حوارات مختارة مع عدد من الروائيين والروائيات في   فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة

حوارات مختارة مع عدد من الروائيين والروائيات في فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة

أوراق
إن تأريخ الإبداع الإنساني هو تأريخ التخصيب المتبادل والمتواصل بين الافكار خارج حدود الجدران والحدود المصطنعة بين الثقافات، كما أن الأدب هو الخيمياء التي تحول الحقيقة إلى كلمات لتخلق بذلك ظاهرة جديدة تدعى الحقيقة الروائية.

افتتحت الروائية العراقية لُطفية الدليمي كتابها "فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة " بقولين لكل من " جي إم كوتزي " و " شهريار مندنيبور "، هذا الكتاب صدر عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، ويتضمن ترجمات الدليمي لعدد من الحوارات المترجمة لمجموعة روائيين وروائيات.
تمثل هذه الحوارات مع نخبة معاصرة من الروائيات والروائيين إضمامة عولمية تجتمع فيها الرؤى المختلفة والتلاوين الفكرية ومصادر الإلهام اللامحدودة التي تجعل من الرواية موسوعة العصر الثقافي والشكل الإبداعي المتغير والذي يبقى في حالة صيرورة دائمة وحركية ومفعمة بالحيوية والطموح والقدرة على بعث الإلهام، الرواية كجنس أدبي دائمة التغير لكونها منفتحة على احتمالات لاتحصى تفرزها الحياة الإنسانية وترتبط في الوقت ذاته باللحظات الفلسفية الفارقة والتغيرات الدراماتيكية في الإقتصاد والسياسة، وانعكاساتهما على الأوضاع الديموغرافية والنفسية للكتلة البشرية في عموم العالم.
تعد الرواية الحديثة إحدى أدوات المعرفة القائمة على حركية الفكر والنزوعات البشرية والتحولات المجتمعية في جوانبها الأخلاقية والجمالية وفي الحوارات التي يضمها هذا الكتاب نجد التباين والتضاد في آراء الروائيين من جوهر العمل الروائي ودوافعه ومحفزاته مثلما تتباين اساليبهم التي تتجاوز في تجريبيتها مختلف النظريات المعروفة عن الرواية بوصفها جنساً أدبياً ذا ملامح محددة – فهنا يتحدث روائيون كبار مكرسون عن الرواية والإبداع الروائي وطرائق الكتابة وطقوسها فيما يخص آليات العمل الأدبي ويلقون الأضواء الكاشفة على حياة الشعوب وأساليب عيشها وتعاملها مع معضلات الوجود الأساسية كالحب والجمال والموت والحياة والشغف واليأس والصراع من أجل البقاء.
من خلال هذه الحوارات نتعرف إلى جوانب خفية من حياة الروائيات والروائيين ورؤيتهم للحياة ومواقفهم من أحداث زمننا والمؤثرات الفكرية والفلسفية التي شكلت شخصياتهم وتركت آثارها على نضجهم الوجداني كما نتعرف إلى الموضوعات التي لطالما كانت مصدر إلهام لهم في عملهم الروائي ونجد في اختلاف الرؤى والمواقف والأساليب ما يثري رؤيتنا إلى فن الرواية في الثقافات المختلفة مثلما تكشف لنا هذه الحوارات فوارق كبرى بين توجهات مبدعي الشرق والغرب والشمال والجنوب وتباين مواقفهم مما هو ذاتي واجتماعي، فنلتمس طغيان الفردانية والذاتيه المفرطة والمتأتية من ضغوط المجتمع التنافسي والتبدلات القيمية بينما يحتكم الشرقيون عموماً في مضامين أعمالهم الروائية إلى تبني الهموم الجمعية والمعضلات العامة والتوق الإنساني إلى الحرية والكرامة واشتراطات حياة فُضلى وإغفال ما هو شخصي وذاتي غالباً.
تصف الروائية لطفية الدليمي هنا أن " الحوارات الأدبية هي في الأساس مناوشات فكرية تنطوي على فضول مقبول موجه بكياسة عالية لدفع الكاتب أو الروائي إلى الإعتراف بجوانب قوته وضعفه وأسرار حرفته حتى يتحول الحوار إلى إطلالات ممتعة من نوافذ مشروعة على جماعات بشرية ومحيطات وحقول وسماوات ومدن وأرياف وتجارب نجاح ونكوص وتحديات مستمرة حيث يقوم الروائيون بالمغامرة ويقطفون عناقيد الحكايات من الذاكرة ويقتنصون موسيقى اللغات ويهبون قرّاءهم المتع ثم يعودون إلى وحشتهم حين ينجزون عملهم ويغدون ملكاً للقراء".
ومن خلال هذه الحوارات عرضت الدليمي للقارئ مدى عشق الروائي للكتابة وشغفه بالأحلام من خلال خلقه لأساطير المعاصرة، فبعض الروايات هي محض استجابات إبداعية لحياة الكاتب كما يصرح كازو إيشيغورو في توصيفه لروايته "من لا عزاء لهم"  وبعضها خلاصة جوهرية مكثفة حتى لتكاد تكون شعراً خالصاً كمت في روايات الإيطالي إيتالو كالفينو.
تضمن الكتاب حوارات مع كُتاب عديدين أمثال "شينوا أتشيبي، خالد حسيني، ها جن، نغوغي واثيونغو، توني موريسون، خوزيه ساراماغو، كولن ويلسون... وغيرهم كثيرون."
وتختتم لطفية الكتاب لافته إلى " ربما سيجد بعض القُراء أن ثمة انزياحا من عدد الكتاب بالنسبة لنظيره من الكاتبات مما يعد إخلالاً بالديمقراطية الجندرية!! وهنا أقول أن الأمر غير مقصود وقد حصل من غير ترتيب مسبق أو ذائقة منحازة أو أية اعتبارات أخرى."