حكايات الربيع والشتاء .. في اضطرابات الشرق الأوسط

حكايات الربيع والشتاء .. في اضطرابات الشرق الأوسط

ترجمة / عادل العامل
لقد أصبح من الشائع الآن العودة باضطراب العالم العربي إلى الصفقة التي عقدها قبل قرنٍ كل من مارك سايكس البريطاني و فرانسوا جورج ــ بيكو الفرنسي. فما إن اندلعت الحرب العالمية الأولى، حتى اقترح الدبلوماسيان فصل الأراضي العربية التابعة للأمبراطورية العثمانية. وهكذا سيحصل كل واحد من بلديهما على مجال نفوذ، قاما بتخطيط محيطه بقلم رصاص أزرق وأحمر على خارطة الشرق السيئة الصيت الآن.

فكانت حدود الشرق الأوسط الحديثة بالتالي معدة بقليل من الاعتبار للانشغالات المحلية، وبذلك زُرعت بذور الصراع الطائفي والعرقي المستقبلي في المنطقة.
ذلك، في الأقل، ما قاله ناقدون كثيرون في الذكرى المئوية للصفقة في آيار الماضي. وفي الواقع، فإن اتفاقية سايكس ــ بيكو لم تؤسس أية حدود: فقد ظهرت خارطة الشرق الأوسط الحديث نتيجةً لنزاعات ومؤتمرات عديدة، حدث الكثير منها بعد أن انتهت الحرب العظمى. والغرب، يقيناً، يستحق اللوم الكثير على البناء الجيوسياسي المتداعي للمنطقة. غير أن القوى الأهلية أكثر مسؤوليةً عن الربيع العربي وآثاره الدموية. وهكذا فإن أفضل طريقة لفهم السنوات الست الأخيرة هي سؤال هؤلاء العرب عما حدث.
وهذا هو ما فعله روبرت وُرث بالضبط. إذ نجده في كتابه الجديد، ( ثوران من أجل النظام A Rage for Order : الشرق الأوسط في اضطراب، من ساحة التحرير إلى داعش )، يتشاطر الكثير من القصص التي جمعها وهو يغطي الانتفاضات العربية وتداعياتها كمراسل لصحيفة نيويورك تايمس. وغالباً ما يُنظر إلى صراعات اليوم من خلال عدسات واسعة المدى: مثلاً، السنة يقاتلون الشيعة، الدنيويون يقاتلون الأسلاميين، أو المتمردون يقاتلون الأنظمة الحاكمة. ويضيّق السيد ورث مجال الرؤية، مستخدماً قصصاً شخصية ليضيء الديناميكيات الأكبر. وهذه تقنية شائعة، لكن السيد ورث يفعل ذلك أفضل من غيره.
و الكثير من القتال الآن يبدو حتمياً. لكن لنتأمل قصة علياء علي و نورا كنفاني، وهما امرأتان سوريتان شابتان اعتادتا تجنب اختلافاتهما الطائفية. وكانت الآنسة كنفاني، وهي سنية، قد رفضت حتى طلب زواج من رجل كان من متعصبي العلويين، الفرع الشيعي الذي تنتسب له علياء، والحاكم السوري بشار الأسد. ولم تبدآ بالتحول إحداهما عن الأخرى أيضاً حتى غرق بلدهما في الحرب الأهلية عام 2011. وقد بدأ ذلك بمناقشات صغيرة في الشأن السياسي. وتشبثت كل منهما بحس الضحية، الذي أشاعته الأصوات المتعالية من حولهما. وحين تصاعد العنف، انسحبتا إلى داخل طائفتيهما وأصبحتا تحددان كلاً منهما كعدوٍ تدريجياً.
وهناك آخرون، مع هذا، انتقلوا في الاتجاه المعاكس، نحو فهم ما يجري. وكان التونسيون أول الذين أطاحوا دكتاتورهم. لكن ديمقراطيتهم كنت بدايتها فظة تحت حزب النهضة الإسلامي، الذي نفّر الكثيرين من جمهور الناخبين. وقد أنقذها التحالف الناشئ، والصداقة بين رشيد الغنّوشي، القائد السبعيني للنهضة، وباجي قائد السبسي، قائد المعارضة الليبرالية. ويروي السيد ورث هذه القصة بطريقة لطيفة. فعلى مدى لقاءات كثيرة كان القائدان " يتحركان تدريجياً أحدهما نحو الآخر، بشكل جانبي، مثل سرطانَي بحرٍ قديمين ". وفي نهاية الأمر، تخلى حزب السيد الغنوشي عن السلطة، وأيد لاحقاً سعي السيد السبسي لرئاسة الدولة.
وينسج ورث قصصه معاً بدقة. فنجد قصة السيد الغنوشي تمضي على نحوٍ إلى جنب قصة محمد البلتاجي، عضو جماعة الأخوان المسلمين المصرية، الذي لم يستطع أن يُقنع زملاءه بالتسوية. وبعد فترة صاخبة في السلطة، تم إبعاد الجماعة عنها عام 2013 ومنعها لاحقاً من قِبل نظام الحكم المصري الجديد. وقد حكم على السيد البتاجي بالإعدام في العام الماضي، إلى جنب عشرات القادة من الأخوان، بمن فيهم الرئيس المنتخب محمد مرسي.
وهناك قصص أخرى تتعلق بطموحات الثوريين العرب، الذين " حلموا بإنشاء بلدان ستوفر المواطنة الحقيقية وما هو أكثر: الكرامة، وهي الصيحة المشتركة لجميع الانتفاضات، كما يقول السيد ورث. لكن حين فشلت معظم جهودهم، تطلع البعض نحو أماكن أخرى. وأحد الأشخاص الأخيرين الذين يتناولهم الكتاب أحمد دراوي، متحدث سابق باسم حركة الشباب المصريين، الذي اختفى عام 2013. وقد ظهر بعد أشهر في سوريا. وكتب على تويتر قائلاً، " لقد وجدتُ العدالة في ‘الجهاد ‘، والكرامة والشجاعة في ترك حياتي القديمة إلى الأبد ". وبعد وقت قصير من مبايعته داعش، فجّر نفسه في العراق.

عن / Economist