3 ملكات في بغداد ..  حياتهن وملامحهن الشخصية

3 ملكات في بغداد .. حياتهن وملامحهن الشخصية

نهلة نعيم عبد العالي
الملكة حزيمـه
زوجة فيصل الاول
ولدت الملكة حزيمه عام 1885 في مكة ، وهي إبنة الشريف ناصر بن علي بن محمد بن عم الشريف حسين ، وكانت التوأم لشقيقتها مصباح زوجة الأمير عبدالله أمير شرق الأردن . قضت الملكة حزيمه شطرا ً من حياتها في أسطنبول عندما كانت الأسرة الهاشمية مقيمة هناك قبل أعلان الدستور مع أشقائها الشريف حسين والشريف علي الذين قدما الى العراق مع الأسرة الهاشمية عام 1924 بعد أستيلاء آل سعود على الحجاز .

تزوجت حزيمه من إبن عمها الأمير فيصل بن الحسين عام 1905 ، وتم هذا الزواج على وفق تقاليد العائلة المالكة وأنجبت في أسطنبول الأميرة عزه والأميرة راجحة وعادت الى الحجاز بعد تولي الشريف حسين أمارة الحجاز، وفيه أنجبت الأمير غازي والأميره رفيعه . وقد وصفتها المس بيل قائلة " لقد كانت الملكة حزيمه أمرأة خجولة حساسة وذات جاذبية الى جانب ما حباها الله به من لطف وكرم أخلاق ، وكان لها نفس الشمائل الموجودة عند الملك " .
وعند أندلاع الثورة العربية عام 1916 أمر الشريف حسين بجمع أحفاده في قصر جدتهم الواقع في شعب في الحجاز ، وعندما هاجم آل سعود في آب 1924 الطائف ومكة وبعد معركة الهدى الفاصلة أضطر الملك حسين الى ترحيل أهل بيته وذويه الى جده .

دفعت هذه الأوضاع أسرة الملك فيصل الأول الى التوجه الى عمان ، إذ مكثوا بعض الوقت في الأردن قبل مغادرتهم الى العراق ، وبعد مناقشة مواد القانون الأساسي في المجلس التأسيسي في حزيران 1924 ،الذي أصبح بموجبه الأمير غازي وليا ً للعهد ، بدأت الأستعدادات الرسمية لأستقبال عائلة الملك فيصل الأول.
توجهت الملكة حزيمة وأولادها من عمان الى ميناء البصرة وتشكل وفداً لأستقبال ملكة العر اق التي وصلت في السابع من كانون الأول 1924 ، وأقيم أحتفال خاص وأعدت زوارق بخارية زينت بسعف النخيل والأعلام العربية وكان الوفد برئاسة بولينا حسون(1) مؤسسة مجلة ليلى التي ألقت كلمة ترحيب بأسم السيدات بمناسبة وصول الملكة حزيمه الى العراق . وقبل وصول الملكة أستدعى فيصل الأول سكرتيرة المندوب السامي البريطاني( المس جرترود بلMissGertrude Bell) لتهيئة المتطلبات الخاصة لأستقبال الملكة وبقية أفراد الأسرة وساعدتها في هذه الأعمال( ليدي كورونواليس (LaydyCornwlis زوجة مستشار وزارة الداخلية البريطاني .
أستقرت الملكة حزيمه وأولادها في( قصر شعشوع) ، الذي أستأجرته وزارة الداخلية للملك فيصل الأول عند قدومه الى العراق ليتخذه مقر سكن دائم له ، وحقيقة الأمر أن القصر ليس سوى دار صغيرة لكنه جميل البناء يقع على الضفة اليسرى من نهر دجلة في منطقة الوزيرية ، وبقيت عائلة الملك فيصل الأول في هذا القصر حتى التاسع من نيسان عام 1926عندما حصل الفيضان في نهر دجلة ، فأنكسرت السدود التي تقي العاصمة وكان قصر شعشوع من جملة الأماكن التي أصيبت بأضرار فأصبحت غير صالحة للسكن ، لذلك نقلت عائلة الملك فيصل الأول الى دار مناحيم دانيال الواقعة على ضفة نهر دجلة اليسرى في منطقة السنك .
