من ذكريات احد اعضاء الهيئة التحقيقية الخاصة بعد ثورة تموز

من ذكريات احد اعضاء الهيئة التحقيقية الخاصة بعد ثورة تموز

يحيى الدراجي
حاكم تحقيق سابق
تشكلت الهيأة التحقيقية الخاصة بتاريخ 29 تموز 1958 برئاسة العقيد محمود عبد الرزاق والحاكم حافظ خالد والحاكم يحيى الدراجي، والمقدم داود سلمان الغلاي والمقدم الحقوقي عبد الوهاب المدرس. ثم حصل ما حصل مما ذكرته انفا ودخل الحاكم السوري بهجت المسوتي عضوا استشاريا في يوم 29 تموز 1958،

اي بعد قدوم عبد الحميد السراج الى العراق بيوم واحد. وفي 23/ آب/1958 شكلت اللجنة بعد اخراجي والحاكم السوري بهجت المسوتي منها، من السادة العقيد محمود عبد الرزاق رئيسا، كما كان والمقدم داود سلمان الفلاي والمقدم الحقوقي عبد الوهاب المدرس والرئيس سعيد مطر والرئيس عبد الحميد الشكري والرئيس المرحوم حازم عبدالفتاح الصباغ والحاكم حافظ خالد والحاكم صادق حيدر والحاكم شامل الشيخلي والحاكم طالب النائب.

و بما ان الهيأة التحقيقية الخاصة كانت قد شكلت للتحقيق مع رؤوس العهد الملكي فانها لم تتلق – على حد علمي – اي ايضاح للمحاولات التي قام بها الضباط الاحرار لقب نظام الحكم وفشلت. وانا اعرف كغيري من الناس ما وقع، وهو نجاح الثورة على يد الضباط الاحرار صبيحة 14 تموز 1958. وقد كشفت الكتابات التي نشرها بعض من كتب من الضباط الاحرار ان هناك محاولات كثيرة لم يكتب لها النجاح وبينت اسباب ذلك.
اما بخصوص الشق الثاني من السؤال فاستطيع الاجابة عليه بحكم كوني عضوا من الهيأة التحقيقية الخاصة سنة 1958. اذكر انه في التحقيق مع المتهم غازي الداغستاني، قائد الفرقة الثالثة قبل ثورة تموز 1958 ومعاون رئيس اركان الجيش "الحركات" بين سنتي 1956 -1957، ضبط معه في موقفه بسجن معسكر الرشيد وفي حقيبته، بعد ثلاثة ايام من ثورة تموز، دفتر مكتوب بخطه فيه خطة تخص انقلابا في العراق. وقد شكت الهياة التحقيقية في ان ذلك الدفتر الذي وجد في حقيبة الموقوف في سجنه ومعه اعد بين 14 تموز و17 تموز 1958، واتجه التصور الى انه لابد ان يكون قد اعد لاحداث تغيير على التغيير، لصالح الجهات التي تستفيد منه وهي الجهات الاستعمارية المضادة للثورة وللجمهورية. لقد انكر الداغستاني انه كتب الدفتر بعد ثورة 14 تموز 1958 وزعم انه قد كتبه قبل سنة ونصف تعليقا على خطة سلمها له نوري السعيد او عرضها عليه لاجراء تغيير فيسورية، وفسر كتابة الدفتر بانها شيء خاص به، وانها كتبت تعليقا على خطة نوري السعيد التي ترمي الى ضم سورية للعراق. وتقول بعض الشهادات المدونة في الاضبارة التحقيقية والتي اخذت بها المحكمة في ادانته، ان الداغستاني كان مستاء من وضع عبد الاله ونوري السعيد لانهما يريد ان حشر الجيش في امور لادخل له فيها. واذكر ان الداغستاني في دفتره المذكور وضع خطة متكاملة تخص العراق لاسورية، وسمى تلك الخطة بـ "حركة مفوار" وحدد الامور المتوقعة لانجاحها،’ ومنها انشغال الحكومة القائمة في العراق بعد نجاح العهد الملكي في الاتحاد مع سورية وحل احزابها بحيث تكون سيطرة حكومة العراق قد ضعفت لانشغالها بامور سورية. وكان يؤمل حدوث انتفاضة شعبية في العراق نتيجة للاوضاع السائدة فيه بتاثير الدعاية المصرية المركزة، وعندئذ يستفيد الجيش العراقي من فرصة الانتفاضة ويقوم برفض اطلاق النار وقمع التظاهرات الذي تأمر به الحكومة وتقوم القطعات المكلفة بحراسة رجال الدولة بحجزهم في مكان امين لمنعهم من مغادرة العراق وتأليف حكومة جديدة يدخل فيها الجيش ويشغل وزارات مهمة. وفي حالة فشل "خطة مغوار" ولتأمين تغيير الوضع في العراق بنجاح، فمن المتوقع حدوث انفجار شعبي في وجه الحكم القائم وليس ذلك ببعيد – كما يقول الداغستاني في دفتره – وانه في حالة نجاح خطة "دفتر الداغستاني" يعزل "ع" ويقصد به عبد الاله و"ن" ويقصد به نوري السعيد ويحجزان في منعزل يستحيل عليهما منه اشعال فتنة.

