تشايكوفسكي.. أنغام سينمائية

تشايكوفسكي.. أنغام سينمائية

رفيق الصبان
في الحفل الأخير الذي أقامته أوركسترا القاهرة السيمفوني في دار الأوبرا عزفت الفرقة الشابة المليئة بالمواهب كونشرتو الكمان الشهير ل«تشايكوفسكي»، هذا اللحن الذي يعتبره الكثيرون من عشاق الموسيقي ومن محبي «تشايكوفسكي"«أيقونة ذهبية"لا مثيل لها في عالم الكمان لما يحتويه من شجن وعاطفة وكبرياء وحزن خفي ورومانسية شاحبة وظلال مأساوية تختلط كلها في مزيج سماوي يرتفع بنا أحيانا إلي آفاق عالية من السحاب أو يغرز في قلوبنا سكاكين مرهفة تجعلنا نقطر دما.

 هذا اللحن العبقري أداه بمهارة فائقة عازفنا الشاب «ياسر الصيرفي» فبدا لنا وكأنه ملهم يحمل إلينا رسالة من السماء.. عيناه ساطعتان إلى أعلى وأنامله السحرية تمس أوتار كمانه وتمس أوتار قلوبنا برهافة وعمق واحساس نادرين. بدا لي وكأن روح «تشايكوفسكي"قد تسللت إلي عروقه ومسامه فانطلقت منها هذه الأنغام التي تشبه موج البحر نقاء وصفاء وثورة وشموخا وتبدلا ورعونة حلوة يختلط فيها الحزن العميق بالتأمل الداخلي الذي يعبر عن انكسار الروح. فيلم ساحر وأعاد في هذا الكونشرتو المدهش والفريد من نوعه وفي تأثيره إلي فيلم الإنكليزي الراحل «كين راسل» الذي يروي حياة «تشايكوفسكي"والذي أطلق عليه اسم «عشاق الموسيقي"والذي يعتبره الكثيرون سواء محبي السينما أو روادها الموسيقيين واحدا من أهم الأفلام التي قدمت الموسيقي بشكل سينمائي مبهر في تاريخ السينما كله.

