من اوراق الراحل عبد الحميد الرشودي.. عندمـــا تعرفت على المـــؤرخ الكبير العزاوي

من اوراق الراحل عبد الحميد الرشودي.. عندمـــا تعرفت على المـــؤرخ الكبير العزاوي

جاءني ذات يوم صديقي الشاعر خضر الطائي طيب الذكر وقال لي ان عباس العزاوي يحتاج الى من يراجع تجارب طبع كتبه وتدقيق مقالاته لغويا واعادة استنساخها وقد رشحتك لهذه المهمة وزكيتك وقلت له انني اعتمد على هذا الرجل وثقتي بثقافته الادبية عالية وخاصة بالنحو ثم قال لي فاذا لم يكن لديك مانع فهيا بنا نذهب اليه في مكتبه الكائن في خان الباجه جي

في سوق الساعاتية فذهبنا عصر ذلك اليوم الى مكتبه وقد شققنا طريقنا الى غرفته بين بالات الاقمشة فقد كان الخان يعج بمكاتب التجار والمستوردين فلما ولجنا غرفته قدمني الطائي اليه قائلا هذا هو الاديب عبد الحميد الرشودي الذي حدثتك عنه وانا واثق بانه أهل للثقة وزيادة وكان معه في المكتب نجله البكر المحامي فاضل العزاوي فكلفه بجلب بعض مؤلفاته وقدمها لي هدية بعد ان وشحها بعبارات المودة والاخاء كان ذلك بعيد ثورة 14 تموز وظلت علاقتي به جيدة وموصولة فقد كنت احضر عصر كل يوم واقوم بتدقيق وتصحيح تجارب الطبع الى ما بعد الغروب ثم ينفرط عقدنا ليعود الى اللقاء في اليوم التالي.
لقد استمرت هذه الصلة الى ان اختاره الله الى جواره في 17 تموز 1971 ثم استؤنفت العلاقة مع نجله المحامي فاضل الذي عكف علي جمع مسودات مقالات والده وبحوثه وكلفني بمراجعتها وتصحيحها واعادة استساخها وقد نشر كثيرا منها في مجلات العراق ومجلات البلاد العربية كمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ومجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة ومجلة العرب لصاحبها علامة الجزيرة حمد الجاسر التي كانت تصدر عن دار اليمامة في السعودية. كان عباس العزاوي مشتركا في كثير من المجلات وله وكلاء في البلاد العربية يوافونه بالمطبوعات الجديدة التي تقع في دائرة اختصاصه وكان يؤثرني بقراءتها واعادتها اليه وقد افدت فائدة عظمى من هذه الصلة التي كانت ربيعا مزهرا من حياتي الثقافة والادبية فقد توسعت دائرة معارفي واصبحت ملما الماما تاما بالنشاط الثقافي في سورية ومصر والمغرب وغير ذلك من الاصقاع العربية ودوائر الاستشراق فقد كانت له مراسلات مع ماسنيون الذي زامله في المدرسة المرجانية وتتلمذ معه على العلامة علي علاء الدين الالوسي وقد ذكر لي ذلك العزاوي وقال ان ماسنيون قد اعتمر العمة وليس الجبة شأنه شأن جميع طلبة العلم من المسلمين وكذلك المستشرق الالماني ريتر ومن المستعر بين من ايران عباس اقبال ومن تركيا اسماعيل حقي الازميري.
منهج العزاوي في تدوين التاريخ
لقد نهج العزاوي في تدوين كتابة تاريخ العراق بين احتلالين والذي غطى حقبة تقرب من سبعة قرون ابتداء من سقوط بغداد على يد هولاكو الى سقوطها على القائد الانكليزي ستانلي مود في 11/آذار/ 1917.
اقول لقد نهج نهج المؤرخين المسلمين وذلك باتباع السياق الزمني فهو يؤرخ احداث ووقائع كل سنة ثم ينتقل الى السنة التالية وهو ما يصطلح عليه بمنهج الحوليات وغير خاف على احد ان مراجع ومصادر هذه الحقبة شحيحة خلا بعض الكتب التركية والفارسية والسالنامات وقد اجاد منه لمعرفته اللغة التركية وآية ذلك انه ترجم كتاب الكندي عن اللغة التركية كما افاد من اتقانه للغة الفارسية التي ترجم عنها رحلة المنشئ البغدادي.
