الفيلسوف جوزيف ماهون: هناك أزمة في الفلسفة كما في غيرها من مجالات المعرفة

الفيلسوف جوزيف ماهون: هناك أزمة في الفلسفة كما في غيرها من مجالات المعرفة

على الفلاسفة الآن الاهتمام بالسياسة العامة والثقافة الشعبية
ترجمة / عادل العامل
يقال الكثير من الأمور الفظّة حول الفلاسفة. فنظامهم الفكري متهم بالافتقار إلى مسار واضح للتقدم؛ واهتماماتهم تقتصر أحياناً على فئة قليلة من الناس؛ ويمكن أن تتصادم طرقهم الفكرية مع المعايير العلمية؛ وتأتي بعض أشد الانتقادات للفلسفة من العلماء. وكما تبيّن ريبيكا نيوبيرجر غولدشتاين، مؤلفة (أفلاطون في نظام غوغل)، فإن الفلاسفة لا يساعدون بالضرورة قضيتهم.

ويقول جوزيف ماهون، الذي قام بتدريس الفلسفة في الجامعة مدة 45 عاماً، أن هناك رأيين متنافسين بشأن موضوع الفلاسفة والشؤون العامة."أحدهما أن الفلاسفة إذا لم يكونوا مجهزين بشكلٍ فريد، فإنهم في الأقل مهيّأون بصورة استثنائية للتحليل والحكم على مثل هذه الأمور؛ أما الرأي المضاد، فهو أن الفلاسفة مجهَّزون بشكل سيّئ على نحوٍ فريد، وغير صالحين، للإسهاب بشأن ما كان يدعى بأسئلة الحياة الكبيرة".
ولقد ساهم ماهون بمقالة في كتاب عن هذه المسألة بالذات، التي تنبذ الأخير من الموقفين أعلاه بثبات. وقد صدر حديثاً كتاب بعنوان (الفلسفة والارتباط السياسي: انطباع في المجال العام)، من تحرير ألين برين، مكرس لماهون بمناسبة تقاعده. ويقدم ماهون هنا توصيتين لفائدة الفلسفة والمجتمع:
1. ينبغي للفلاسفة المهنيين أن يكرسوا وقتاً لمسائل السياسة العامة أكثر مما فعلوا على مدى العقود الأربعة الماضية.
2. ينبغي للفلاسفة أن يعطوا اهتماماً أكثر للثقافة الشعبية". جاء ذلك في مقدمة جو همفريس للحوار الذي أجراه مع الفيلسوف جوزيف ماهون:

س/ هل تعاني الفلسفة من أزمة وجودية؟
ج/ هناك أزمات، وتوترات، وصراعات ضمن كل فرع من فروع المعرفة، بما فيها الفلسفة. وهذه الأزمات تنشأ داخلياً ضمن كل مجال معرفي بفعل تاريخه الفكري وديناميكه، وخارجياً بفعل عوامل مؤسساتية، واجتماعية، واقتصادية. وهناك توتر داخل الفلسفة بين الفلسفة ‘الصافية‘ و’ التطبيقية ‘. ومنذ الستينات، كان هناك صراع متصل داخل الفلسفة بين أولئك الذين يقولون لك إنك لا تعمل بالفلسفة حقاً ما لم تشتغل بفكر الفيلسوف كانت أو هيغل، وأولئك الذين يريدون توجيه هذا الفرع المعرفي نحو الأخلاق العملية وقضايا سياسة الرأي العام. وأنا أنتسب لهذا المعسكر الأخير.
س/ وما الذي تعتبره الاختراق الفلسفي الأكبر الوحيد في حياتك؟
ج/ وفقاً لسارتر، لم يكن هناك إلا ثلاثة فلاسفة، أو فترات من الإبداع الفلسفي، بين القرنين السايع عشر والعشرين: هناك"لحظة"ديكارت ولوك، و كانت و هيغل، وأخيراً ماركس.
أما حسب سيمون دي بوفوار، فهناك اثنان فقط من الفلاسفة الجديرين باسم القرن العشرين: هيدغر وسارتر. وكنت أنا سأمنح بوفوار نفسها مكاناً في الهيكل الفلسفي. ولقد كتبت بوفوار ما يُعتبر، على نحوٍ مثير للجدل، أهم جملتين في القرن العشرين، وأعني:"الأنثى ضحية الأنواع species"، و"إن الواحدة لا تولد امرأة، وإنما تصبح هكذا بالأحرى".
س/ هل الفلاسفة مهيَّأون جيداً عملياً للتأثير في السياسة العامة؟ فإحدى مدارس الفكر تتضمن أن الفلسفة"الأصيلة"ينبغي أن تكون غير عملية، أو عمياء تجاه التفاصيل السياسية.
ج/ إن الفلاسفة الذين تخصصهم، أو أحد تخصصاتهم، هو قضايا سياسة الرأي العام، هم في الواقع مهيأون جيداً بشكل عملي للتأثير في السياسة العامة. وإذا ما كانوا يُستدعَون للقيام بذلك، فذلك أمر آخر. وهناك مثال طيب عملياً على نوع المساهمة التي يمكن أن يقوم بها الفلاسفة وهو وثيقة "الانتحارالمسنود Assisted Suicide"المقدم من فريق هائل.. ويعود لهذا الصنف أيضاً"مشروع القرد الكبير"، الذي أسسه عام 1993 الفيلسوفان بيتر سنغر و بولا كافاليري، بهدف منح بعض الحقوق الأساسية للقرود الكبيرة غير البشرية. وقد كان عملهما مؤثراً للغاية، مع العديد من السلطات ــ مثل نيوزيلندة، وهولندة، والمملكة المتحدة ــ التي وضعت تحريماً على إجراء التجارب على القرود الكبيرة، وإن لم يكن على قرود المكَّاك.
س/ لقد أوضحتَ أن الفلاسفة المهنيين لا يُستدعون تقليدياً لتقديم النصيحة للحكومات بشأن أمور السياسة. هل الحياة العامة في آيرلندا تفتقر بوجه خاص إلى العمق الفلسفي؟
ج/ هناك اختلاف كبير بين السلطات حين يصل الأمر إلى طلب خدمات الفلاسفة المهنيين. فالحكومة البريطانية، مثلاً، لم تُبدِ أية ممانعة للقيام بذلك. لقد عينت الفيلسوف الأخلاقي بيرنارد وليامز، في عام 1977، ليرأس اللجنة المعيّنة لمراجعة القوانين المتعلقة بالفحش، والاعتداء البذيء، والعنف في المطبوعات... وتقديم توصيات. وقد أصدرت تقريراً في عام 1979 تحت عنوان"تقرير لجنة التحقيق في الفحش ورقابة الأفلام، وتم دمج بعض توصياتها بالقانون البريطاني. وهناك حالات مماثلة أخرى.

عن / The Irish Times