وفي مطلع عام 1927 أنتقلت العائلة الى السكن في مدرسة الصنائع وفي أثرذلك قرر مجلس الوزراء أنشاء قصر للملك فيصل الأول، فقد ظل لمدة طويلة لا يملك قصرا ً حتى عام 1933، على الرغم من مرور أثني عشر عاماًعلى توليه عرش العراق وقد صرح في حديث الى جريدة المصور المصرية قائلا ً "لقد أنتهينا من بناء المملكة فبأستطاعتي الآن أن أبني القصر " ، وقد سكنت الملكة حزيمه وأولادها في قصر الحرم قبل بناء قصر الزهور ، وكان قصرا ً مبنيا ً منذ العهد العثماني معقد البناء ، وقد سكن مع الملكة حزيمه في هذا القصر أشقاؤها الشريف حسين والشريف علي.
كانت عائلة الملك فيصل الأول تعيش عيشة بسيطة أذا ما قورنت بحياة الملوك المعروفة بالأسراف والتبذير ، إذ كان الملك فيصل غير مهتم بجمع المال وتكديسه فلم يكن تحت تصرفه من السيولة النقدية ما يكفي حتى لتنفيذ بعض رغباته .وكانت بعض العوائل العراقية الثرية تعيش حياة أكثر رفاه من العائلة المالكة التي تعتمد في مصروفاتها على أيجار أملاكها في الحجاز التي تعهدت الحكومة البريطانية بعدم تدخل السلطة المحلية في شؤونها وكان أرسال مبالغها عن طريق وكيل العائلة المالكة في الحجاز محمد نصيف ، وكانت رواتب العائلة المالكة تعبر عن روح التواضع والبساطة فكان راتب الملكة حزيمه 476 روبية ، أما أبناء الملك فيصل فلم تتجاوز رواتبهم 180 روبية في حين كان راتب الطبيب الخاص للملك هو 500 روبية .
توفيت الملكة حزيمه في السابع والعشرين من آذار عام 1935، أثر سكتة قلبية وترك خبر وفاتها الذي أنتشر في ذلك اليوم ألما ً لدى عامة الشعب وقد شيع جثمانها بشكل لافت للنظر ، وحضر التشييع وزراء الدولة وعدد من الوجهاء والعلماء وعلى رأسهم الملك غازي ، وقد نعيت الملكة في المآذن في معظم جوامع بغداد ونكست الأعلام على المباني الرسمية في حفلة الدفن ، ونقل جثمانها الى المقبرة الملكية.

الملكة نفيسة زوجة الملك علي
ولدت في أسطنبول عام 1887 ، عندما عين والدها الشريف عبدالإله ولي عهد الأمارة في مكة المكرمة ، كانت سياسة العثمانيين الأحتفاظ بولي العهد عندهم رهينة لحين موعد تنصيبه . ولها أخ يدعى الشريف سالم توفي وهو في الحادية والعشرين من عمره ، ووالدتها (ملك خانم) من أصل شركسي من بلاد القفقاس وعاشت بقيت حياتها في تركيا في منطقة أمرغون .
بقي الشريف عون أميرا ً على مكة مدة طويلة قضت في أثنائها الأميرة نفيسة شطرا ً من حياتها في تركيا ، وفي عام 1891 ، عندما استدعي الشريف حسين الى الأستانه للحد من النشاط المتصاعد ضد عمه الشريف عون تقدم بطلب يد الأميرة نفيسة من عمه الشريف عبدالإله لتزويجها من نجله الأكبر الأمير علي وقد تزوجها عام 1908 وكان لها من العمر تسعة عشر عاما ، وسكنت مع زوجها في قصر أمير كنده .