مؤلفات عباس العزاوي المطبوعة:
1. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء الاول حكومة المغول مطبعة بغداد 1935 ص 644
2. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء الثاني – حكومة الجلايرية مطبعة بغداد الحديثة 1936 ص 418 + تعليقات واستدراكات ص56.
3. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء الثالث – الحكومة التركمانية، بغداد – مطبعة النفيض الاهلية 1939 ص424 + ملحق ص 43.
4. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء الرابع – العهد العثماني الاول، مطبعة شركة التجارة والطباعة المحدودة 1949 ص 348 + ملحف ص8.
5. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء الخامس – العهد العثماني الثاني، مطبعة شركة الطباعة والتجارة المحدودة 1953.
6. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء السادس – حكومة المماليك مطبعة شركة الطباعة والتجارة المحدودة بغداد 1954 ص 392.
7. تاريخ العراق بين احتلالين الجزء السابع – العهد العثماني الثالث، مطبعة شركة التجارة والطباعة المحدودة بغداد 1955 ص 322.
8. تاريخ العراق بين احتلالين – الجزء الثامني- العهد العثماني الاخير، مطبعة شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد 1956 ص 358.
9. عشائر العراق – الجزء الاول – البدوية القديمة والحاضرة – مطبعة بغداد 1937، ص538.
10. عشائر العراق – الجزء الثاني.
11. عشائر العراق – الجزء الثالث – اهل الارياف – مطبعة شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد، 1955 ص 33*.
12. عشائر العراق الجزء الرابع.
13. تاريخ علماء بغداد (منتخب المختار) لمحمد بن رافع السلامي – صححه وعلق حواشيه عباس العزاوي، مطبعة الاهالي – بغداد 1938 ص 286.
14. رحلة المنشيء البغدادي – ترجمها عن الفارسية عباس العزاوي طبع شركة التجارة والطباعة المحدودة بغداد 1948 ص 128.
15. مجموعة عبدالغفارالاخرس – تقديم وتعليق مع ملحق لعباس العزاوي، طبع شركة التجارة والطباعة المحدودة بغداد 1949 ص 142.
16. كتاب سمط الحقائق – لداعي الدعاة علي بن حنظلة تحقيق وتعليق نشر المعهد الفرنسي بدمشق 1953.
17. تاريخ علم الفلك في العراق في العهد العثماني مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق 1955.
18. تاريخ علم الفلك في العراق – مطبعة المجمع العلمي العراقي بغداد 1958.، ثم اعادت طبعه بيت الحكمة بتحقيق وتعليق سالم الالوسي بغداد 2004.
19. تاريخ النقود العراقية – لما بعد العهود العباسية – طبع شركة التجارة والطباعة المحدودة 1958 ص 246.
20. الموسيقى العراقي في عهد المغول 1951 ص 130.
21. الكاكائية في التاريخ – طبع شركة التجارة والطباعة المحدودة 1949.
22. تاريخ الضرائب العراقية / شركة التجارة والطباعة بغداد 1959.
23. التعريف بالمؤرخين – في عهد المغول والتركمان – شركة التجارة والطباعة المحدودة – بغداد 1957 ص 300.
24. ذكرى ابي الثناء الالوسي، شركة التجارة والطباعة بغداد 1958.
25. تاريخ الادب العربي في العراق – القسم الاول، مطبوعات المجمع العلمي العراقي – مطبعة المجمع بغداد 1961 ص 424.
26. تاريخ الادب العربي، القسم الثاني، مطبوعات المجمع العلمي العراقي مطبعة المجمع بغداد 1962 ص420.
27. النخل في تاريخ العراق – مطبعة اسعد، بغداد 1962 ص 152.
28. فيلسوف العرب يعقوب بن اسحاق الكندي وضعه باللغة التركية العلامة البرفسور اسماعيل حقي الازميري نقله من التركية الى العربية عباس العزاوي، مطبعة اسعد – بغداد 1963 ص 180.
