ناجي جواد الساعاتي بين التجارة والادب

ناجي جواد الساعاتي بين التجارة والادب

حوار: عبد الله اللامي
لا اضيف شيئا جديدا، حينما اريد الحديث عن الرحالة الساعاتي ناجي جواد.
والساعاتي ناجي، حقق حلم والده، حينما حرص على الحفاظ على التراث العائلي، واصبح (مصلح) ساعات شانه شان اخوته وعمه، واخذ يجمع الساعات النادرة منها في داره الخاصة، ثم اهداها الى المتحف البغدادي وجمعت في قاعة خاصة في المتحف، واثمنها واندرها ساعة كان يحملها (الملك فيصل الاول) جيبية ذهبية.

والرحالة الساعاتي عاش حياتين متناقضتين، لا تمت الواحدة للاخرى بصلة، فالحياة الاولى عاشها مع زبائن (الساعات) وتجارها والصفقات التجارية.
والحياة الاخرى التي عاشها هي العلم والمعرفة ورحاب الجامعة والمحاضرات والامتحانات، وطربه الشديد والمتزايد لشعر الجاهلية وعشقه لادب (الزيات طه والعقاد وجبران والمنفلوطي ونعيمة) والتي كانت تمتد منذ الثلاثينيات وكان اصغر اخوته الاربعة.
وقد اقتنى مجموعة من الكتب النادرة وكان اعزها (ديوان عمر الخيام) ترجمة الشاعر احمد الصافي، وحينما نمت شخصيته التجارية، واصبح له محل في شارع الرشيد وتبلورت ميوله الادبية، فنشرت له بعض الصحف والمجلات، مقالات ادبية وقصصا قصيرة، وكان اغلب ما نشر له في (مجلة الهاتف) و(جريدة البلاد)، وقد توطدت علاقته باصحاب المكتبات من ابناء جيله الشباب مثل (علي الخافاني) و(قاسم محمد الرجب).
وقد ساهم في تأسيس مكتبة عامة في (جامع الخلاني) والتي خصص لها غرفة متواضعة بجوار المصلى، لتكون مقراً لادارة المكتبة، التي اتخذوها كصف لتدريس الاميين من العمال والكسبة، واضحت المكتبة بخزانتها التي تضم حوالي 30 / الف كتاب من امهات الكتب والمظان والمراجع.
وقد اختص بادب الرحلات فمنذ خمسين عاما، وما يزال لا يستطيع ان يستقر سنة واحدة دون سفر، ليس سفرا من اجل التجارة ولا للراحة والاستجمام كما جرت العادة، انما من اجل الادب والتاليف.
زار العديد من الدول وكتب عنها ومنها (رسائل من الهند) و(من ادب الرحلات) و(قصة الوقت) و(رحلة الى الاندلس) و(مع الايام) و(رحلة الى افريقيا) وغيرها من الكتب الادبية والثقافية.
والساعاتي ناجي الذي ولد عام 1922 في ازقة بغداد الضيقة الطيبة والجميلة، لا يفكر بشيء غير السفر والكتابة، واحيانا قليلة في مهنته التي يعمل بها منذ خمسين عاما تقريباً.
عندما كان منذ خمسين عام تقريبا، عندما كان عمره لايزيد عن (15) عاما ينظر الى مهنته، نظرة تختلف كثيرا عما ينظر اليها الاخرون فهو يحضر معارضها التي تقام سنويا في سويسرا ويتابع اخبارها وتطورها.. وتحولت تدريجيا من مهنة الى فن يتمتع به ويتذوقه.
وكان كتابه (قصة الوقت) اول كتاب عربي يتناول موضوع الساعة من زوايا كثيرة، ادبية وفلسفية ورياضية ويتابع تطورها في الشكل منذ نماذجها الاولى قبل عدة قرون، وقد ترجم هذا الكتاب الى الانكليزية لتفرده واهميته.
ويتحدث بفخر عن كتاب عالميين مشهورين اشتغلوا او حاولوا الاشتغال في بيع وتصليح الساعات، (فولتير) مثلا حاول ان يفتح معملا للساعات في سويسرا، بعد ان طرد من فرنسا، و (جان جاك روسو) ظل زمنا طويلا يعمل اغلفة ساعات في جنيف قبل ان يصبح كاتبا مشهوراً.