كانت الملكة نفيسة كما وصفها الدكتور كمال السامرائي طبيب الملكة عاليه "ذات حجم وبدن نحيف وسحنة سمراء يستشف منها حزن دفين وهي تبدو صارمة دوما ً ونطقها ذو رنة أمرية إلا مع حفيدها الملك فيصل الثاني فهو بلين وتعاطف وعذوبة وهي تدخن سيكارة رفيعة أسمها غازي تضعها بعجلة وتوتر بين شفتيها ، وكان عبدالإله يحترمها مثل أخواته ويخشى سخطها ولا يقابلها وهو مخمور أو في فمه سيكاره " .
وقد وصفتها المستشرقة البريطانية( فريا ستارك Frey a Stark)عندما زارتها في منزلها في الحجاز بأنها " سيدة رقيقة وحزينة ووجهها شاحب وتبدو صغيرة ، أما ملابسها وطريقة تسريح شعرها فلا تليق بها كأميرة مع أنها أعتادت على حياة أكثر رخاء في أستانبول وكان الناس يكرهون زيارتها وذلك لصعوبة كلامها ، لأنها لا تجيد اللغة العربية ، وكانت أكثر أجابتها بكلمة نعم ".
وبحكم تربيتها فقد نشأت سيدة متحضرة ومثقفة وكانت متأثرة بمظاهر التمدن والرقي وبهذا فقد أختلفت عن نساء الأسرة الهاشمية بمن فيهن الملكة حزيمة زوجة الملك فيصل الأول ، وكانت تدخل على بيتها كل ما تراه من رقي وتطور فعندما كان الرقص في هذه الحقبة أحد مظاهر التمدن جلبت الملكة نفيسة معلمة لتعليم بناتها الرقص ، وكانت تتابع آخر الموضات لتلبس بناتها لكي يتفوقن على قريناتهن من بنات عمهن الملك فيصل الأول . والملكة نفيسة أمرأة حازمة ولها كلمة مسموعة في أكثر المسائل التي تهم الأسرة ، عاشت بعد وفاة زوجها وهي تتشح بالسواد ، وكانت دائبة على قراءة القرآن .
عادت الملكة نفيسه عام 1908 مع عائلة الأمير عبدالله الى جده ، وعاشت في الحجاز حياة مختلفة كثيرا ً عما كانت عليه في تركيا ، وكانت من أغنى أميرات العائلة المالكة ، فقد كان والدها الشريف عبدالآله باشا أمير مكة السابق ثرياً جداً ، وقد ورثت أمواله جميعها بما فيها قصر الطائف .
كانت الملكة نفيسه مواظبة على أكساء الفقراء والأيتام في الأشهر الحرم وكانت تعتق كل سنة ثلاثة من العبيد وثلاث من الجواري، وقد بلغ مجموع ما أعتقته منذ وصولها الحجاز حتى خروجها عام 1924 تسعين رقيقاً.
وبعد مغادرة الملك علي مدينة جده في الثامن من كانون الأول عام 1925 بعد تنازله عن الحكم ، توجه الى بغداد التي وصل إليها في الثامن من كانون الثاني عام 1926. بعد مضي ثلاثة أشهر على إستقراره في بغداد ، أرسل الملك فيصل الأول الى عائلته للتوجه الى بغداد كي يكونوا بالقرب من والدهم الملك علي وقد غادرت الملكة نفيسة مع أولادها عمان متوجهة الى بغداد وعندما دخلوا مدينة الرمادي كان في أستقبالهم الملك فيصل الأول ، وقد هيأ للنساء العباءات العراقية. وذلك لأرتدائهن الشراشف التركية لأختلاف الزي النسائي العراقي عن زي النساء في الأردن وسوريا.
