مائة سنة على الحملة البريطانية على بلاد ما بين النهرين

مائة سنة على الحملة البريطانية على بلاد ما بين النهرين

عدنان حسين أحمد
صدر عن دار Createspace بلندن كتاب جديد للباحث نديم العبدالله يحمل عنوان"مائة سنة على الحملة البريطانية على بلاد ما بين النهرين". يتضمن الكتاب تسعة فصول وثبْت بالمصادر والمراجع.
ركّز الباحث في الفصل الأول على الحملة العسكرية البريطانية على بلاد ما بين النهرين التي تُعتبر تداعياتها الحدث الأكثر أهمية في تاريخ العراق في القرن العشرين

والذي شكّل بالنتيجة خارطة العراق الحديث بحدوده الدولية الراهنة لأن العراق قبل هذه الحملة كان تابعًا للإمبراطورية العثمانية وجزءًا من خارطتها الجغرافية.
قدّم الباحث مخططًا موجزًا للعمليات العسكرية بين جيش الإمبراطورية العثمانية والجيش البريطاني الهندي خلال تلك الحملة والتأثيرات الكبيرة التي خلّفتها على حياة المواطنين في ميسوبوتيميا، أي بلاد ما بين النهرين"العراق"حاليا.
يتمحور الفصل الثاني على الإحصاء الرسمي لميسوبوتيميا الذي حدث سنة 1920 حيث بلغ نفوس العراق 2.849.282 نسمة على وفق الأديان والمذاهب الآتية: السُنة 1.146.658، الشيعة 015 1.494، اليهود 87.488، المسيحيون 78.792، أديان أخرى 42.302. كما يورد الباحث ستة إحصاءات رسمية تبدأ بسنة 1920 حيث كان التعداد السكاني للعراق 2.849.282 إلى إحصاء سنة 1965 حيث بلغ نفوس العراق 8.261.527 نسمة بحسب مصادر متعددة بضمنها وزارة التخطيط العراقية.
يعالج الفصل الثالث الزراعة والمناخ وصادرات ميسوبوتيميا ووارداتها حيث تصدِّر ميسوبوتيميا سبع مواد أساسية وهي التمور، والصوف، والحنطة، والجوز، والسمن، والسجاد والجياد وبمبالع تنحصر بين 45.000 و 600.000 جنيه أسترليني. وتستورد ست مواد أساسية وهي المنتجات الحديدية، والمنتجات القطنية، والسكّر، والخشب، والرز، والشاي والقهوة وبمبالغ تنحصر بين 50.000 و 1.200.000 جنيه أسترليني بحسب وزارة الخارجية البريطانية عام 1920.
كما أشار الباحث إلى أن المناخ قد تغيّر بشكل دراماتيكي حيث كانت درجات الحرارة في أوائل القرن العشرين أقل مما هي عليه في الوقت الحاضر بـ 4 - 5 درجات مئوية. أما سقوط المطر فهو ينحصر بين تشرين الاول ونيسان، كما تكون ميسوبوتيميا عُرضة للفياضات بسبب ذوبان الثلوج في الأجزاء الشمالية من البلاد.
يركز الباحث في الفصل الرابع على إنتاج النفط في المدة المحصورة بين 1913- 1920 في 22 بلدًا في العالم حيث كانت أميركا تتصدر قائمة البلدان المنتجة للنفط تليها روسيا والمكسيك ورومانيا وتنتهي بفنزويلا وفرنسا. وثمة إشارة إلى أن مصر كانت تنتج كمية قليلة جدًا أما بقية الدول العربية فلم تكن منتجة للنفط آنذاك. يؤكد الباحث بأن العالم ينتج الآن 85 مليون برميل يوميًا، أي أكثر بمئة مرة من إنتاج عام 1910 بحسب ستيفن لونكَريغ"النفط في الشرق الأوسط: اكتشافه وتطويره"1954.
أما الإنتاج الثقافي في العراق قبل وبعد سنة 1914 فهو كارثيّ حقًا لأن المجموع الكلي للكتب المطبوعة لأكثر من 100 سنة قد وصل بالكاد إلى 4.332 كتابًا، أي ما نسبته 58% دين وأدب، و 38% علوم اجتماعية، تاريخ وجغرافية، و 4% علوم، كما أوردها بيير روسي، ويالها من نسبة ضئيلة تثير الأسى والحزن! كما يتوقف الباحث عند خط برلين - بغداد، وبرلين - مكة الذي أُنجز عام 1914، وحلم ربط الإمبراطورية الألمانية بالشرق.
يسلِّط الباحث في الفصل الخامس الضوء على الإمبراطورية العثمانية والبلدان المنضوية تحت رايتها كالعراق وبلاد الشام وأجزاء من الجزيرة العربية التي تتكون من إمارات ومشايخ متعددة يحكمها شيوخ عرب مثل الحجاز، ونجد والإحساء، وجبل شمّر، وعْنِزة، وعسير، واليمن، وعُمان، والكويت والإمارات العربية التي توحدت لاحقا. كما أشار الباحث إلى أن اسم العراق كان مستعملاً منذ عدة قرون ولم يكن من اختراع البريطانيين وذكر سبع خرائط تحمل اسم العراق العربي وخريطة واحدة تحمل اسم العراق العجمي!