29. تاريخ شهرزور – السليمانية – حققه ونشره محمد علي قرداغي بعد وفاة مؤلفه.
30. تاريخ اليزيدية واصل عقيدتهم (بغداد 1935).
31. تفضيل الاتراك على سائر الاجتاد لابن حسول تحقيق انقرة 1940.
32. النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس – لابن دحية الكلبي تحقيق بغداد 1946.
وهناك كثير من مؤلفاته التي ما تزال مخطوطة تنتظر من ينفض عنها غبار الاهمال والنسيان فيحققها وينشرها واكثرها في مكتبة المتحف العراقي التي آلت اليها مكتبة العزاوي الخاصة.
اسمه وانتماؤه العشائري:
ذكر عباس العزاوي في الجزء الثالث من كتابه عشائر العراق ص170 في معرض كلامه على البو جادر وهذا ابن بايزيد ومنهم البو ثامر منهم مؤلف هذا الكتاب عباس بن محمد بن ثامر بن محمد بن جادر بن بايزيد وابناء عمه الحاج اشكح الثامر والبو كرم (اخو ثامر).
كانت ولادته في مضارب عشيرة العزة قرب جبل حمرين في محافظة ديالى سنة 1890 ثم نزحت اسرته الى بغداد ودرس في كتاتيبها ثم درس على علي علاء الدين الالوسي والعلامة السيد محمود شكري الالوسي مارس التعليم في صدر شبابه في مختلف اصقاع العراق وبعد احتلال بغداد من قبل الجيوش الانكليزية في 11/3/1917 وقبول السيد علي علاء الدين الالوسي القضاء الشرعي اتخذ من العزاوي كاتب له وحين اعيد افتتاح مدرسة الحقوق انتمى اليها عباس العزاوي وبعد تخرجه فيها احترف مزاولة المحاماة ولم يقبل على وظائف الدولة حدثني رحمه قال جاءتني احدى الاسر البغدادية العراقية لتوكيلي في دعوى تخصها فقلت لهم انا لا اطلب اجر محاماة وانما اكتفي بمجلدات جريدة زوراء التي عندكم فوافقوا ولهذا كان يتخذ من مهنته وسيلة لاغناء مكتبته الخاصة وتزويدها بالمصادر.
صلاته بالمستشرقين لويس ماسنيون ورينر (رسالة المستشرق الالماني ريتر الى عباس العزاوي).
ولد ريتر عام 1892 وهو من الاعلام الذين عنوا بالثقافة الاسلامية ذكر العلامة نجيب العقيقي في الجزء الثاني من موسوعة المستشرقين ان ريتر اشرف على معهد الاثار الالماني في استنبول طوال ثلاثين سنة وانشأ له المكتبة الاسلامية (1918) لتحقيق النصوص الاسلامية لاسيما العربية فنشرت العديد من كتب الامهات واسس فيه مجلة اورباتس 148 ثم عميدا لكلية الاداب في جامعة فرانكفورت (1949) وعندما احيل الى المعاش رجع الى استنبول لاستئناف نشاطه وقد اقيمت له حفلات تكريم عديدة منه حفلة استنبول (1949) واخرى في جامعة الدول العربية 1957. ورسالة ريتر صادرة بتاريخ 4/10/1948 وقد وجه فيها بعض الاسئلة والاستيضاحات الواردة في كتاب النبراس لابن دحية الكلبي الذي حققه العزاوي ونشره وكانت الاسئلة قد وجهها المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون وهذا هو نص الرسالة مصورا بخط ويتر:
حضرة الفاضل المؤرخ عباس العزاوي
التحية والسلام...