سكنت الملكة نفيسة وبناتها في بيت يعود لأحد اليهود في الباب الشرقي وظلوا فيه نحو سنتين ونصف ، أنتقلوا بعدها الى قصر آغا جعفر وهو من وجهاء البصره في كرادة مريم ، يقع على نهر دجلة وأطلق عليه العامة قصر الملك علي وهو عبارة عن بيتين متلاصقين أحدهما للنساء سكنت فيه الملكة نفيسة وبناتها والآخر للرجال شغله الملك علي وأثثه بنفسه ، وبعد وفاته في 14 شباط عام 1935 أنتقلت العائلة الى دور السكك . و كان الوضع في العراق بالنسبة للملكة نفيسه صعبا ً في بداية الأمر فقد شعرت أنها أقل أهمية بالنسبة لعائلة الملك فيصل الأول الأخ الأصغر لزوجها الملك علي لاسيما وأن معيشتهم كانت على حساب الملك فيصل الذي يقوم بأعالة كل أفراد العائلة المالكة. ولكن بعد زواج أبنتها عاليه من الملك غازي شعرت الملكة نفيسة بأرتياح كبير ، لاسيما بعد أن أنجبت الملكة عاليه ولدها فيصل الثاني . وقد أهدى الملك غازي قطعة أرض قريبة من قصر الزهور لبناء قصرهم الذي سمي قصرالرحاب نسبة الى قصرلأجداد العائلة المالكة بني في قرية تحمل الأسم نفسه في الطائف ، وبعد تولي الأمير عبدالإله وصاية العرش عام 1939 أزدادت سعادة الملكة نفيسة فأصبحت هي وأبنتها الملكة عالية المرأتين البارزتين في العراق ، وقد أسهمت في الكثير من الأعمال الخيرية ، وهذا ما سنفصله لاحقا ً .
قتلت الملكة نفيسة بعد قيام الثورة على النظام الملكي في الرابع عشر من تموز عام 1958 برصاص الضباط الذين هاجموا القصر الملكي ، وكان عمرها يناهز الواحد والسبعين عاما ،
الملكة عاليه
ولدت الأميرة عاليه في صبيحة التاسع عشر من كانون الثاني عام 1911 في حارة القشاشية بمكة المكرمة وكان والدها الملك علي حينذاك في أحدى غزواته خارج مكة. وفي يومها السابع سماها جدها الشريف حسين بن علي( عاليه) وبعد أربعين يوما من ولادتها ً أخذت كعادة أهالي مكة الى المسجد الحرام إذ طاف بها بالبيت الحرام السيد العلامة الشيخ عبدالله الزواوي وبعد ذلك وضعها على باب الكعبة وطلب من مؤذن الكعبة الشيخ محمد الشيبي أن يدعوا لها قائلا ً أدع لعاليه الفضائل .
كانت نحيفة القوام ذات عينيين واسعتين ووجه بيضوي يمتاز بأشراقة وبكلامها الذي ينطلق عن أدب أصيل ، والملكة عاليه كريمة الخلق متواضعة في أريحية وأنبساط ذات أسلوب مشرق الى جانب ما تمتاز به من بساطة في مظهرها ، ولم يكن في حديثها أي تكلف وكانت شخصيتها توحي بالأحترام ، هادئة الطبع وذات حلاوة في خلقتها وخلقها وكانت باسمة دوما ً (3) ، قال الشيخ الذويبي لوالدها " تمنيت لو خلق الله هذه الفتاة أميرا ً هاشميا ً لتحدث الركبان عن فتوتها ورباطة جأشها في الكر والفر".
في الثامن من أذار عام 1920 غادرت الأميرة عالية وأخواتها الى دمشق لحضور حفل تتويج عمها الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا. وكانت تشاهد من أحدى الدور المطلة على ساحة الشهداء وصول عمها وحشود الشعب السوري تهتف ( يحيا ملك سوريا) ،ولم تمر مدة طويلة حتى عادت الأميرة عالية الى مكة ، وبقيت هناك حتى سفرها الى العراق عام 1926 وعاشت تحت رعاية عمها الملك فيصل الأول حتى أصبحت ملكة العراق عام 1934 ، عندما تزوجت من أبن عمها الملك غازي.
