكلورية والنقدية.
كتبوا وكتبن عن الشاعر البياتي نخبة من الأُدباء والشعراء والفنانين الذين عرفوه عن قرب، واحتفظ شاعرنا بكتاباتهم القيمة في هذا الإصدار، منهم: الكاتب المصري د. احمد كمال زكي، د. صفاء خلوصي، الصحفي المصري مصطفى حسنين، الكاتبة الفلسطينية فائزة عبدالمجيد، الكاتب اللبناني ذو الفقار قبيسي، الاستاذ فاضل الخالدي، الاستاذ خليل الخشالي، الكاتب اللبناني أمجد الطرابلسي، الاستاذ أحمد فياض المفرجي، د. صالح جواد الطعمة، د. داود سلوم، الاستاذ يوسف الصائغ، الدبلوماسي الجزائري د. عثمان سعدي، د. ماجد السامرائي، الكاتب اللبناني الدكتور شربل داغر، الاستاذ خالص عزمي، الاستاذ بسيم مصطفى، الاستاذ عبدالستار ناصر، د. سعاد محمد خضر، الكاتب الليبي صلاح الدين الغزال، الفنان التشكيلي يوسف الناصر، الشاعرة وفاء عبدالرزاق، د. عدنان الظاهر، د. عبدالهادي الفرطوسي، د. قصي الشيخ عسكر، الاعلامية العراقية سفانة البدري، الفنانة زينب الجواري، الشاعرة فليحة حسن، الشاعرة ورود الموسوي، الشاعر الفريد سمعان، الشاعرة دلال محمود، الاستاذ هاشم حسين الموسوي، الاستاذ عبدالرزاق الصافي، د. سالم عوض رموضة من اليمن وغيرهم.
لقد أجمع كل هؤلاء الأُدباء على امتلاك البياتي لطاقات ابداعية متميزة، وموهبة لا تقبل الجدل، وتراث شعري رصين يمتد من خمسينات القرن الماضي إلى وقتنا الحاضر. ويمثل ديوانه (في ملكوت الظلام) مملكة الشاعر التي يسكنها، وعلى الرغم من أن أكثر القصائد تعكس حجم المعاناة التي يعيشها بفقده نور البصر، وهو في قمة عطائه في حضرموت اليمن إثر حادث مؤلم، إلا أنه لم يفقد الأمل، وما زالت كلمات أشعاره عذبة مليئة بمشاعر الحب.
يعيش شاعرنا (رهين المحبسين)، بين ظلام الغربة وظلام العمى، في مدينة لندن منذ 2001، بعيداً عن الوطن والأهل والأحباء، يستثمر وقته في استرجاع الكثير من الذكريات والأحداث، لم يتوقف عن نتاجه الابداعي. من روائع أعماله قصيدة مناجاة مهداة إلى فيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري بعنوان (التماس)، يطالبه بأن يأخذ بيديه:
يا رهين المحبسينْ
هاك قلبي واليدين
سيدي، مدَّ يديكْ
سيدي، خذني إليك
إنني تلميذك القابع في
أعمق من زنزانتين:
العمى
والعزلة السوداء
والغربة قهراً عن ترابْ
وطنٍ ما عاد يبدو وطناً
إلا لعشاق الحراب
دون عينْ
يا رهين المحبسين
سيدي، مدَّ اليدين
لا تدعْ
تلميذك الشاعر يذوي
في متاهات العذاب
دون عين
وأخيراً يمكن القول بأن البياتي قد اتخذ من نتاجه الشعري والأدبي أداة تعبير لتغطية أحداث مشحونة بالمعاناة، أحداث نضالية متعددة ومتنوعة حياتية وثقافية وابداعية امتزجت فيها المشاعر بالعواطف الانسانية، وبهذا فهو بحق يمثل حقبة زمنية مشرقة من تاريخ عراقنا المعاصر.