قسّم الباحث الفصل السادس إلى مرحلتين أساسيتين تبدأ الأولى باحتلال الفاو والبصرة، ثم السيطرة على العمارة والناصرية والكوت وحصارها الشهير الذي استمر خمسة أشهر ثم استسلامها الكامل للقوات العثمانية حيث ألقت الحكومة البريطانية اللوم على الفريق جون نيكسون لاتخاذه قرار التقدم إلى بغداد من دون قوة كافية. أما المرحلة الثانية فتتمثل بالتغييرات الجذرية التي أحدثتها الحكومة البريطانية في الجيش البريطاني الهندي عديدًا وعدة وتعيين الجنرال مود الذي أعاد احتلال الكوت واندفع منها إلى بغداد لتتوالى انتصارات الجيش البريطاني الهندي الذي دخل كركوك والموصل من دون قتال ووافق على استسلام القطعات التركية وإعلان الهدنة في 30 تشرين الاول 1918 حيث استسلم القائد التركي في اليوم التالي. أما خسائر الجيش البريطاني الهندي فقد بلغ مجموعها 101.549 حسب كتاب الديلي ميل السنوي 1920، علمًا بأن مجموع القطعات البريطانية الهندية في ميسوبوتيميا قد بلغ 414.000 جندي.
يركز الباحث نديم العبدالله في الفصل السابع على الجبهات الأخرى الثلاث وأولها جبهة مصر - فلسطين التي كان يقودها الجنرال أدموند ألنبي، ففي 9 كانون الاول 1917 احتلت قواته أورشليم القدس، كما احتلت دمشق في 1 تشرين الاول1918 وتبعها احتلال حمص في 16 تشرين الاول وحلب في 25 تشرين الاول 1918. وجبهة الجزيرة العربية التي قادها الأمير فيصل وكان يساعده توماس إدوارد لورنس المعروف بـ"لورنس العرب".
أما الجبهة الثالثة فهي جبهة غاليبولي"مضائق الدردنيل"فقد قاتل البريطانيون ضد القوات العثمانية لكن هذه الحملة لم تكن موفقة للبريطانيين والأستراليين معا.
يمكن إيجاز الفصل الثامن بتأثير الحملة البريطانية على ميسوبوتيميا من الناحيتين الثقافية والفنية فقد أورد الباحث عددًا من الكُتّاب والفنانين الذين أنجزوا كتبًا عن ميسوبوتيميا من بينهم كيرميت روزفلت، ابن الرئيس السابق ثيودور روزفلت، الذي رافق الجيش البريطاني في حملته العسكرية على ميسوبوتيميا وألّف كتابًا بعنوان"حرب في جنّة عدن"نشره عام 1920. والكاتب والروائي إدوارد ثومبشون الذي ألّف"أشعار في ميسوبوتيميا"، والليدي دراور التي أنجزت"الصابئة المندائيون في العراق". والروائية الشهيرة أغاثا كريستي التي عاشت في العراق أيضًا وكتبت روايتين استلهمت فيها الأحداث والوقائع من العراق وهما"جريمة قتل في بلاد الرافدين"1936 و"جاؤوا إلى بغداد"1951. والكاتب سي. جي. كامبل الذي عاش في العراق خلال الثلاثينات من القرن الماضي وأنجز كتاب"حكايات القبائل العربية". وفيما يتعلق بالكتب الفنية فقد أشار الباحث إلى كتاب"في بلاد ما بين النهرين" لمارتن سوين 1917 الذي عاش في العراق خلال الحملة العسكرية على ميسوبوتيميا، ويضم كتابه عددًا من اللوحات الاحترافية. والكاتب دونالد ماكسويل الذي ذهب مع الجيش البريطاني في أثناء الحملة العسكرية وألّف كتاب"مُقيم في بلاد ما بين النهرين"1920 ويتضمن كتابه رسومًا احترافية وصورًا عديدة للمناطق التي رآها وتمثلها جيدا.
توصل الباحث نديم العبدالله إلى سبع نتائج أساسية أوردها كالآتي: أن الحملة العسكرية على ميسوبوتيميا أفضت إلى خلق العراق ككيان سياسي جديد في 1920-1921كما أدت إلى تفكك الدولة العثمانية وخلق خارطة جديدة للعراق والشرق الأوسط على وفق معاهدة سايكس بيكو 1916 ومؤتمر سان ريمو 1920.
اعتبر الباحث عام 1914 مؤشرًا حداثيًا على تواصل العراق مع الآخر الأوروبي وانفتاحه على المنجزات الصناعية الأوروبية، وخروجه من العزلة التي دامت أربعة قرون حيث شاهد العراقيون عددًا من المنقبين، والمستكشفين، والدبلوماسيين والتجار الغربيين الذين أعادوا العراق إلى حاضنته الأم.
تعامل المؤرخون مع الحملة البريطانية على اعتبارها حدثًا ذا أهمية قليلة بينما صبّوا جلّ اهتمامهم على جبهات الحرب الأخرى رغم أن إصابات البريطانيين والهنود كانت الثانية من حيث الترتيب، وأعتبروا معركة الكوت من أسوأ هزائم الجيش البريطاني في التاريخ لكنهم سرعان ما تداركوا الأمر وحولوا الهزيمة إلى سلسلة من الانتصارات التي أجبرت الدولة العثمانية على الاستسلام.
وفي الختام قارن الباحث نديم العبدالله بين الحملة البريطانية على ميسوبوتيميا 1914-1918 والحملة العسكرية الأميركية عام 2003 واكتشف أن الطرفين قد اضطرا لصرف مبالغ مادية هائلة لم تكن في الحسبان ولكن كلا الحملتين غيّرتا وجه العراق وأحدثت فيه تبدلات جذرية حملت بين طياتها جوانب إيجابية وسلبية في آنٍ معا.