تمت خطوبة الأميرة عاليه في الثامن من أيلول عام 1933 عندما كانت في أسطنبول مع والدتها وشقيقاتها في زيارة الى جدتها ملك خانم ، وفي أثناء وجودها هناك توفي عمها الملك فيصل الأول في ليلة السابع من أيلول عام 1933 ، فاجتمعت العائلة المالكة وقررت زواج الملك غازي من أبنة عمه الأميرة عاليه تنفيذا ً لرغبة والده الملك فيصل الأول .
سافر الأمير عبدالإله ليصطحب والدته وشقيقاته ، وعندما علمت الأميرة عاليه بخطوبتها ، صعقت لهذا الخبر فلم تتوقع بأنها ستصبح يوما ً زوجة للملك غازي لأنه يصغرها بعام كما أنها كانت تميل الى إبن عمها الأمير طلال بن عبدالله وعلقت قائلة " هل أنا جارية لكي يبيعوا ويشتروا بي دون أن يأخذوا رأيي " .
عادت الملكة عاليه في الثامن من كانون الأول عام 1933 الى بغداد ووقف متصرف لواء الموصل تحسين قدري وعدد من مسؤولي الدولة لأستقبال ملكة العراق حيث اقيم حفل زفافها في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 1934 . وبهذه المناسبة أذاع مجلس الوزراء العراقي بياناً جاء فيه "بمنـّه الله تعالى تم زفاف
الملكة عالية إبنة الملك علي المعظم ملك الحجازالسابق في عاصمة مملكة العراق وذلك في الساعة التاسعة والنصف مساء يوم الخميس 9 شوال سنة 352 هـ ، الخامس والعشرين من كانون الثاني1934 جعل الله هذا القران السعيد مقروناً بالرفاه والبنين ".
أقتصرحضور الزفاف على أقارب العروسين فقد كان الحزن على وفاة الملك فيصل الأول مستمرأً في البلاد وكان حفل الزفاف بسيطا ً ، وقد حضر رئيس الوزراء جميل المدفعي ورؤساء الوزارات السابقين وأعضاء الوزارات القائمة آنذاك ووزعت النقود على الفقراء والمحتاجين في سائر أنحاء العراق،وأنتقلت الملكة عالية الى قصر الحارثية على أعتبار أنه لايجوز أن تسكن ملكتان في قصر واحد ، اي مع الملكة حزيمة، وبعد أن أكتمل بناء قصر الزهور أنتقلت الملكة عاليه الى مقرها الجديد وأخذت تتلقى دروسا ً في العلوم والثقافة والآداب من مدرسين أكفاء .
أنجبت الملكة عاليه أبنها الوحيد الأمير فيصل في الثاني من آيار عام 1935 ، بعد أن أصيبت بالأجهاض في حملها الأول في التاسع من آيار عام 1934 وكرست نفسها لتربية أبنها الوحيد وكان منذ طفولته يخاطبها بكلمة ستي كما كان يخاطب مربيته بكلمة ماما . وكانت تطلب من المقربين إليه أن يعامل مثل الأطفال الأخرين ، وأعتادت الملكة عاليه في الأعياد والمناسبات توزيع الهدايا على الخدم. وعندما بلغ الأمير فيصل الثاني الخامسة من عمره أوكلت إليه هذه المهمة ، وكانت على الرغم من ألتزاماتها تقوم بالأشراف على دروسه وتنمي القدرات والمواهب التي تلاحظها عليه ومساعدته على تنميتها وحرصت على أن يطلع على سير الشخصيات العربية والأسلامية التاريخية لتهيئته ملكا ً ، وقد قبل في (مدرسة هارو العامةHarrow Public School ) في بريطانيا وكان في الثالثة عشر من عمره بعد أن أمضى سنة في( مدرسة ساندرويد Sandroyd School) التمهيدية ، وقد أشترت الملكة عالية منزلاً في ستانويل في لندن لتكون قريبة من ولدها ، طلبت من ناظر الخزينة أن يعامل ولدها مثل الصبيان الأخرين وأن لا تعطى له أية أمتيازات خاصة.