وبعد وجدنا في كتاب النبراس الذي طبعتموه في صفحة 102 حاشية لكم تقولون فيها وللعلاء البخاري في ناصحة الموحدين وفاضحة الملحدين، وكذا الموحدين التي في مكتبة ابا صوفيا فلم نجد فيها ذكرا للحلاج الا انه رد قوله انا الحق وانا الخيراثية فلم نسمع بها او اي شيء هي. وان كان عندكم نسخة من الفاضحة او الخيراثية فيها اخبار الحلاج او رد عليه مفصل فالمرجو من فضلكم ان تامروا باستنساخ الكلام في الحلاج والذي نلتمس هذا المعروف هو ماسينون صاحب الحلاج المشهور يريد تصحيح كتابه في الحلاج وطبعه مرة ثانية ويحتاج الى ما اشرت اليه من المراجع التي ذكرتم ودمتم سالمين.
المخلص ريتر
4/10/1948

ولا اراني خارجا عن ما ذكره الاستاذ الصحفي عبد القادر البراك في كلمة تأبينه:
لم يكن مقدرا لعباس العزاوي ان يكون بالمقام الرفيع الذي وصل اليه بين رجال القانون والتاريخ في صدر القرن العشرين، فلقد عاش بعد مصرع ابيه المزارع الصغير، عديم النصير، قليل الزاد، ضعيف الامكانيات ولكنه بـ(عصامية القدرة) قد استطاع ان ينطلق من حرفته في (سوق الحدادين) الى طالب مجد مثابر استطاع ان يقطع مراحل دراسته بنجاح وتفوق يعضده بذلك اخ عبقري لامع هو (علي غالب العزاوي) الذي لم يحل فقدانه للبصر دون ان يكون المع انداده في الطلب وفي التدريس معا ويوم زاول (المحاماة) كان ابرز المحامين في قضايا الجزاء حيث كان يناقش شهود القضايا التي يترافع بها مناقشة لا يستطيع الافاضة بها الا من يملك النصر الثاقب في حين ان الشهود الذين كانوا يتراجعون امام مناقشته لا تفضحهم ادلتهم الثبوتية المبينة على (المشاهدة) و(المراقبة) ولئن كان (عباس) وهو الاخ الكبير يتدفع في الخصومة، ويماحك في الجدل، ويشتد في الخصام فان (علي غالب) كان هو الذي يحد من اندفاعه ولجاجته وشدته. وكان يستعين على ذلك بما فطر عليه (عباس) من طيبة قلب وسلامة ذات ورجوع الى الحق حين التأكد من كونه هو الاولى بان يتبع. لقد عرفت (عباس العزاوي) من تردده المتواصل على مكتبات (سوق السراي) لشراء كل ما يراه جديداً بالاقتناء وكان يعتمد حكمه من يقول (قد يوجد في الاسقاط ما لايوجد في الاسقاط) ولهذا فقد احتوت مكتبته الفخمة كل ما هو ثمين ورخيص من المطبوعات والمخطوطات ولكن اعتزازه بها كان على درجة واحدة. فالكتاب لديه بضاعة عزيزة ما عظم موضوعة وما تضاءل ولعل اعتزازه بالكتاب ككائن هو الذي كان يدفعه الى ان يحشد في كتبه كل جليل وسقيم من الامور وهو الذي جعله (يتساهل) في لغته فلم يملك الكتابة المشرقة الدالة على فهمه وتذوقه للاساليب الادبية، ولطالما جر عليه هذا التساهل الكثير من نقد النقاد الذي كان لايسكت عن نفوذهم بل يجيبهم بالردود الشديدة التي هي اقرب الى اساليب النزاع والاقتتال لا اساليب النقاش والجدال.
ولقد استعرت بينه وبين عدد من المؤرخين المعاصرين مناقشات ومجادلات كادت تؤدي الى فصم العلاقات التي كانت تربطه بهم – ولقد كان اسلوبه هذا لايقتصر على (مدوناته) في الصحف والكتب بل كان هو الاسلوب الذي عرف به في (مجلس الكرمل) الذي كان يعقد في صبيحة كل جمعة وفي (المجمع العلمي العراقي) وفي اجتماعات مأوى القلم) ولمعرفة اعضاء وزوار هذه الاماكن بحسن طوية العزاوي فقد كانوا لا ياخذون شدته ماخذ الجد وطالما انتهت المناقشات بينه وبينهم الى ما يشبه المداعبات.