الفيلم يروي حقبة خاصة من حياة «تشايكوفسكي"عندما كان مدرسا في الأكاديمية الموسيقية الروسية وكان يعد العدة لتقديم كونشرتو البيانو الشهير ومن خلال عزفه لهذا الكونشرتو الفريد والذي يقف وقفة الند مع كونشرتو الكمان للمؤلف نفسه.. يرينا الفيلم علاقة الموسيقار بنساء ثلاثة الأولي هي اخته التي كان شديد التعلق بها إلي درجة الوله.. و«نينا» المرأة المصابة بالسعار الجنسي والتي ستلاحقه كما يلاحق الوحش فريسته حتي تزوجها.. فتسمم حياته ويقودها هو إلي الجنون. رسائل غرامية ثم البارونة العاشقة التي سقطت في هواه.. ما أن سمعت موسيقاه وقد لهث في حبه ولكنها اشترطت عليه ألا تراه وألا تقابله إلي عن طريق الرسائل وتكفلت بنفقته وحياته وأسبغت عليه من كرمها الشيء الكثير كما أهداها بدوره أجمل ما لحن وأروع ما أحس به من موسيقي. إلي جانب هاته النساء الثلاث اللاتي شكلن الشطر الأكبر من حياته العاطفية والمليئة بالمواقف كانت هناك أزمته الداخلية التي تفتك به وهي «مثليته الجنسية» وتعلق أحد البارونات به.. مما أثار حوله عاصفة من الشبهات والهمسات الفاضحة والتي كادت أن تدمر مستقبله. «تشايكوفسكي"حاول أن يهرب من «محنته» الجنسية هذه بالزواج من «نينا» التي لم تكف عن مطاردته ولكن ماذا يمكن لزواج يقم به رجل عاجز عن معاشرة النساء وامرأة مصابة بشبق جنسي لا يرتوي!! من هنا ولدت الفكرة الأولي لكونشرتو الكمان الشهير الذي يروي من خلالة آهات الكمان وزفراته الحارة مأساة رجل مع ذاته ومع مجتمعه ومع أقرب الناس إليه. الفيلم الذي أخرجه الإنجليزي العبقري يروي كل ذلك ويضيف إليه شذرات أخري من حياة «تشايكوفسكي"المليئة بالأصوات مركزا علي تأثير هذه الأحداث علي موسيقاه.. ومعبرا عنها من خلال لقطات سينمائية واحساس بصري لا مثيل له حقا من تاريخ السينما الموسيقية ولم نر له شبيها بعد حتي في الأفلام الأخري التي أخرجها المخرج نفسه عن موسيقيين آخرين كماهلرودليست. الممثلة العبقرية «جلندا جاكسون» لعبت قبل اعتزالها الفن واحترافها السياسة دور «نينا» زوجة «تشايكوفسكي"فقدمت أداء مشهودا يعتبر مدرسة في حد ذاتها ومثالا لا يمكن تجاوزه ولا أعرف كيف أعبر بالكلمات عن الصورة السينمائية التي تقطر ذهبا وياقوتا. والتي قدمها لنا المخرج عن موسيقي «تشايكوفسكي"سواء كونشرتو الكمان أو كونشرتو البيانو أو مقاطع من الأوبرات التي لحنها العبقري الروسي الكبير أو مقاطع الباليه أو الأغاني الفردية التي أبدع أيضا في تقديمها بصورة تمس القلب والخيال والوجدان. الفيلم مليء بمشاهد سينمائية لا تنسي إلي جانب الصور البراقة التي عبرت عن موسيقي «تشايكوفسكي"وكيف ضمنها المخرج في سياق الفيلم بسلاسة وعفوية وكيف جمع التأثيرات الشخصية في حياة الموسيقار وبين عمومية واتساع موسيقاه الرحبة وانتشارها. ثم هذه الجرأة الخارقة في تقديم موسيقي السيمفونية السادسة وهي أكثر سيمفونيات «تشايكوفسكي"عاطفية ورقة وشاعرية واحساسا بالحب والموت معا» في مصح للأمراض العقلية حيث أودعت زوجة «تشايكوفسكي"بعد أن فقدت صوابها تماما وأصبحت تدور هائمة بين صفوف المجانين الذين يتجاذبونها كما يتجاذب الأطفال كرة يتلاعبون بها في مشهد خالد يجمع بين القسوة التي تصل إلي حدود السادية وبين عاطفية الموسيقي التي تصل إلي حد لم تصل إليه أي موسيقي من قبل. لقطات شامخة حيث أدت «جاكسون» في هذا المشهد لقطات شامخة ستحسب لها علي مر الزمن.. بوجهها الذي ترتسم عليه علامات رعب مجهول وأظافر متسخة وثوب ممزق وعين زائغة تبدو وكأنها تري ما نعجز نحن جميعا عن رؤيته. «عشاق الموسيقي"تجربة فريدة مذهلة سينمائيا وفكريا تجرأ فيها مخرج عبقري علي أن يكسر كل «التابوهات"التي أطاحت بشخصية موسيقية أحاطها التبجيل والاحترام ونصبت لها التماثيل الكبيرة في أشهر ساحات بلادها. الفيلم يعريها من الداخل ليجعلها أكثر قربا منا وأكثر إنسانية وأكثر شمولا اعترف أنني شخصيا لم أحس بموسيقي «تشايكوفسكي"كما أحسست بها بعد رؤيتي لهذا الفيلم البديع والفريد من نوعه سواء علي المستوي السينمائي أو المستوي الموسيقي. كونشرتو الكمان الذي سمعناه في الأوبرا.. من خلال أداء ياسر الصيرفي المليء بالشجن والرومانسية والشموخ أعاد إلي ذهني صور هذا الفيلم البديع وحياة هذا الموسيقار الكبير الذي تغلغلت موسيقاه في شراييننا وأصبح دون شك بالنسبة لكثيرين «أيقونة الحب والعاطفة». «كين راسل» تسلل إلي ماوراء النوتات التي كتبها «تشايكوفسكي"فتح أبواب عالمه الواسع وطأ بقدميه وقلبه وعينيه جنته الخضراء وجحيمه الناري عرف كيف يقدم لنا الإنسان والفنان الموسيقي والفرد المتوحد في بوتقة واحدة وفي كأس واحد فيه الترياق الإلهي وفيه السم الناقع في آن واحد. كونشرتو الكمان هو كل هذا وأكثر من هذا.. ولعل العجيب في قدر هذا الكونشرتو أن يشابه قدر «تشايكوفسكي"نفسه.. إذ إن مؤلفه عاني كثيرا ليجد عازفا يعزفه.. بعد أن رفض الكثيرون عزفه.. مما جعل الكونشرتو يبقي طويلا في الأدراج قبل أن يري النور.. ولم يتسن للموسيقار الروسي الشهير أن يهنأ بنجاح عمله المدهش هنا في حياته.. إذ ازدادت شهرة الكونشرتو وتعدد عازفيه بعد رحيل تشايكوفسكي عن دنيانا. الأوبرا الذهبية بين جدران الأوبرا الذهبية وسقفها المضيء كانت تتردد نغمات ياسر الصيرفي علي كمانه كان يقف معنا وبعيدا عنا.. وكانت الألحان تتقاطر من آلته القريبة من قلبه لتتناثر في أرجاء الصالة الصامتة المنصتة لتعلن بهمس أحيانا وبصراخ أحيانا أخري لوعة قلب معذب وأشلاء روح تتطاير كذرات الهواء. وأعادني اللحن النشوان إلي فيلم نشوان وشعرت كم أن السينما قد تكون أحيانا شديدة العدل مع الموسيقي إذا كانت هذه الموسيقي صادرة من القلب وإذا كان الذي يعبر عنها سينمائيا قادرا علي فك الغاز القلوب.

عن المصري اليوم