بدأت حالة الملكة عاليه تتدهور عام 1948 وعندما كان شقيقها الوصي عبدالإله يسألهاعما تشكوه حين يجدها مضطجعة تقول له بأنها لا تشكو من شيء وأنها متعبة قليلا ً ولكن عبدالآله أحس بأنها تشكو من مرض ولا ترغب في أخباره حتى لا تقلقه ولهذا طلب أجراء الفحوصات الطبية لها في لندن . وأجريت لها عمليتان جراحيتان عام 1950 بعد أن تبينت بأنها مصابة بمرض السرطان ولكن لم يتحقق أي شفاء ولم يكن بوسع الأطباء سوى أستعمال الحقن لتسكين الألم. وقد أقترح الوصي على الأطباء نقلها الى الولايات المتحدة لكنهم نصحوه بأنه لا فائدة من ذلك ، وعادت الملكة عاليه في الثالث والعشرين من تشرين الأول بناء على طلبها قائلة "خذوني فأن عشت فأنا تحت سماء بلادي وأن مت فلأدفن بين أفراد شعبي " . وقد رافقها في رحلتها طبيبان أنكليزيان هما(دكسن فرثDr.Dixson Firth ) و ( جونسون Dr.Johnson)، وعند عودتها الى العراق أشرف على علاجها الدكتور كمال السامرائي وقبل وفاتها طلبت من والدتها الملكة نفيسة أن تأخذها لزيارة قبر الرسول وكان يرافقها شقيقها الأمير عبدالإله وشقيقتها الأميرة جليله وأبنها الملك فيصل الثاني.
في ليلة الحادي والعشرين من كانون الأول 1950 أشتد المرض على الملكة عاليه فأستدعت ممرضتها الدكتور كمال السامرائي وكانت الملكة عاليه متعبة جدا ً فطلبت رؤية والدتها الملكة نفيسه وعندما دخلت عليها قبلت يدها قائلة " أغفري لي يا أمي أن كنت قد أخطأت معك يوما"، فلم تتحمل الملكة نفيسة الموقف فغادرت الغرفة مسرعة ، وطلبت الملكة رؤية شقيقتها الأميرة عبديه ، وأوصتها أن تكون أما ً للملك فيصل الثاني بعد وفاتها ، كما أوصت شقيقتها الأميرة بديعه بالأهتمام بزوجها ، وبعد ذلك دخل شقيقها الأمير عبدالإله فقالت له الملكة عاليه " أريد أن يكون الدكتور كمال شاهدا ً على ما أقول يا أخي عبدالإله كان فيصل يتيم الأب وعما قريب سيكون يتيم الأم، فعدني أن تكون له أبا ً وأما ً لأغفر لك ما مضى وأراد أن يقاطعها فردته بحزم ،عدني أمام الدكتور فهو شاهدي بدار البقاء " ، فتمتم بالوعد وخرج ثم أخذت صورة الملك فيصل الثاني وقبلتها ووضعتها على صدرها وأعقب ذلك أضطراب في أنفاسها وبعد ساعة لفظت أنفاسها وبعد نصف ساعة أذاعت الحكومة نبأ وفاتها ، ونقل جثمانها من قصر الزهور الى البلاط الملكي ، ووقفت جموع من المواطنيين من نساء ورجال لألقاء النظرة الأخيرة على الملكة الشابة ، وصحبت سيارة الملكة شقيقاتها ووالدتها ، ودفنت في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1950 في المقبرة الملكية في الأعظمية .
عن رسالة ( سيدات البلاط الملكي )