وله في كل بلد من المشرق والمغرب اصدقاء يكتب عن بلدانهم من خلال مشاعرهم الذاتية، عن كل ما يعكس صورتك البلدان عبر ذاته، فهو يتكلم عن الرحلات وكانه جزء من اماكنها يمزج نفسه باحداثها، فيقف امام الاثار ومظاهر الطبيعة من خلال عرض لملامحها التاريخية وطوافه الهادئ في رحاب تلك المعالم والاثار.
* وحينما تساله عن احب صنعة الى قلبه التجارة ام الادب فيجيبك؟
- طموحي الاول كان يهدف بالدرجة الاولى لان اصبح اديبا، هذا على الرغم من ان عائلتي كلها تخصصت بالتجارة والزراعة ولكن ما دفعني الى التجارة مع بقاء تعلقي بالادب هو اعتقادي بان الاديب او الفنان يجب ان يغذي كيانه المادي لكي يتجنب طلب المساعدة من الاخرين، اي ليكون له مصدر عون يقيه من الشعور بالضعف، فيكون اكثر حرية في خلقه وابداعه وهنا يحضرني قول القائل:
اتجنب ذل السؤال ومنة البخلاء
* وكيف وفقت بين الاثنين؟
يجيبني الساعاتي:
- التنظيم في الوقت والعمل، وليس اي شيء اخر، لقد اكملت دراستي في الحقوق، وانا اعمل في التجارة، ولا شك ان التنظيم والمثابرة، يؤديان الى النجاح، وكان جيلنا اوفر حظا من جيل اليوم، عايشت جيل طه حسين والمنفلوطي وجبران وشعراء المهجر وتاثرت بهؤلاء ايما تاثير، ولا اذكر فضل ادب الرحلات لابن بطوطة، وابن خلدون لكن اسلوبي تأُر بادباء النصف الاول من هذا القرن وادباء مطلعه.
* واساله هل من مقارنة بين الخوف والرهبة لرحلاتك؟
- لا اظن ان ادباء الرحلات كانوا يخشونها، واعتقد ان سر رغبتي في السفر، هو حب الاستطلاع والكتابة وحبي للناس على اختلاف الاجناس من دين ولون او قومية، وكذلك حبي للصداقات التي تسعدني كثيرا.
والحقيقة انني امام كل رحلة اشعر بالرهبة، وهذه اعزوها الى انني وعيت الحياة، وكان ابي قد توفاه الله، فاحتضنتني امي، واعتقد ان تعلقي الشديد بالام والبيت والوطن ترك في نفسي الخوف من البعد عن هذه الاماكن، ولو كان ابي لساعدني على الاقدام والشجاعة وكنت اقاوم نفسي من الرهبة في اسفاري بالتعرف على الناس، كما فعلت في رحلتي الى الهند التي امتدت ثلاثة اشهر.
* هل الرحلة الى الهند اثرت في نفسك؟
يقول:
- لا.. رحلتي الى الاندلس اعتز بها كل الاعتزاز، لانها تضم عبرا تاريخية وصورا من الامجاد لا تغيب عن اي مثقف، فبلاد الاندلس بامجادها القديمة مليئة بالاثار العربية على الصعيدين العمراني والثقافي، وفيها من العبر التاريخية ما يريك مختلف حالات النهضة والانحطاط التي مر بها العرب.
* وماذا تقول عن مجموعة قصصك (مع الايام)؟
- هذه المجموعة القصصية صدرت عن دار الاندلس سنة 1967 في بيروت، وهي تجربة لا علاقة لها بادب الرحلات، ولكني شعرت بعدها بانني لا املك المقدرة الكافية لاكون قاصا مقارنة بالادباء القصاصين العراقيين امثال الخليلي وذو النون والتكرلي، وعبد الله نوري ومحمود السيد، فادب الرحلات هو ما اضع نفسي له واقدمه بقناعة، كان من الضروري اذن ان اختص بادب الرحلات، فلماذا ازج نفسي في ادب القصة القصيرة؟ مع اني كتبت قصص تلك المجموعة في اوقات متباعدة، تسجل حالات كان لها اثرها البعيد في نفسي فرأيت ان اجمعها في كتاب.
