خبراء: أزمة سكن خانقة متفاقمة وحلول غائبة من قبل السلطات التنفيذية

خبراء: أزمة سكن خانقة متفاقمة وحلول غائبة من قبل السلطات التنفيذية

بغداد/المدى الاقتصادي
يرى الكثير من الخبراء الاقتصديين ان أزمة السكن أسهمت في حدوث مشكلات مزمنة ترافقت معها ظهور عدد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها في المجتمع العراقي ،والتي تكون تأثيراتها السلبية أكثر وقعاً عندما يزداد أعداد السكان بشكل كبير من دون وجود مشاريع

للإسكان تكفي لإسكانهم بشكل مناسب ومتوازن على وفق إعدادهم وما يرافق ذلك من توفير متطلبات هذه الزيادات من توفير الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليم وغيرها.
الخبير الاقتصادي عبد الجبار السلطاني قال: ان مشكلة الزيادة السكانية لها أسبابها المعروفة لاسيما عندما يكون النمو السكاني اكبر من النمو الاقتصادي بنحو كبير ،حينها تكون معدلات الاستهلاك هي الأخرى اكبر من نظيراتها معدلات الإنتاج ،لاسيما مع ازدياد الطلب على الخدمات الصحية وقلة أعداد المدارس مقارنة بأعداد الطلاب المؤهلين للدخول الى المدرسة ،وهذا يعني ان جوهر أزمة السكن ترتبط بازدياد أعداد السكان وتراجع معدلات التنمية الاقتصادية، ما يؤدي الى تفشي ظواهر خطيرة في المجتمع كالفقر والبطالة والفروق الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية.. الخ.
وأضاف: ان أزمة السكن توجب على الجهات التنفيذية التحرك للحد من تأثيراتها ومعالجة المظاهر السلبية وإيجاد الحلول لها في اقرب وقت ممكن ،والتوسع في بناء المجمعات السكنية العمودية لاستيعاب تلك المجمعات أعداداً كبيرة من السكان، وتخصيص جزء مناسب من الميزانية المالية لبناء المجمعات السكانية في عموم المحافظات على وفق الزيادات السكانية، لاسيما ان العراق له مورد نفطي لا بأس به من الممكن توظيفه في هذا الجانب والذي يعد مصدراً مهماً من مصادر التنمية الاقتصادية ،بالتزامن مع الزيادة في أسعار برميل النفط الى سقف (113) دولاراً أميركياً.
وأشار الى ان الكثير من العائلات العراقية لا تزال تعيش في منازل غير مناسبة صحياً واجتماعياً اذ يقطن في الكثير من المنازل التي لا تزيد مساحتها عن 100م مربع أكثر من عشرة أشخاص، وهو أكثر بكثير من الحد الأدنى لمعيشة الأفراد في منزل واحد ،مع معاناة المواطنين المستمرة من جراء ارتفاع بدلات الإيجار وأسعار العقارات وقطع الأراضي السكنية، ما يجعل المواطنين يلجؤون الى ظاهرة شطر المنازل وهي ظاهرة غير صحية واقتصادية لانها مبعث على الكثير من الأمراض بسبب زيادة عدد الناس القانطين في مكان واحد شبه مغلق وزيادة الاستهلاك من الطاقة الكهربائية ان وجدت وماء الشرب التي تتناقص كمياته بالنسبة للشخص الواحد وإلحاق الضرر بشبكات الصرف الصحي وغيرها.
وأكد ان الجهات التنفيذية الحكومية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى الى إيجاد الحلول لازمة السكن ومعالجة الزيادات السكانية والتي يدخل فيها دور المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية في الدعوة الى تحديد النسل وبشكل مبرمج من قبل العائلات العراقية خاصة الفقيرة او المتوسطة، مع إعطاء أهمية من قبل الجهات الحكومية في منح الموظفين والمتقاعدين أراض سكنية وإقراضهم قروضاً تتناسب مع الزيادة في أسعار مواد البناء او منحهم شققاً سكنية ضمن مجمعات سكنية كبيرة، وكذلك الانفتاح على أطراف المدن وعدم التركيز على مراكزها وعدم التجاوز على قطع الأراضي المخصصة للخدمات كالمدارس والمستشفيات ورياض الأطفال وغيرها كما نرى حالياً في بعض المناطق السكنية، التوجه نحو البناء العمودي لاسيما في إعادة العمل بنموذج مشاريع مجمعات البناء الجاهز الذي تبنته الدولة في حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لإنشاء وحدات سكنية واطئة الكلفة للطبقات الاجتماعية محدودة الدخل والتي أثبتت نجاحها بشهادة الجميع.