مصرع نوري السعيد
كتبت روايات عدة عن مصرع نوري السعيد الا ان معظم الباحثين فاتهم مصدر مهم هو الاضبارة التحقيقية التي كانت تحت تصرف مديرية الاستخبارات العسكرية بوزارة الدفاع بعد ثورة 1958، ومن الحقائق ان حاكم التحقيق الذي اجرى التحقيق في مصرع نوري السعيد، هو انا .. وقد قمت بالتحقيق في موضوع مصرع نوري السعيد في مبنى الاستخبارات العسكرية وبغرفة معاون الاستخبارات العسكرية الاستاذ المؤرخ خليل ابراهيم، وبأمر من الحاكم العسكري انذاك.
لا ادري ماذا حل بالاضبارة التحقيقية، واين هي الان؟ ولكني استعين بالذاكرة وبعض الملاحظات المعروفة لدي لأروي ما توصل اليه التحقيق في مصرع نوري السعيد، اظهارا للحقيقة كما مرت علي وايضاحا لما طمس من التفاصيل الرسمية حولها .
اولا: بأمر من الحاكم العسكري العام انذاك احمد صالح العبدي ابلغني رفعت الحاج سري ـ مدير الاستخبارات العسكرية ـ حيث كنت الحاكم (القاضي) المنتدب للتحقيق في مقر مديرية الاستخبارات العسكرية بالتحقيق مع رجلين لهما معلومات عن مصرع نوري السعيد جلبها السيد حامد جاسم الذي قدمه لي ليلا ـ ماجد محمد امين على انه أخ الزعيم عبد الكريم قاسم.
فبدأت بتدوين اقوال حامد جاسم في غرفة معاون مدير الاستخبارات العسكرية الرئيس الاول خليل ابراهيم في المديرية المجاورة لغرفة المدير وبحضوره وحضور ماجد محمد امين ادخل علي وكان يرتدي عباءة سوداء وعقالا ويشماغا وأدلى بما يلي:
"ان اثنين من جيرانه في كرادة مريم من صيادي السمك اسم اولهما حسن واخوه المدعو حسين هما اللذان اركبا نوري السعيد من القصر ذي "المسناية" وهي شرفة الدار العائدة الى الدكتور صالح البصام القريبة من دار نوري السعيد ولقد استقدم المذكوران حسن وحسين لضبط اقوالهما مع حامد جاسم الذي جلبهما معه الى وزارة الدفاع".
وكان ماجد محمد امين ينبهني الى ان حامد جاسم هو اخو الزعيم عبد الكريم قاسم، واللغة الدارجة (اللهجة) تجوز النطق بحرف الجيم قافا فجاسم هو قاسم كما هو معروف. ضبطت افادة الاخوين وهما بملابسهما البسيطة (الدشداشة واليشماغ الملفوف على عرقجين) وحزام جلدي يلف الوسط من جسيهما.
وقد شهدا بانهما فجر يوم الثورة يوم 14/ تموز 1958 كانا بعد لملمة شباك الصيد في زورقهما قرب مسناية ـ شرفة دار الدكتور صالح البصام التي لها باب على النهر وبعد سماعهما اطلاقات نارية كثيفة في محل قريب منهما فوجئنا برجل يرتدي بجامة زرقاء ويحمل بيده مسدسين وقد نادى عليهما وهما قرب الجرف طالبا الركوب في زورقهما تحت التهديد ولم يعرفاه. وكان في محل الحادث رجل طاعن في السن يسبح في النهر وآخر يرتدي سدارة واقفا قرب سيارة تنتظر السابح الذي ترك السباحة في النهر للسبب نفسه. وقد ظهر ان الشخص السابح هو الاستاذ داود سمرة رئيس محكمة التمييز انذاك وهو يهودي، كليل البصر تعود ان يسبح هناك كل صباح ومعه سائقه الحاج ابراهيم يعينه في الولوج الى الماء والخروج منه.. فقررت استقدامهما بعد ذلك لضبط شهادتهما.
واستمر الاخوان حسن وحسين في افادتيهما، انهما وجدا لابس البجامة الزرقاء حامل المسدسين داخل زورقهما وطلب منهما ان يجدفا شمالا ليوصلاه الى مركز الشرطة. فأطاعاه خوفا وابتعدا عن باب يطل على النهر لدار نوري السعيد عند صعودهما في النهر. ثم قبل وصولهما مخفر الشرطة طلب منهما ان يعودا الى قصر الدكتور البصام بعد ان اخذ صوت لعلعة الرصاص يشتد وهو يدمدم "ماكو فايدة.. شيسوي سعيد قزاز؟".. (وزير الداخلية انذاك).
وفعلا عند وصوله مسناية الدكتور البصام صعدها ووجد هناك مرتضى اخ الدكتور صالح البصام الموظف في السكك والذي اسرع الى بيت اخيه بعد ان سمع بدوي الرصاص قرب بيت اخيه. لينقله وعائلته الى داره ولما شاهد مرتضى نوري السعيد يصعد المسناية قال له : "شكو بعد.. كلشي خلص" .