* ومواقف الساعاتي من النقد والنقاد وهل هناك كتاب اعجبك يحمل هذا الاتجاه؟
- هنا اقول: اعجبت بكتب معينة مثل (تجاربي مع الحقيقة) لغاندي، ومعظم كتب سلامة موسى، ونقدت كتاب (بين الاطلال) ليوسف السباعي، اما اسلوبي في النقد، فقد تأثرت باسلوب صديقي المرحوم الدكتور محمد مندور، وانا مؤمن بالنقد الانساني البناء. كما اني اعلق على ندرة النقاد والجادين.
* والناقد العربي؟
- اذن استثنينا طه حسين ومندور والنقاش وقلة اخرين، نجد ان النقاد العرب غير موجودين، وان وجدوا، فانهم يحاسبون الكاتب لا على اثره الادبي بل على سلوكه، وهذا النقد لا علاقة له بالنقد، انه تناول شخصي للكاتب، وفي اعتقادي هذا الامر لا يعرفه النقد العربي.
* لماذا اخترت ادب الرحلات بالذات؟
- انا اؤمن بان (فوق كل ذي علم عليم) ولكل اديب طريقة في العمل والاختيار في ولوج عوالم الادب والكتابة اما عن اختياري لادب الرحلات، فلاني سافرت كثيرا، الامر الذي وفر امامي طريقا ادبيا، ربما لم يتوفر لغيري من الكتاب، وفي حبي للسفر اساسا نوعا من المغامرة والتضحية، واما اذا اراد الاديب المسافر ان يكتب عن رحلاته فلابد له ان يضحي اكثر، يضحي بوقته، ويبذل جهودا في استقصاء الاحوال والظروف المحيطة في ذلك البلد.
والفضل في ولوجي لهذا الادب يعود الى (والدتي رحمها الله) اذ كانت تاخذني معها في سفراتها بالقطار من بغداد الى البصرة، وكنت اشعر، وانا طفل صغير ان العوالم التي يمر بها القطار غريبة ومثيرة، فكان القطار يمر وسط بساتين النخيل والاهوار وغير ذلك. وكنت حينها احسب نفسي (سندباد) في قارب صغير، تحول الى سفينة كبيرة، وعندما صرت تاجرا، وتوفرت لدي الوسيلة للسفر، ورحلت الى فرنسا وسويسرا وانكلترا، شجعني على القيام بسفرات اخرى الى الهند وامريكا وكافة الاقطار العربية والدول الاوروبية والاتحاد السوفياتي.
* هل تعود قليلا الى البداية؟
- يوم كنت طفلا في مرحلتي الابتدائية، وانا استمع الى عمي (عبد اللطيف) رحمه الله، يرتل القرآن ترتيلا شجيا في ليالي رمضان المباركة، كان صوته الرجولي الجهوري، يؤثر في نفسي بعمق روحاني وخشوع وجداني، كما كنت اصغي بمتعة ورغبة لما يقرأه علينا شقيقنا من قصص بطولات الامجاد وغراميات الاجداد (عنتر وعبلة) و(المياسة والمقداد) و(ابو زيد الهلالي) فكان يخيل الي ان الشاعر العبقري والكاتب الالمعي والبطل الاسطوري رسول ذا معجزة بل نبي، لذا سرت وراءهم واقتفيت اثارهم ونهلت من منهلهم، الا البطولة فكنت منها معطل.