فيما قال الدكتور أزهر المياحي أستاذ الاقتصاد في كلية دجلة: ان مدينة بغداد بحاجة الى عشر سنوات للتخلص من أزمة السكن الخانقة التي تعاني منها، وذلك يعني أنها بحاجة الى إنشاء مئة الف وحدة سكنية سنويا من اجل تأمين مليون وحدة تحتاج إليها العاصمة حالياً، وبغض النظر عن التنامي السكاني المتوقع في بغداد خلال السنوات العشر المقبلة وفي حال تمكن القائمون على قضايا السكن من تجاوز المشكلات والصعوبات المالية والهندسية والفنية والقانونية التي تفاقم الأزمة بشكل واضح ،تبقى الحاجة مستمرة لبناء مجمعات سكنية جديدة، لاسيما اذا عرفنا ان نصف المساكن الحالية بحاجة الى التجديد والصيانة والتأهيل بسبب تقادمها من جهة وعدم أهليتها للسكن من جهة أخرى.
وأضاف: ان الحاجة الى إنشاء وحدات جديدة كبيرة لا تقل عن نصف مليون وحدة، إضافة الى المليون وحدة سكنية المطلوبة في الوقت الحاضر، تبقى هناك ضرورة ملحة حالياً بالرغم من ان هناك الجهود الحكومية التي تنصب في اتجاه رسم وتنفيذ السياسات لتنفيذ بعض الخطوات السريعة في هذا المجال كجزء من الحلول الترقيعية لحل مشكلة السكن ومنها رفع مستوى القرض العقاري الى 25 مليون دينار وشمول المساكن التي هي بحاجة الى الترميم والتأهيل بالقروض وتشريع قانون الاستثمار الأخير، الا ان هذه الخطوات تبقى دون المستوى المطلوب إزاء المشكلات الحقيقية التي تواجهنا في الوقت الراهن لانها تبقى متواضعة إذا وضعت إزاء الرقم الحقيقي للكلف المالية العقارات المبنية في السابق والتي لا يقل سعر الواحدة منها عن 20 مليون دينار برغم انها في أحياء سكنية متوسطة الحال ببغداد.
وتابع ان ما يفاقم أزمة السكن ان سعر الوحدة السكنية التي كانت تبلغ ثلاثين مليون دينار قبل سنة 2003 ارتفع الآن الى 150-200 مليون دينار، حيث صار استقطاب مدينة بغداد للمواطنين من سكنة المحافظات الأخرى عاملاً مهماً لوفرة فرص العمل فيها مقارنة بغيرها من المحافظات ،مما يؤشر مشكلة غير منظورة في تلك المحافظات وهي عدم توفر فرص العمل فيها، الى جانب عودة آلاف المهجرين واللاجئين العراقيين من الخارج الى مناطقهم الأصلية بعد التحسن الأمني الملموس في جميع المناطق في بغداد.
وأشار الى ان هذه المشكلات بحاجة الى حلول جذرية من أهمها رفع سقف القرض العقاري الى 100 مليون دينار للوحدة السكنية ونقل ملف الإسكان من الحكومة الاتحادية الى الحكومات المحلية لتحديد الأولويات في معالجة أزمة السكن وتشجيع المصارف الأهلية على منح قروض عقارية للراغبين وبفوائد قليلة،وهي مقترحات وحلول تعد متواضعة إزاء المبالغ التي تحتاجها مشاريع الإسكان ان الحاجة الى إنشاء ما يقرب من مئة وعشرين الف وحدة سكنية تستلزم ما يزيد على الخمسة وثلاثين مليون دولار، يستثمر بعضها في بناء مساكن شعبية وتوفير الأراضي لها.
ولفت الى ان الحاجة لا تزال قائمة الى المشاركة الحقيقة للاستثمار في هذا الجانب، وذلك لان الصورة ستبقى قاتمة فيما يتعلق بحل أزمة السكن في العراق خلال الفترة المقبلة، خاصة اذا عرفنا ان العاصمة وبقية المحافظات بحاجة الى كل هذه المبالغ والقروض المالية، وليس بالمقدور تغافل ان التسهيلات الجاذبة للشركات الاستثمارية والمستثمرين من القطاع الخاص والتي قدمها قانون الاستثمار وتعديلاته القانونية اللاحقة والتحسن الواضح في الأوضاع الأمنية، أسهمت في اندفاع الشركات الاستثمارية العربية والأجنبية ورغبتها في دخول سوق العمل المحلية وتحديدا في قطاع السكن ضمن العاصمة بغداد وبقية المحافظات بعد ان سبقتها محافظات إقليم كردستان بهذا الشأن.