فدخل نوري السعيد حديقة الدار وخلفه مرتضى البصام وشاهد الدكتور صالح واهله على أهبة ترك الدار.. فطلب منهم ان يوصلوه الى دار الاسترابادي في الكاظمية وفعلا اخذ مرتضى البصام مفتاح سيارة الدكتور التي كانت في الكراج وهي امريكية سوداء ليدخل بدلها سيارته المرسيدس الحمراء..وبعد اتمامه هذه العملية، ادخل نوري السعيد في صندوق سيارته المرسيدس الحمراء وبعد انطلاق الدكتور البصام وعائلته بسيارته السوداء فتح مرتضى باب الكراج وخرج بها وفي صندوقها نوري السعيد متوجها الى الكاظمية والى بيت الحاج محمود الاسترابادي.. الواقع في محلة القطانة حيث قضى ليلة هناك. وهو صديق للعائلة وكان مرتبكا خصوصا بعد ان صدر بيان القيادة العامة للقوات المسلحة واذيع من محطة اذاعة بغداد بأن من يلق القبض على الخائن نوري السعيد حيا او ميتا فله جائزة قدرها عشرة الاف دينار..
ثانيا: ماذا حدث للقوة المكلفة من قبل قيادة الثورة بالقبض على نوري السعيد..؟..
لقد كان دليل القوة المهاجمة لدار نوري السعيد على الضفة القريبة لنهر دجلة ـ الكرخ ـ المقدم وصفي طاهر لكونه مرافقا سابقا لنوري السعيد يعرف الدار مدخلا ومخرجا فلما وصلت القوة المكلفة بالمهمة وانتشرت حول الدار والدور المجاورة بما فيها دار الدكتور الاسترابادي وصل وصفي طاهر الدار وفتش عن نوري السعيد الذي كان وحيدا في داره تلك الليلة فلم يجده فظن وصفي انه هرب من النفق المؤدي الى النهر حيث يوجد زورق بخاري لنوري السعيد فلم يجد وصفي طاهر شيئا واكثر الظن انه في تلك اللحظة كان نوري السعيد في الزورق مع صيادي الاسماك حسن وحسين مغربا في النهر قاصدا مركز الشرطة للاتصال بسعيد قزاز بالتلفون لمعرفة ما يجري وعندما يئس وصفي طاهر عاد للدار يفتشه هو ومن معه وبذلك تمكن نوري السعيد من الافلات من قبضة القوة التي كانت تحاصر الدار بدلالة وصفي طاهر، والهرب من دار الدكتور صالح مهدي البصام بسيارة اخيه مرتضى المرسيدس الحمراء.. كما ذكرنا.. متابعا طريق الصالحية فالكاظمية، فدار الاسترابادي القديمة الكبيرة حيث قضى ليلة الرعب الكبير هناك. وعندما شعر نوري السعيد بان لا نجدة للحكم الملكي من الخارج وتيقن من سيطرة الثوار الجمهوريين على البلد، قرر الهروب.. الى اين؟ وكيف؟.. هنا جاءت الافادات التي ضبطت اخر التحقيق مفسرة لها.. فلقد ظهر من الاقوال المدونة في الاضبارة التحقيقيةانه ترك دار محمود الاسترابادي بصحبة زوجة الاسترابادي ـ بيبية سيد علي قطب، وخادمتها الفارسية زهرة حيدر بعد ظهر يوم 15/تموز 1958 في سيارة تعود لآل الاسترابادي. بملابس النساء ـ العباءة والبوشي ـ ليكون نوري السعيد مختفيا عن الانظار فكان ككاعبات عمر بن ابي ربيعة. ثلاثة اشخاص كلهم كاعب المظهر قصدوا دارا بالبتاويين تعود لاخ الوزير ضياء جعفر ولكنهم تركوها وطلب نوري السعيد التوجه الى دار الشيخ الاقطاعي المعروف انذاك محمد العريبي شيخ البو محمد في العمارة يقيم في بغداد مع زوجته في الحجية فتنة لانه عضو في البرلمان ومعه ـ المله ـ وهو سكرتير وكاتب الحسابات ومدير البيت وكان هذه المره موكبهم ماشيا.. ولعدم التأكد من الدار صاروا يركضون فسقط الرداء الاسود ـ العباءة من على رأس نوري السعيد فسحبها لفوق وظهر شعر رأسه وطرف بجامته الزرقاء فصاح الاطفال "هذا رجال يلبس لبس نسوان" فتجمع رجال المحلة ونساؤها وطاردوهم وكان نوري السعيد يقاوم ويطلق النار على ملاحقيه ويحتمي بمداخل البيوت وهي في محلة البتاويين تكون فوق وخلف عتبة مرتفعة قليلا، وانه اصيب بطلق ناري... واصيبت زوجة محمود الاسترابادي ـ بيبية قطب بطلقة قاتلة من المهاجمين من اهل المنطقة واصيبت الخادمة الايرانية في غير مقتل ثم حضر اهل المحلة الى موقع الحادث.

حوار اجرته مجلة افاق عربية
مع الراحل يحيى الدراجي ونشر عام 1986