* وماذا عن عصا الملا وقراءة المعلقات والدراسة الجامعية؟
- انا اديب مخضرم، اذ نشأت وتتلمذت على يد (الملا) التي لا تفارقها (العصا) والتهديد والوعيد الذي ما زال صداه يلهب كفي وظهري (العصا لمن عصى) ثم دخلت رحاب الجامعة فشعرت بالحرية والاحترام، حرية الكلام والرأي والمناقشة واحترام التلميذ للاستاذ، والاستاذ للتلميذ، ويسري ذلك حتى بين التلميذ والعميد، كما تثقفت على شعراء المعلقات، وشعراء المجد الاسلامي، وخاصة العصر العباسي، وعاصرت كتاب الاربعينيات (المنفلوطي) و(جبران) و(نعيمة) و(طه) و(الزيات) و(فهمي المدرس) و(ابراهيم صالح شكر) و(الزهاوي) و(الرصافي) و(الخليلي) و(ذو النون ايوب).
* وادباء جيلك ومجالسهم؟
- التقيت بالسياب ونازك الملائكة، وصادقت لميعة عباس عمارة (عبد الملك نوري) و(د. صفاء خلوصي) و(عبد المجيد لطفي) و(مكي السد جاسم) و(حسين امين) و(عبد الرزاق عبد الواحد) و(مصطفى جواد) و(علي الوردي) و(ذو النون ايوب) و(الخليلي) و(فؤاد عباس) و(عبد الرزاق الهلالي) وترددت على الندوات الادبية، وعاصرت انبثاق الشعر الحر، وواكبت الحركة الادبية المعاصرة، وربطتني باكثرهم وشائج محبة وعمق تفاهم، ونسيج محبة صافية نقية، الا انني لم يهزني الشعر الحر، ولم يطربني، بل لم افهمه ولم يفهمني، فاعذره وليعذرني.
* وكيف تقيمون الحركة الادبية حاليا؟
- الحركة الادبية غزيرة الانتاج، وتراثنا الادبي والثقافي يزخر بالروائع، التي يمكننا ان ننهل منها ونعيد طبعها بعد تبويبها واخراجها حسب الذوق المثقف المعاصر.
وباعتقادي، ان انتاجنا الادبي غزير في جميع الدول العربية، شعراء، ادباء وعلماء، انما هناك سوء في التوزيع، ومما يدعم قولي هذا من وجود العديد من المؤلفات والدواوين والمراجع التي تخدم الحركة الثقافية والادبية.
اذاً، هناك حركة ثقافية وادبية وانتاج عزير، ولكن هناك سوء واهمال في التوزيع.
* محاورة اخيرة، ماذا تعني هذه الكلمات للساعاتي المحامي ناجي جواد:
* الطفولة؟
- البراءة، وتعني صفحة بيضاء قبل ان يشوهها المجتمع.
* الرجل؟
- يعني الشهامة، الحلم، الكرم.
* التسامح؟
- صفحة العظماء علما ومقدرة.
* الامل؟
- ساقية تروي شجرة طموحنا لتنمو وتزدهر ثم تثمر.
* الحب؟
- واحة في صحراء حياتنا، تخضر حولها اغصان امالنا وتلون زهور امانينا.
* الانانية؟
- صفحة تلازم ذوي النفوس الصغيرة.
* الحقد؟
- ليس له مكان في قاموس قلبي، اذ الحياة عندي رحلة قصيرة.
* المرأة؟
- هي النصف الحلو والمر في حياتنا.
* الغرور؟
- صفة الجاهل عقلا ويجب على المرء، ان يعتبر بالاية الكريمة (وفوق كل ذي علم عليم).
* الشعر؟
- موهبة للشاعر واغنية للمستمع.
* الموسيقى؟
- غذاء الروح وتهذيب النفس.
* الهواية؟
- حب الاصدقاء والنساء والكتب والاسفار.
* اللون؟
- الاخضر لانه يرمز الى الديمومة، ديمومة الحياة.
* الكتاب الذي اثر في نفسك؟
- (العبرات) و(الايام) و(زهرة العمر).
* فصول السنة؟
- احب فصول السنة عندي، الشتاء حيث يذكرني بعطف امي وحرارة قلبها، والربيع، لانه يحفزني لربط حقائبي وتخطيط سفرتي، اما الخريف فلا احبه، لانه يرمز الى خريف العمر.
* اغلى امانيك؟
- ان ينقضي مشوارنا بالمحبة والسلام.
* الغربة؟
- وحشة محزنة.
* الموت؟
- فراق ممض.
جريدة الاتحاد 1986