وبين ان تعليمات وضوابط التعاقد مع الشركات الاستثمارية التي أقرتها الجهات الحكومية مؤخراً والجهود المبذولة من قبلها لإزالة عقبات الروتين الإداري داخل المؤسسات الحكومية ومعالجة مشكلة تخصيص ومنح الأراضي المملوكة للدولة، أسهمت في تنشيط حركة الاستثمار خاصة في قطاع الإسكان في العراق الذي أصبحت له الأولوية في المشاريع الاستثمارية، لاسيما ان العامين 2010 و2011 شهدا منح الكثير من الإجازات الاستثمارية والتراخيص الأصولية للشركات الاستثمارية وأصحاب رؤوس الأموال من القطاع الخاص المحلي والأجنبي، والتي بلغت قيمتها ملايين الدولارات لعمل الشركات الأجنبية في قطاع الإسكان والبناء الذي كان له النصيب الأكبر من جذب رؤوس الأموال الأجنبية، لاستثمارها في مشاريع إسكان كبيرة وإنشاء وحدات سكنية ومنها في مدينة بغداد وهي مشروع معسكر الرشيد ومشروع مدينة المستقبل ومشروع المليون وحدة سكنية.
الخبير الاقتصادي نوري العبيدي دعا الى إيجاد بيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية من خلال إزالة العقبات والمشكلات الإدارية والفنية التي تعيق عمل الشركات الاستثمارية في قطاع السكن، لان الاستثمار في قطاع السكن تتوفر فيه في الوقت الحالي معايير الجدوى الاقتصادية لكونه يعد من أهم المشاريع الاقتصادية الرابحة، لاسيما مع وجود إقبال لافت ومنقطع النضير في عموم محافظات العراق على شراء وامتلاك العقارات والوحدات السكنية، فضلاً عن مؤشرات الحاجة الإنسانية لجذب تلك الأنواع من الاستثمارات مع زيادة أعداد العائلات العراقية التي تبحث عن مأوى وتشكو مصاعب تامين تكاليف بدلات الإيجار المرتفعة.
وأضاف العبيدي: ان التصريحات التي يطلقها المسؤولون في الوزارات والحكومات المحلية ومجالس المحافظات عبر وسائل الإعلام والتي تتحدث عن إنشاء آلاف الوحدات السكنية في بغداد والمحافظات من الممكن لها الإسهام في تحريك سوق العمل المحلية واستقطاب الأيدي العاملة المحلية وتحريك التجارة الإنشائية واستيعاب نحو مليون عامل، خاصة اذا عرفنا ان كل وحدة سكنية يشترك بتنفيذها وانجازها أكثر من 18 حرفة مهنية.
وأكد على ضرورة توجيه الاستثمار الأجنبي نحو تبني مشاريع استثمارية لإنشاء وحدات سكنية واطئة الكلفة يتم بيعها على وفق أنظمة تسديد مريحة تتناسب مع الإمكانات المتواضعة للشرائح الفقيرة وأصحاب الدخول المحدودة من الموظفين والكسبة، وهم الذين يشكلون الرقم الأصعب في حل أزمة السكن، خاصة إذا عرفنا ان مشكلات السكن والبطالة وظاهرة الاختناقات المرورية تشكل علامات فارقة لمشهد المعاناة الحقيقية للمواطن العراقي، لاسيما مع زيادة مضطردة لأسعار العقارات خلال عامي 2010-2011 وبنسب كبيرة جداً والتي بلغت القمة هذه الأيام، حيث ان معدل بدلات الإيجارات للوحدات السكنية فاقت التصور والخيال والتي ألحقت ضرراً فادحا بالطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود والتي تزامنت مع البطالة المستشرية في المجتمع وتزايد أعداد مخرجات الجامعات والمعاهد والمدارس العراقية سنوياً، ما أدى الى تزايد المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
وأشار الى هناك جملة من الحلول المقترحة بهذا الصدد ومنها استثمار قطاع الأراضي الكبيرة الموجودة داخل المدن وتحويلها الى مجمعات سكنية حديثة تمثل جانباً حضارياً ومعمارياً فيه من الجمالية التي يضفيها على تلك المدن، وهو من أهم حلول أزمة السكن الخانقة وبيع تلك الشقق السكنية الى موظفي الدولة، وهو سياق كان معمولا به في حقبة الثمانينات من القرن الماضي والذي يمثل حلاً أنموذجيا لمشكلة السكن خاصة في المدن الكبيرة كالعاصمة بغداد، وكذلك استحداث وزارة او هيئة تحال اليها جميع الأملاك والأراضي بكل أنواعها لغرض تسهيل عمل الجهات المختصة بالحصول على الأراضي عند الشروع بإقامة مشاريع عليها، فضلاً عن سحب جميع قطع الأراضي من المواطنين الذين حصلوا على أكثر من قطعة ارض سكنية وإبقاء قطعة واحدة لأغراض السكن وكذلك سحب الأراضي التي تم الحصول عليها بدون وجه قانوني لتحقيق نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين المواطنين.