السخرية والفكاهة في  الظُّرف في بلد عَبوس

السخرية والفكاهة في الظُّرف في بلد عَبوس

أوراق
كثيراً ما يسألني القوم ممن أخذت روح الفكاهة والسخرية يا أبا نائل ؟ وكان جوابي دوماً : من هذين العملاقين من عمالقة الفكاهة ، أولهما طويل نحيف برنارد شو ، وثانيهما سمين وقصير أبو عثمان الجاحظ . وفي هذين البحرين ، بحر الفكاهة والأنغلوساكسونية وبحر الفكاهة العربية تعلمت السباحة وركبت امواجها .

هذا ما ذكره الكاتب خالد القشطيني ، في كتابه الساخر " الظُرف في بلد عَبوس" والذي صدر عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون ، والذي يتضمن قرابة الثلاثين فصلا قصيرا .
ويتحدث الفصل الأول للكتاب عمّا في العراق من خيرات ، حيث تميز شعبه بالحزن والإكتئاب ، ويذكر الكاتب أنه كثير ما يسأله العرب عن سر النحيب في الأغاني العراقية ، ويعتقد البعض أن العراقيين شعب لا يستذوق الفكاهة ، ولا يمتلك روح النكتة ولا يتحملون المداعبة ، وعندما اكتسبت مقالات القشطيني الفكاهية والساخرة بعض الشعبية بين القراء العرب تصور أكثرهم أنه مصري حشاش او فلسطيني ، وفوجئوا حين اكتشفوا أنه كاتب عراقي .
أما بالنسبة للفصل الثاني من الكتاب فقد ناقش كيف وضعت سنن الفكاهة العراقية من قِبل الجاحظ ، والذي كان يرى أن الفكاهة تفترض الشجاعة والتحدي ، فكان يقول "إذا وردتني نكتة سأرويها ولو أودت بي إلى النار " ، ويشير أن طرافة الجاحظ جاءت من ادراكه لعيوبه التي التصقت بهيأته ، ويروي بهذا الصدد أن مرت به امرأة طويلة القامة فقال لها ساخراً من طولها تعالي انزلي وكلي معنا ، فأجابته قائلة : بل اصعد أنت حتى ترى الدنيا .
ايضاً تطرق الكاتب إلى شخصية ابي نؤاس الماجنة الظريفة ، ذاكراً أنها شخصية متعددة الجوانب وأن روحه المرحة تعود لتعدد انتماءاته ، فقد ارتبطت سخريته وظرفه كأكثر الساخرين والناقمين والمتمردين بمأساة حياته خصوصاً بعد أن توفي والده وتخلت عنه والدته .
كما تطرق الكاتب إلى ظرفاء بغداد وسخريتهم من علم النحو ، ذاكراً : لو تصفحنا كتب الادب العربي لوجدنا أن كل هذه الضجة الدائرة بيننا في جيلنا هذا بشأن الفصحى والعامية والتشكيل والتسكين ، تمتد جذورها إلى ايام الدولة العباسية ، إلا أن الكاتب وجدهم يتعاملون مع المشكلة بالظرف والفكاهة والمرونه في حين نتعامل نحن الان بصلابة وحدة وتوتر .
ويذكر الكاتب أن من نتائج مرونة اسلافنا هو ما تدفق الينا منهم من ثروة جليلة من الطرائف والملح اللغوية التي تلعب على هذا الوتر وبصورة عامة في سخرية المتقعرين في اللغة والمتزمتين بقدسيتها .
وقد تعرض العرب كثيراً وبشكل ساخر ومتهكم لقواعد اللغة وللنحو من مضمر مستتر ومبني ومعرب فيقول احد الشعراء " قلت لنحوي وفي بطنه ، قرقرة ما هذه القرقرة ؟ فقال يا جاهل في نحونا ، هذه تسمى الضرطة المضمرة . "
وهذا جاء يعكس قرف الناس من فقهاء اللغة وتحذلقهم وتزمتهم وتعلقهم بكلام الغابرين وتمنعهم عن مماشاة روح العصر والتبسيط باللغة ، وكان من معالم تحجرهم استقراء ما يقوله البدو والاعراب ، حيث يحاول اهل الريف في معظم المجتمعات أن يتعلموا من اهل الحواضر ، بيد أن فقهاءنا دأبوا على عكس ذلك فكانوا يخرجون إلى البادية ليستمعوا ويسجلوا استعمال البدو للغة ، وجلسوا في المدينة يتربصون لأي اعرابي أمي زائر ليسألوه ، ويتعلموا منه .
لاحظ بعض الأعراب أن هؤلاء الفقهاء كانوا يستضيفونهم ويهادونهم ويدفعون أجراً لهم عن أي شيء ينطقون به ويتعلمون منهم . فيأخذوا ويفتعلون الكلام ويخترعون الكلمات ويكسرون قواعد النحو ليكسبوا فلسا أو فلسين من هؤلاء القوم بهاليل اللغة.